اتفاقية جدة 1927: الاعتراف الدولي بالمملكة العربية السعودية وتثبيت أركان الدولة الناشئة

اتفاقية جدة 1927: الاعتراف الدولي بالمملكة العربية السعودية وتثبيت أركان الدولة الناشئة

اتفاقية جدة 1927: الاعتراف الدولي بالمملكة العربية السعودية وتثبيت أركان الدولة الناشئة

اتفاقية جدة 1927: الاعتراف الدولي بالمملكة العربية السعودية وتثبيت أركان الدولة الناشئة

في عالم السياسة الدولية، كثيراً ما تكون الوثائق الرسمية والمعاهدات أكثر أهمية من المعارك العسكرية، لأنها هي التي تُرسّخ الحقائق على الأرض وتمنحها شرعيتها القانونية والدولية. ولعل اتفاقية جدة المبرمة في العشرين من مايو عام 1927 بين المملكة المتحدة والملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، المعروف في الوثائق البريطانية بـ”ابن سعود”، تُمثّل واحدة من أبرز تلك الوثائق في تاريخ منطقة الجزيرة العربية والشرق الأوسط بأسره.

جاءت هذه الاتفاقية في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ المنطقة؛ مرحلة كانت فيها الإمبراطوريات العظمى تتهاوى، وكانت دول جديدة تُعيد رسم خرائطها بالدم والحديد. كانت الحرب العالمية الأولى قد أسدلت ستارها قبل أقل من عقد من الزمن، وكانت اتفاقية سايكس-بيكو قد مزّقت المشرق العربي وفق مصالح القوى الاستعمارية الأوروبية. في هذا السياق المضطرب، كان عبد العزيز آل سعود يبني دولته لبنة لبنة، موحِّداً الجزيرة العربية تحت سلطته، وساعياً في الوقت ذاته إلى انتزاع الاعتراف الدولي بسيادته.

هذه المقالة تتناول اتفاقية جدة 1927 من زوايا متعددة: السياق التاريخي الذي نشأت فيه، والمفاوضات التي سبقتها، وأبرز بنودها ومضامينها، وتداعياتها على المشهد السياسي في الجزيرة العربية وعلاقاتها بالقوى الكبرى، فضلاً عن موقعها في الروايات التاريخية المختلفة.

أولاً: السياق التاريخي — الجزيرة العربية في مطلع القرن العشرين

صعود الحركة السعودية الوهابية وتوحيد الجزيرة

لا يمكن فهم اتفاقية جدة 1927 بمعزل عن المسار الطويل الذي قطعه آل سعود في توحيد الجزيرة العربية. كانت الدولة السعودية الأولى قد قامت في منتصف القرن الثامن عشر بتحالف تاريخي بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، ذلك التحالف الذي جمع السلطة السياسية بالمشروعية الدينية. غير أن تلك الدولة اندثرت تحت وطأة الحملات المصرية التي أرسلها محمد علي بوصفه ولياً للأمر تحت السلطة العثمانية.

وجاءت الدولة السعودية الثانية في القرن التاسع عشر لتعيد الكرّة، ولكنها هي الأخرى آلت إلى الانهيار في خضم الصراعات الداخلية والضغوط الخارجية. وفي مطلع القرن العشرين، كانت الجزيرة العربية موزّعة بين قوى متعددة متنافسة: آل رشيد في حائل الذين كانوا يحظون بدعم عثماني، وآل سعود الذين يقودهم الشاب عبد العزيز، وشريف مكة الذي كان يتمتع بمكانة رفيعة بحكم ولايته على الحرمين الشريفين، إضافة إلى سلاطين ورؤساء قبائل على الساحل الخليجي وجنوب الجزيرة.

عاد عبد العزيز بن سعود عام 1902 ليسترد الرياض في عملية أسطورية شبه خارقة، حين تسلّق أسوار القصر ليلاً بصحبة رجال قلائل، وقتل عاملَ آل رشيد، وأعلن سيطرته على المدينة. كان ذلك الفجر بداية مسيرة طويلة لم تتوقف حتى أرست أسس المملكة العربية السعودية الحديثة.

العلاقة مع بريطانيا العظمى قبل 1927

أدركت بريطانيا العظمى في مطلع القرن العشرين أن الجزيرة العربية تمثّل منطقة استراتيجية بالغة الأهمية، لا سيما بعد أن باتت قناة السويس الشريانَ الحيوي لإمبراطوريتها، ولما أثبتته الحرب العالمية الأولى من أهمية النفط. وكانت بريطانيا تحتفظ بعلاقات تعاقدية وثيقة مع كثير من شيوخ ورؤساء الخليج.

في عام 1915، وفي خضم الحرب العالمية الأولى، أبرم عبد العزيز معاهدة العقير مع السير ريجينالد ونجت، المفوض السامي البريطاني، ثم جاءت معاهدة دارين (نوفمبر 1915) لتُضفي على عبد العزيز صفة “حليف” بريطانيا في مقابل اعتراف بريطانيا بنجد وما يتبعها من أراضٍ تحت سيطرته. بيد أن تلك المعاهدة كانت قاصرة من الناحية القانونية، إذ لم تعترف بعبد العزيز ملكاً أو سلطاناً مستقلاً بالمعنى الكامل، بل وضعته في موضع التبعية لبريطانيا في الشؤون الخارجية.

كانت بريطانيا في الوقت نفسه تدعم الشريف حسين بن علي، شريف مكة، الذي أطلق الثورة العربية الكبرى عام 1916 ضد الأتراك العثمانيين، وأعلن نفسه لاحقاً ملكاً على الحجاز. وبذلك وجدت لندن نفسها في موقف بالغ التعقيد: فهي توالي في آنٍ واحد رجلين يتنافسان على السيادة في الجزيرة العربية، وهما عبد العزيز بن سعود وشريف مكة الحسين بن علي.

سقوط الحجاز وإعادة رسم المشهد

في عام 1924، شنّ عبد العزيز بن سعود حملته العسكرية على الحجاز، وكانت الظروف مواتية له من جهات عدة: فقد كان الشريف حسين قد سقط من عين بريطانيا بعد رفضه التوقيع على معاهدة فرساي وما أعقبها من اتفاقيات، كما أن طموحاته المُعلنة في الخلافة الإسلامية والعروش العربية خلقت له أعداءً كثراً. سقطت الطائف في سبتمبر 1924، ثم مكة المكرمة في أكتوبر من العام نفسه، وفي عام 1925 دخل عبد العزيز المدينة المنورة وجدة.

أعلن عبد العزيز نفسه ملكاً على الحجاز في يناير 1926، وباتت الجزيرة العربية -باستثناء اليمن وبعض إمارات الجنوب والشرق- في قبضته. وكان عليه الآن أن ينتقل من ساحة المعارك العسكرية إلى الدبلوماسية الدولية، ساعياً إلى انتزاع الاعتراف الدولي بدولته الموحّدة.

ثانياً: طريق إلى جدة — المفاوضات والتحضيرات

المصالح البريطانية المتضاربة

وجدت بريطانيا نفسها في مطلع عام 1926 أمام واقع جديد لم تخطّط له تخطيطاً كاملاً. فقد كانت تراهن جزئياً على استمرار الحكم الهاشمي في الحجاز، لما كان يمثّله الشريف حسين وأبناؤه من أداة في مشروعها الاستراتيجي في المنطقة. غير أن سقوط الحجاز بيد عبد العزيز كان أمراً واقعاً لا مناص من التعامل معه.

ثمة عوامل دفعت بريطانيا إلى إعادة النظر في علاقتها مع عبد العزيز وصياغتها من جديد:

أولاً: الحرص على الرعايا والمصالح البريطانية. كانت بريطانيا تضم في إمبراطوريتها ملايين المسلمين، لا سيما في الهند وما كان يُعرف بـ”السودان الإنجليزي-المصري”، وكان الوصول إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة والسماح لهم بأداء فريضة الحج مسألة بالغة الحساسية السياسية والدينية.

ثانياً: استقرار الحدود. كانت بريطانيا تحكم كلاً من العراق والأردن (إمارة شرق الأردن) بموجب الانتداب، وكانت حدود تلك الكيانات مع نجد والحجاز بحاجة ماسة إلى تحديد رسمي واضح، لا سيما بعد الغارات التي كان الإخوان (حركة المحاربين الوهابية الذين ربطوا مصيرهم بعبد العزيز) يشنّونها باستمرار على الأراضي الحدودية.

ثالثاً: النفوذ الاستراتيجي. أدركت لندن أن تجاهل عبد العزيز أو معاداته قد يدفعه إلى الانفتاح على قوى أخرى، كالإيطاليين أو الفرنسيين أو حتى السوفييت الذين كانوا قد بادروا هم أنفسهم إلى الاعتراف بمملكته عام 1926.

اختيار جدة مسرحاً للمفاوضات

اختارت بريطانيا مدينة جدة مقراً للمفاوضات، وهو اختيار ذو دلالة رمزية ومنطقية في آنٍ واحد. فجدة، بوصفها ميناء الحجاز الرئيسي وبوابته على البحر الأحمر، كانت مركزاً تجارياً ودبلوماسياً منفتحاً على العالم الخارجي، وفيها مقار القنصليات الأجنبية.

قدِم إلى جدة السير كلايف ليتلي الذي عُيّن مفوضاً بريطانياً لإجراء التفاوض. ووجد أمامه قائداً ملكياً من طراز فريد: عبد العزيز بن سعود الذي جمع بين براعة المحارب وحنكة السياسي، وكان يدرك تماماً قيمة ما يملك وما يريد.

المطالب والتنازلات

دخل الطرفان المفاوضات بأجندات مختلفة، وإن كانت مصالحهما المشتركة تفوق خلافاتهما. أراد عبد العزيز:

  • الاعتراف الكامل بسيادته على ممتلكاته بما فيها الحجاز المُضافة حديثاً إلى نجد
  • إلغاء التبعية المنصوص عليها في معاهدة دارين 1915 وما نص عليه من قيود على شؤونه الخارجية
  • ضمانات بعدم التدخل البريطاني في شؤونه الداخلية

في المقابل، أرادت بريطانيا:

  • ضمانات بحرية مواطنيها المسلمين وأداء الحج
  • وقف غارات الإخوان على الأراضي الخاضعة للانتداب البريطاني في العراق والأردن
  • تسوية قضايا الحدود
  • صون مصالحها في دول الخليج والمشيخات المرتبطة بمعاهدات مع لندن

ثالثاً: نص الاتفاقية وأبرز بنودها

وُقّعت اتفاقية جدة في العشرين من مايو 1927، وتضمّنت جملة من البنود الجوهرية التي يمكن استعراضها على النحو التالي:

الاعتراف بالاستقلال والسيادة

تُعدّ هذه النقطة جوهر الاتفاقية وروحها الأساسية. اعترفت بريطانيا العظمى بالاستقلال التام لملك الحجاز ونجد وملحقاتها، وتخلّت عن كل ادعاء بحق الإشراف على سياسته الخارجية الذي كانت تستند إليه في معاهدة دارين. كان هذا اعترافاً لم يكن عبد العزيز يحظى به سابقاً بهذه الصياغة الصريحة الواضحة.

استخدمت الاتفاقية لقب “ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها” للإشارة إلى عبد العزيز، وهو اللقب الذي اعتمده هو نفسه في تلك المرحلة قبل أن يُعلن المملكة العربية السعودية باسمها الموحّد عام 1932.

الالتزامات المتبادلة

التزمت المملكة المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة، وباحترام سيادتها على أراضيها. في المقابل، التزم عبد العزيز بحماية مواطني الدول الأجنبية على أراضيه وصون مصالحهم.

ومن أبرز الالتزامات العملية التي تضمنتها الاتفاقية، تعهّد عبد العزيز بضمان حرية أداء الشعائر الدينية للحجاج القادمين من المستعمرات البريطانية وغيرها، وهو التزام حيوي بالنظر إلى أعداد المسلمين الهائلة في الهند وأفريقيا وسائر أرجاء الإمبراطورية البريطانية.

الحدود والدول المحمية

اعترف عبد العزيز بموجب الاتفاقية باستثناء دول الخليج الخاضعة لمعاهدات مع بريطانيا من نطاق توسعاته. وكان ذلك تثبيتاً للوضع القائم الذي تمسك بموجبه البريطانيون بشبكتهم من العلاقات التعاهدية مع مشيخات الخليج، كالبحرين والكويت وإمارات الساحل المتصالح (الإمارات لاحقاً) ومسقط وعُمان.

وكان هذا البند من أكثر البنود دقة وتعقيداً، إذ كانت الحدود بين نجد وتلك المشيخات لا تزال رخوة وغير محددة تحديداً قاطعاً، وكانت الغارات والنزاعات القبلية تقع بصفة متكررة.

معاملة الرعايا الأجانب

تضمّنت الاتفاقية بنوداً تنظيمية تتعلق بمعاملة رعايا الدول الأجنبية على أراضي المملكة، وضمان حقوقهم القانونية وسلامتهم الشخصية وأموالهم. وكان ذلك استجابة لمخاوف بريطانية حقيقية إزاء ما قد يتعرض له الرعايا البريطانيون من مسلمين وغير مسلمين في أرجاء مملكة ابن سعود.

رابعاً: التداعيات والانعكاسات

على المستوى الدولي: بداية التدويل الدبلوماسي

كانت بريطانيا القوة الكبرى الأولى والأهم التي اعترفت رسمياً واتفاقياً بالمملكة الموحّدة تحت حكم عبد العزيز، وقد شكّل ذلك نقطة تحوّل استراتيجية. صحيح أن الاتحاد السوفييتي سبق بريطانيا في الاعتراف بها عام 1926، وكذلك فعلت إيطاليا الفاشية وبعض الدول الأخرى، غير أن الاعتراف البريطاني كان يحمل ثقلاً مختلفاً تماماً نظراً للهيمنة البريطانية على المنطقة والعالم العربي آنذاك.

بعد اتفاقية جدة بسنوات قليلة، تقاطرت الاعترافات الدولية بالمملكة، وتوطّدت علاقاتها الدبلوماسية مع مختلف القوى. وفي هذا الإطار، شكّلت اتفاقية جدة حجر الأساس الذي بُني عليه صرح العلاقات الدولية للدولة السعودية الوليدة.

على مستوى الهوية الجغرافية السياسية

جاءت اتفاقية جدة في مرحلة كانت الهوية الرسمية للدولة لا تزال في طور التشكّل. فالعنوان الرسمي المستخدم في الاتفاقية “مملكة الحجاز وسلطنة نجد وملحقاتها” يعكس التركيب الفدرالي غير المكتمل للكيان السياسي الذي أسسه عبد العزيز. ولم يتوحّد هذا الكيان تحت اسم واحد هو “المملكة العربية السعودية” إلا في عام 1932.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى اتفاقية جدة باعتبارها وثيقة مرحلية وانتقالية، تعكس مرحلة التوحيد غير المكتمل وتُضفي عليها شرعية دولية في الوقت ذاته.

على علاقة بريطانيا بالإخوان

كانت إحدى أبرز الأزمات التي كدّرت العلاقة بين عبد العزيز وبريطانيا هي غارات الإخوان المتكررة على الأراضي الخاضعة للانتداب البريطاني في العراق والأردن. وقد نظر الإخوان —وهم الحركة الدينية العسكرية التي استعملها عبد العزيز أداةً للتوحيد— إلى حدود الانتداب البريطاني باعتبارها حدوداً اصطناعية مفروضة من الكفار لا قيمة لها، وكانوا يشنّون عليها غاراتهم دون أن يأبهوا بالتبعات الدبلوماسية.

شكّلت الاتفاقية ضغطاً على عبد العزيز لكبح جماح الإخوان، وهو ما كان يريده هو الآخر لأسباب سياسية داخلية. وقد انتهى الأمر بمعركة السبلة عام 1929 التي دكّ فيها عبد العزيز قيادة الإخوان المتمرّدين وأسقط حركتهم العسكرية المستقلة، مُثبِّتاً بذلك سلطته المطلقة وموفياً في الوقت ذاته بالتزاماته تجاه بريطانيا وإن لم يكن ذلك سبباً مباشراً.

على الشأن الحجازي

أتاحت الاتفاقية لعبد العزيز أن يُرسّخ حكمه في الحجاز من دون قلق من ضغوط دولية مباشرة. وقد انصرف إلى تنظيم إدارة الحجاز وتحديث مؤسساته، وأنشأ مجلساً شورياً للحجاز وجهازاً إدارياً مدنياً، وبذل جهداً واضحاً لطمأنة العالم الإسلامي إلى أن الحرمين الشريفين في أيدٍ أمينة، وأن الحج سيُصان ويُنظَّم.

خامساً: الاتفاقية في ضوء الروايات التاريخية

الرواية السعودية الرسمية

في الرواية التاريخية السعودية الرسمية، تحتل اتفاقية جدة 1927 مكانة مرموقة بوصفها وثيقة الاعتراف البريطاني بالاستقلال السعودي. وكثيراً ما تُستحضر هذه الاتفاقية في السياق الأشمل لمسيرة التوحيد التي قادها الملك المؤسس عبد العزيز، والتي تُقدَّم باعتبارها ملحمة وطنية كبرى جمعت الجزيرة العربية تحت راية واحدة بعد قرون من الفرقة.

وتُبرز هذه الرواية كيف أن عبد العزيز نجح في انتزاع الاعتراف الدولي من القوى الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا العظمى، مستنداً إلى قوة الحجج السياسية والحقائق الميدانية، لا إلى الضعف أو الخضوع.

الرواية البريطانية: بين البراغماتية والإمبريالية

من منظور بريطاني، تبدو اتفاقية جدة تجسيداً للبراغماتية الإمبريالية البريطانية في أجلى صورها. فلندن لم تكن تدفع إلى الاتفاقية بدوافع أيديولوجية أو أخلاقية، بل كانت تسعى إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية في منطقة باتت تحكمها وقائع لم تخطّط لها.

وقد أظهرت وثائق الأرشيف البريطاني التي رُفعت عنها السرية أن المفاوضين البريطانيين كانوا يدركون أنهم يتعاملون مع واقع فرضه عبد العزيز بقوة السلاح، وأن إنكار هذا الواقع لن يخدم مصلحة بريطانيا. في الوقت نفسه، حرص المفاوضون على تضمين الاتفاقية بنوداً تصون مصالح لندن في الخليج وتحفظ ما بنته من شبكة علاقات تعاهدية مع مشيخاته.

الرواية الأكاديمية: قراءة نقدية

يذهب عدد من المؤرخين إلى أن اتفاقية جدة وإن كانت تمثّل خطوة كبرى نحو الاستقلال السعودي، إلا أنها لم تكن قطيعة كاملة مع المنطق الإمبريالي السائد. فبريطانيا احتفظت بنفوذها في الخليج من خلال شبكة المعاهدات مع المشيخات، ولم تتخلَّ عن هذا النفوذ بالاتفاقية بل ثبّتته. كما أن القيود المفروضة على عبد العزيز في علاقاته مع تلك المشيخات كانت في جوهرها قيوداً على توسّعه، مما يعني أن الاعتراف ببعض السيادة جاء في مقابل قبول ضمني بحدود جغرافية لهذه السيادة.

ومن المؤرخين من يرى أن الاتفاقية كانت أكثر نفعاً لعبد العزيز من الناحية الرمزية والقانونية، في حين أن بريطانيا حافظت على جوهر مصالحها في المنطقة وأعادت فقط صياغة علاقتها مع واقع جديد.

سادساً: أثر النفط وتحوّل العلاقة السعودية – البريطانية لاحقاً

لم يكن عام 1927 يعلم أحد ما تكتنزه الجزيرة العربية في باطنها من ثروات نفطية خارقة. وقد جاء اكتشاف النفط في المنطقة الشرقية عام 1938 ليُعيد رسم خريطة العلاقات الدولية كلياً. بيد أن الإطار الدبلوماسي الذي أرسته اتفاقية جدة كان قد وضع الأساس الذي قامت عليه تلك العلاقات لاحقاً.

وفي خضم الحرب العالمية الثانية، كان عبد العزيز يدير بمهارة فائقة علاقاته مع المحاور المتعارضة، محافظاً على حياد ماكر يصون استقلاله الذي اكتسبه بشق الأنفس. وبات النفط السعودي مادة استراتيجية لا غنى عنها، مما جعل العلاقة مع المملكة أولوية كبرى لكل القوى الكبرى.

وبهذا المعنى، فإن اتفاقية جدة 1927 شكّلت النواة الأولى لبناء علاقات دبلوماسية سعودية دولية ناضجة، تطورت لاحقاً في اتجاهات لم يكن أحد يتوقعها بالكامل.

سابعاً: إرث الاتفاقية في السياق المعاصر

قد يبدو للوهلة الأولى أن اتفاقية جدة 1927 وثيقة تنتمي إلى عالم بائد، تجاوزتها الأحداث وطوت عليها صفحات التاريخ المتراكمة. غير أن قراءتها بعمق تكشف عن مفارقات وإسقاطات لا تزال حيّة في راهننا:

أولاً: في مسألة الاعتراف الدولي والسيادة. لا تزال صياغات مشابهة لتلك التي وردت في اتفاقية جدة تُستخدم في المعاهدات والاتفاقيات الدولية الحديثة، إذ يبقى الاعتراف بالسيادة والاستقلال حجر الزاوية في القانون الدولي.

ثانياً: في علاقة القوى الكبرى بمنطقة الخليج. النمط الذي أرسته الاتفاقية —أي توازن بين الاعتراف بسيادة دول المنطقة من جهة، والحفاظ على مصالح القوى الكبرى وروابطها التعاقدية مع دويلات الخليج الصغيرة من جهة أخرى— هو نمط ما زال يتكرر بأشكال مختلفة حتى اليوم.

ثالثاً: في قضية التطبيع الدبلوماسي. كانت اتفاقية جدة درساً في أن الاعتراف الدولي لا يُنتزع بالتمنيات وإنما بخلق الوقائع وبناء القوة وإدارة التفاوض بحنكة ومرونة. وهو درس لا يزال راهناً في السياسة الإقليمية والدولية.

خاتمة

اتفاقية جدة 1927 وثيقة تتقاطع فيها خيوط التاريخ بطريقة نادرة. فهي في آن واحد: شهادة على نهاية حقبة وبداية أخرى، وعلى التحوّل الكبير في موازين القوى في الجزيرة العربية والشرق الأوسط، وعلى عبقرية القائد الباني عبد العزيز بن سعود الذي أحسن توظيف التفاوض الدبلوماسي لتثبيت ما أنجزته الجيوش على الميدان.

وبنظرة موضوعية متوازنة، يمكن القول إن الاتفاقية حقّقت لكلا الطرفين قسطاً من مبتغياتهم: حصل عبد العزيز على الاعتراف البريطاني باستقلاله وسيادته الكاملة، وهو ما لم يكن ليتحقق لولا الوقائع التي خلقها بجهوده العسكرية والسياسية. وحافظت بريطانيا على مصالحها الاستراتيجية في الخليج، وضمنت حقوق مواطنيها المسلمين، وأسّست علاقة قانونية واضحة مع قوة إقليمية صاعدة لا يمكن تجاهلها.

وقد غدا التوقيع في جدة في ذلك اليوم من مايو 1927 خطوة فارقة في المسيرة الطويلة نحو إنشاء المملكة العربية السعودية الحديثة، تلك الدولة التي باتت اليوم تقف على مفترق طرق جديد من مفترقات التاريخ، محمّلةً بموروث دبلوماسي يمتد جذوره إلى لحظات تأسيسية كهذه.

إن دراسة اتفاقية جدة 1927 لا تُعلّمنا تاريخ الجزيرة العربية وحسب، بل تُقرّبنا من فهم آليات بناء الدول وانتزاع الاعتراف الدولي وإدارة العلاقات بين الأطراف غير المتكافئة. وهي آليات تظل صالحة في جوهرها لكل زمان ومكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *