التضاريس الجيولوجية للجزيرة العربية

التضاريس الجيولوجية للجزيرة العربية

التضاريس الجيولوجية للجزيرة العربية

التضاريس الجيولوجية للجزيرة العربية

تُعدّ الجزيرة العربية من أكثر المناطق في العالم إثارةً من الناحية الجيولوجية، إذ تحمل في باطنها وعلى سطحها سجلاً صخرياً يمتد عبر مليارات السنين، يحكي قصة تكوّن القشرة الأرضية وتحولاتها الكبرى عبر الحقب الجيولوجية المتعاقبة. تقع هذه شبه الجزيرة في الجزء الجنوبي الغربي من قارة آسيا، وتحدّها من الغرب البحر الأحمر، ومن الجنوب بحر العرب وخليج عدن، ومن الشرق الخليج العربي وبحر عُمان، فيما تتصل شمالاً بامتداد السهول الرسوبية في بلاد الشام والعراق. وتبلغ مساحتها نحو ثلاثة ملايين كيلومتر مربع، مما يجعلها أكبر شبه جزيرة في العالم.

يتميز البناء الجيولوجي لهذه المنطقة بطابع خاص يجمع بين القِدَم الصخري المدهش في بعض أجزائها، والحداثة النسبية في أجزاء أخرى، فهي تضم الدرع العربي النوبي في غربها، وهو أحد أقدم التكوينات الجيولوجية على وجه الأرض، بينما تمتد في شرقها وشمالها الطبقات الرسوبية الغنية بالنفط والغاز، التي تجعل من هذه المنطقة القلب النابض للاقتصاد العالمي. ولفهم هذا التنوع الجيولوجي المذهل، لا بدّ من التعمق في دراسة عناصره الرئيسية: من البنية الصخرية الأساسية، مروراً بالتضاريس السطحية، وصولاً إلى الدور الذي أدّته الحركات التكتونية في تشكيل ملامح هذه الأرض.

أولاً: البنية الجيولوجية الأساسية — الدرع العربي النوبي

يشكّل الدرع العربي النوبي الركيزة الجيولوجية الأولى للجزيرة العربية، وهو عبارة عن منطقة واسعة من الصخور البلورية القديمة التي تُطلّ على السطح في المنطقة الغربية من شبه الجزيرة، وتمتد عبر الحجاز وعسير ونجران في المملكة العربية السعودية، وعبر أراضي اليمن وعُمان جزئياً. ويتصل هذا الدرع جيولوجياً بدرع أفريقيا الشرقية (النوبي) عبر قاع البحر الأحمر، إذ كانت هاتان الكتلتان في الأصل جزءاً واحداً من كتلة قارية موحدة، قبل أن يبدأ انفتاح البحر الأحمر قبل نحو ثلاثين مليون سنة.

تتألف صخور الدرع العربي أساساً من الجرانيت والنايس والشيست والأمفيبوليت، وهي صخور نارية ومتحولة يتراوح عمرها بين 550 مليون سنة وأكثر من مليار سنة. وقد نشأت هذه الصخور خلال مراحل بناء السلاسل الجبلية في الحقب الأول والثاني من تاريخ الأرض، حين كانت قطعة الأرض العربية جزءاً من القارة العملاقة “غندوانا”. وتُشير الدراسات الجيوكيميائية إلى أن النطاق الغربي من الدرع العربي يضم صخوراً أحدث نسبياً تكونت خلال ما يُعرف بـ”الحزام المتحرك الأفروعربي” أثناء الحقبة البروتيروزوية المتأخرة.

ومن الناحية المعدنية، يحتوي الدرع العربي على ثروات معدنية هائلة؛ فمناجم الذهب في منطقة مهد الذهب وأبو زار والمحمل في المملكة العربية السعودية تعود في أصولها إلى هذه الصخور القديمة، وكذلك رواسب النحاس في عُمان والزنك والرصاص في المناطق الحدودية اليمنية السعودية. يُضاف إلى ذلك تواجد معادن الحديد والمنغنيز والكروم التي تُعكس تنوعاً جيوكيميائياً لافتاً في تكوين هذه الصخور.

ثانياً: الهضبة العربية والمنطقة الرسوبية الشرقية

تُغطي الطبقات الرسوبية الجزء الأكبر من مساحة الجزيرة العربية، وتمتد من شرق الدرع العربي شرقاً وشمالاً حتى سواحل الخليج العربي. وتتراكم هذه الطبقات فوق القاعدة البلورية القديمة كطبقات متتالية بعضها فوق بعض، بحيث تصل سماكتها في بعض المناطق إلى آلاف الأمتار. وتنتمي هذه الطبقات إلى حقب جيولوجية متعددة، تبدأ من الحقب الباليوزوي (قبل نحو 500 مليون سنة) وتمتد حتى الحقب الحديث (الكينوزوي).

الطبقات الباليوزوية: تُشكّل الحلقة الأولى في سلسلة الطبقات الرسوبية، وتتمثل في حجر الرمل والطفل والحجر الجيري الذي ترسّب في البيئات البحرية الضحلة والبيئات القارية. وتبرز هذه الطبقات بوضوح في المنطقة الشمالية الغربية من المملكة العربية السعودية، وفي بعض مناطق الأردن والعراق المحاذية للجزيرة. وترتبط بهذه الطبقات رواسب المياه الجوفية الشحيحة في بعض الأحواض الرسوبية.

الطبقات الميزوزوية: وهي الأغنى اقتصادياً على الإطلاق، إذ تحتضن المعظم الأعظم من احتياطيات النفط الخام في منطقة الخليج. تشمل هذه الطبقات تكوينات من حجر الجير والدولوميت والمارل والحجر الرملي، ترسّبت خلال العصور الترياسي والجوراسي والكريتاسي في بحار دافئة ضحلة كانت تغمر هذه المنطقة آنذاك. ومن أبرز هذه التكوينات تكوين “العرب” الجوراسي الذي يُمثّل خزاناً نفطياً هائلاً في حقول العربية السعودية، وتكوين “الجهراء” الكريتاسي في الكويت، وتكوين “مياه” في الإمارات العربية المتحدة.

الطبقات الكينوزوية: تُغطي السطح في مناطق واسعة من سواحل الخليج وجنوب شرق الجزيرة، وتتمثل في رواسب الحجر الجيري الصدفي والرمال البحرية وترسبات السبخات. وتُشير هذه الطبقات إلى تاريخ تقدم البحر وتراجعه على مدى الملايين السنين الماضية.

ثالثاً: سلاسل الجبال والتضاريس المرتفعة

جبال الحجاز وعسير

يمتد جبل الحجاز وامتداده الجنوبي، جبال عسير، على طول الحافة الغربية لشبه الجزيرة العربية بمحاذاة ساحل البحر الأحمر، في ما يُسمى بـ”الجدار الغربي” أو “الشريان الجبلي العربي”. وتتصف هذه السلاسل الجبلية بحدّتها التضاريسية، إذ تنحدر انحداراً شديداً نحو السهول الساحلية الضيقة المعروفة بـ”تهامة” في الغرب، بينما تنحدر تدريجياً نحو الهضبة العربية في الشرق.

يُمثّل هذا الجدار الجبلي الحافة الغربية لما يُسمى جيولوجياً بـ”كتلة الانهيار العربي” (Arabian Rift Shoulder)، وهي المرتفعات التي نشأت نتيجة انتفاخ القشرة الأرضية وتصدّعها عند الحافة الشرقية لصدع البحر الأحمر. ويصل ارتفاع بعض قمم هذه الجبال إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر فوق مستوى سطح البحر، وأبرزها جبل سودة في منطقة عسير الذي يتجاوز ارتفاعه 3000 متر، وجبل الهضب الذي يُعدّ من أعلى قمم المملكة العربية السعودية.

تتألف هذه الجبال في معظمها من صخور الدرع العربي النارية والمتحولة، وتُشكّل الجرانيتات الوردية والرمادية المكوّن الأساسي لكثير من هذه التكوينات. وتتخللها في بعض الأحيان تكوينات صخرية بركانية أحدث عمراً تعود إلى نشاط بركاني متقطع امتد خلال الحقب الثالث والرابع.

الجبال العُمانية وجبال الحجر

تُقام في الجزء الشمالي الشرقي من شبه الجزيرة العربية جبال الحجر العُمانية، التي تمتد موازيةً لخليج عُمان وبحر العرب على شكل قوس جبلي يُعدّ من أكثر المناطق الجيولوجية تعقيداً في المنطقة. وتُعرف هذه الجبال بـ”أوفيولايت عُمان” الذي يُمثّل أحد أكبر وأفضل الأمثلة المحفوظة لقطعة من قاع محيط قديم (تيثيس) اندفعت فوق الحافة القارية العربية خلال الحقب الكريتاسي، قبل نحو 95 مليون سنة.

تتكون صخور هذه الأوفيولايت من طبقات متتابعة تمثل قاع المحيط القديم بشكل متكامل: من البريدوتيت الدونى الذي يمثل وشاح الأرض العليا، إلى الغابرو المتبلور في الغرف السحرية، ثم الديابيز الذي يمثل الحواجز الشيطانية، وصولاً إلى الباريك البازلتي الذي يُمثّل قاع المحيط الفعلي، وأخيراً الطبقات الرسوبية البحرية المتراكمة فوقه. ويجعل هذا التسلسل الصخري المتكامل من جبال عُمان وجهةً علمية بامتياز تستقطب الجيولوجيين من كل أنحاء العالم.

أما جبال الحجر الغربي (إمارة رأس الخيمة والشارقة) فتُكمل هذه السلسلة جنوباً وتمتد داخل الأراضي الإماراتية وسلطنة عُمان، وتبلغ أعلى قمم جبال الحجر العُمانية ذروتها في جبل شمس الذي يتجاوز ارتفاعه ثلاثة آلاف متر ويُعدّ أعلى قمة في شبه الجزيرة العربية بعد جبال اليمن.

جبال اليمن وجنوب غرب الجزيرة

تُشكّل الجبال اليمنية الامتداد الجنوبي للجدار الجبلي الغربي، وهي الأعلى ارتفاعاً في شبه الجزيرة العربية بأسرها، إذ يتجاوز ارتفاع جبل النبي شعيب 3666 متراً فوق مستوى سطح البحر، مما يجعله أعلى قمة في الجزيرة العربية وكذلك في غرب آسيا. ويتميز هذا القطاع الجبلي بتعقيده الجيولوجي الكبير، حيث تتداخل الصخور القديمة للدرع العربي مع الطبقات الرسوبية الأقدم والأحدث، فضلاً عن وجود تكوينات بركانية شبيهة بما في إثيوبيا المقابلة.

كما تتميز اليمن بوجود هياكل جيولوجية تُشير إلى امتداد الصدع الأفريقي العظيم نحو الشمال الشرقي، حيث يلتقي صدع البحر الأحمر بصدع خليج عدن عند نقطة يُطلق عليها الجيولوجيون “الثلاثية العفارية” (Afar Triple Junction). وقد كان لهذه التقاطعات التكتونية أثر بالغ في رسم الجغرافيا الجيولوجية لجنوب غرب الجزيرة، بما فيها ظاهرة انتشار الحمم البركانية البازلتية التي تُغطي أجزاءً واسعة من اليمن والحجاز.

رابعاً: الصحاري والأحواض الرسوبية

الربع الخالي

لا يُمكن الحديث عن جيولوجية الجزيرة العربية دون الوقوف عند الربع الخالي، أكبر صحراء رملية متصلة في العالم، الممتدة على مساحة تزيد على 650,000 كيلومتر مربع في الجزء الجنوبي والجنوبي الشرقي من المملكة العربية السعودية وأجزاء من اليمن وعُمان والإمارات. يُغطي الربع الخالي كتلة رسوبية ضخمة تُعرف بـ”حوض الربع الخالي” (Rub’ al Khali Basin) تحت كميات هائلة من الرمال.

تتنوع أشكال الكثبان الرملية في الربع الخالي تنوعاً مذهلاً، يعكس التفاعل بين بنية الرياح والكميات المتاحة من الرمال. فمن الكثبان الطولانية المتمددة لمئات الكيلومترات، إلى الكثبان النجمية متعددة الأذرع التي تتشكل عند تقاطع اتجاهات الرياح، وصولاً إلى الكثبان المقوسة (البرخان) التي تشير إلى سيادة اتجاه واحد للرياح. ويتراوح ارتفاع بعض هذه الكثبان بين 100 و250 متراً، مما يجعلها من أضخم الكثبان في العالم.

أما الرمال ذاتها فتعود في أصولها إلى مصادر متعددة؛ بعضها من الطبقات الرسوبية القديمة التي تفتّتت بفعل التجوية والتعرية، وبعضها حُمل بفعل الأنهار الجافة (الأودية) من مناطق الدرع العربي البلوري البعيدة، وبعضها الأحدث قُدِّم من قِبل رياح الصحراء التي أعادت توزيع الرمال المتاحة.

النفود الكبير والنفود الصغير

في شمال الجزيرة العربية، تمتد صحرواتا النفود الكبير والنفود الصغير (ويُعرف الثاني بالدهناء)، وهما بيئتان رمليتان تختلفان في أصل رمالهما وطبيعة تكويناتهما عن الربع الخالي. يحتوي النفود الكبير في شمال المملكة العربية السعودية على رمال رائدة تكوّنت أساساً من تآكل الطبقات الرملية الباليوزوية المجاورة، في حين تُمثّل الدهناء شريطاً رملياً يربط النفود الكبير شمالاً بالربع الخالي جنوباً، وينعكس فيه التوزيع الهيكلي للتكوينات الرسوبية الغنية في باطن الأرض.

خامساً: السهول الساحلية والمظاهر الجيومورفولوجية

السهول التهامية

تمتد السهول التهامية على طول ساحل البحر الأحمر من خليج العقبة شمالاً حتى باب المندب جنوباً، وهي سهول ضيقة تتراوح عرضاً بين بضعة كيلومترات وعشرات الكيلومترات، تُكوّنها رواسب فتاتية جيء بها من الجبال المجاورة عبر الأودية المنحدرة. تتميز هذه السهول بمناخها الحار الرطب وبكثافة شبكة الأودية التي تُحدث فيها فيضانات موسمية مؤثرة.

من الناحية الجيولوجية، تُمثّل هذه السهول الامتداد الشرقي لقاع البحر الأحمر المرتفع، أي الجزء الذي كان يقع في قاع البحر قبل تراجعه أو الجزء الذي كُشف بفعل الرفع التكتوني. وتتراكم فيها الرواسب الحديثة من الحصى والرمال والطمي فوق أسس أقدم من الصخور البلورية أو الرسوبية المتحولة.

سواحل الخليج العربي والسبخات

يتميز ساحل الخليج العربي بطبيعة جيولوجية وجيومورفولوجية مختلفة تماماً عن الساحل الغربي، إذ يتسم بانبساطه الشديد وضحالة مياهه وكثرة السبخات والمسطحات الملحية فيه. والسبخة هي بيئة رسوبية فريدة تتشكّل في المناطق الساحلية الجافة وشبه الجافة، حيث ترتفع المياه الجوفية المالحة إلى السطح بالخاصية الشعرية وتتبخر تاركةً وراءها تراكمات من الأملاح والجبس والأنهيدريت. وتُمثّل السبخات الإماراتية والسعودية والقطرية نماذج كلاسيكية لهذه البيئة تُدرَّس في الجيولوجيا الرسوبية العالمية.

سادساً: النشاط البركاني والحرّات

تتوزع عبر الجزيرة العربية مناطق بركانية خامدة أو نائمة تُعرف محلياً بـ”الحرّات”، وتتركز معظمها في الجزء الغربي من المملكة العربية السعودية على امتداد موازٍ لصدع البحر الأحمر. وتُقدَّر مساحة هذه الحرات بأكثر من مئة ألف كيلومتر مربع، وهو ما يجعل منطقة الحجاز ونجد الغربي من أوسع المناطق البركانية في العالم.

تنتمي هذه الحمم أساساً إلى نوع البازلت القاعدي الغني بالحديد والمغنيسيوم، وتعود في معظمها إلى الحقب الكينوزوي المتأخر (الميوسين والبليستوسين والهولوسين). ولعل أشهر هذه الحرات حرة لُنيّ التي تحتوي على فوهات بركانية محفوظة بشكل جيد، وحرة رهط الواقعة قرب المدينة المنورة التي شهدت ثوراناً موثقاً تاريخياً في القرن التاسع الميلادي، إضافةً إلى حرة خيبر وحرة عويرض وعشرات الحرّات الأخرى.

وتتصل هذه الحرات جيولوجياً بعملية التمدد التكتوني التي يشهدها البحر الأحمر، إذ إن إجهادات الشد التي نشأت في القشرة العربية نتيجة تباعد الصفيحتين العربية والأفريقية أتاحت للصهارة الصاعدة من الوشاح فرصة الاندفاع إلى السطح عبر شبكة من الشقوق والصدوع.

سابعاً: الصدوع التكتونية والزلازل

تقع الجزيرة العربية على الصفيحة العربية التي تُمثّل إحدى الصفائح التكتونية الكبرى. وتُحاط هذه الصفيحة بثلاثة حدود تكتونية رئيسية تُحدد نشاطها الزلزالي والبركاني:

الحد الغربي (صدع البحر الأحمر): وهو حد تباعدي تنفصل عنده الصفيحة العربية عن الصفيحة الأفريقية بمعدل يتراوح بين 1 و2 سنتيمتر في السنة. وهذا التباعد هو الذي أنتج البحر الأحمر وجعله يتسع تدريجياً على مدى الملايين السنين.

الحد الشمالي (جبال زاغروس وطوروس): وهو حد تصادمي تندفع فيه الصفيحة العربية نحو الشمال متصادمةً مع صفيحتي الأوراسية والإيرانية، وهو ما أدى إلى نشوء جبال زاغروس في إيران وجبال طوروس في تركيا. ويُنتج هذا الحد زلزالية مرتفعة تتركز في جنوب إيران وشمال شرق العراق.

الحد الجنوبي الشرقي (منطقة مكران): وهو حد اندساس تنزلق فيه قاع المحيط الهندي تحت الصفيحة العربية جنوب باكستان وإيران، وهو منطقة نشطة زلزالياً.

أما داخل الجزيرة العربية ذاتها، فتتوزع شبكة من الصدوع والفوالق الثانوية التي ترتبط بهذه الأطر التكتونية الكبرى. ومن أبرزها نظام صدع وادي السرحان والجفرة في شمال الجزيرة، وصدع حضرموت الكبير في اليمن الذي يمتد أفقياً بمحاذاة خليج عدن، وصدوع إقليم مسندم شمال عُمان المرتبطة بالبنية الجيولوجية لجبال زاغروس.

ثامناً: الموارد الطبيعية الباطنية وصلتها بالتضاريس الجيولوجية

لا تكتمل الصورة الجيولوجية للجزيرة العربية دون الحديث عن ثرواتها الباطنية التي تجعلها قلب الاقتصاد العالمي. فالنفط الخام والغاز الطبيعي يتركزان في المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة حيث تتكدس الطبقات الرسوبية الميزوزوية فوق الحوض العربي الكبير. وتُعدّ المملكة العربية السعودية صاحبة أكبر الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم، وتليها العراق والإمارات والكويت وإيران.

ويرتبط توزيع هذه الثروة النفطية ارتباطاً عضوياً بالبنية الجيولوجية للمنطقة؛ إذ تتجمع النفط في ما يُسمى “المصائد الجيولوجية”، سواء أكانت مصائد تضاريسية (كالقباب الملحية والطيات التضاريسية) أم مصائد تركيبية (كالتغيرات الوجهية للصخور). وتُمثّل الطيات الكبرى التي رُصدت في طبقات الجوراسي والكريتاسي في المنطقة الشرقية من المملكة خزانات ضخمة لا نظير لها في العالم، وأبرزها الحقل الأحوازي -المعروف بحقل الغوار- الذي يُعدّ أكبر حقل نفطي في العالم.

وعلى نطاق أوسع، ترتبط التضاريس الجيولوجية بمصادر المياه الجوفية الحيوية للسكان والزراعة في منطقة شحيحة الأمطار. فالطبقات المائية الجوفية الكبرى كطبقة الساق في شمال الجزيرة وطبقة واجد في اليمن تُغذّي ملايين البشر وتُمثّل ثروة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط.

خاتمة

يُتيح التأمل في الجيولوجية والتضاريس الجيولوجية للجزيرة العربية فهم هذه المنطقة بعمق يتخطى حدود الجغرافيا السياسية أو الاقتصادية. فهي أرض بنى التاريخ أساسها من الصخور الأولى للأرض، ثم راكم فيها البحر طبقات من الثروة الكامنة، ثم جاءت قوى التكتونية لترفع جبالها وتشق أوديتها وتفتح أمامها بحاراً جديدة. إن المرتفعات الغربية الشاهقة، والصحاري الرملية الشاسعة، والسواحل المنبسطة، والأحواض النفطية العميقة، والحرّات البركانية الجافة، كلها تتحدث عن أرض ما زالت في حالة تحول وتشكّل مستمرَّيْن، وإن بدت في ظاهرها ساكنة خاملة.

وبقدر ما تُخفيه الصحراء من مشهد رتيب في الظاهر، تُبوح صخورها بقصص من التحولات الكونية الكبرى؛ من بحار أولى ابتلعت فيها الأقارب وتحولت إلى نفط، إلى قارات تشققت وانجرفت ثم اصطدمت ببعض، إلى براكين نثرت حممها على الصحراء دون أن يعلم بها أحد. إن الجزيرة العربية ليست مجرد خزان للطاقة الحفرية أو حاضنة للحضارات الإنسانية، بل هي في الوقت ذاته كتاب جيولوجي حيٌّ مفتوح لمن أحسن القراءة.


المراجع والمصادر المقترحة للاستزادة:

  • Konert, G. et al. (2001). Palaeozoic Stratigraphy and Hydrocarbon Habitat of the Arabian Plate. GeoArabia.
  • Johnson, P.R. & Woldehaimanot, B. (2003). Development of the Arabian-Nubian Shield. Geological Society London.
  • Stern, R.J. & Johnson, P. (2010). Continental lithosphere of the Arabian Plate. Earth-Science Reviews.
  • Glennie, K.W. (Ed.) (1995). The Geology of Oman. Geological Society London.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *