الشارع العاطفي في أبها: حيث تلتقي الروح بالجمال

الشارع العاطفي في أبها: حيث تلتقي الروح بالجمال

الشارع العاطفي في أبها: حيث تلتقي الروح بالجمال

الشارع العاطفي في أبها: حيث تلتقي الروح بالجمال

مدينة فوق السحاب

في الجنوب الغربي من المملكة العربية السعودية، حيث تتلاشى الحدود بين الأرض والسماء، وحيث تتسلل السحب البيضاء بين أزقة البيوت كأنها زوار خجولون، تقبع مدينة أبها على ارتفاع يتجاوز 2200 متر فوق مستوى البحر. هذه المدينة التي اختارها الله بمناخ معتدل طوال العام، وكسا جبالها بأخضر ناضر وشلالات تتهادى كأغنية لا تنتهي، ليست مجرد وجهة سياحية يقصدها الباحثون عن البرودة في قيظ الصيف، بل هي تجربة روحية كاملة تبدأ من لحظة وطء قدمك أرضها وتنتهي… حين تودعها متمنياً أن لا تودعها.

في قلب هذه المدينة التي حملت لقب “عاصمة السياحة العربية” عام 2017، وفي وسط حركتها اليومية التي تمزج بين عبق التراث وروح العصر، يمتد شريان خاص من شوارعها يُعرف بأسماء متعددة تعكس كلها شيئاً واحداً: “الشارع العاطفي” أو “شارع الفن” أو “شارع الحب”. هذا الشارع الذي لا يتجاوز طوله مئتَي متر، لكنه ينطوي في داخله على عالم كامل من الجمال والإبداع والمشاعر الإنسانية العميقة، يستحق وقفة متأنية، وقلماً وفياً، وكلمات تليق بما يحمله من سحر وثقل.

النشأة: حين تحوّل حلم فنان إلى وجهة للملايين

لا يولد الجمال دفعة واحدة، وكذلك الشارع العاطفي لم يُخلق مكتملاً من فراغ، بل كانت خلف نشأته قصة رجل واحد حمل الفن في قلبه قبل أن يحمله في يده: الفنان التشكيلي عوض زراب، الذي رأى في جبال عسير وسمائها الضبابية وناسها الأصيلين مادة لا تنضب للإلهام، فأراد أن يعيد هذا الجمال إلى أبناء المدينة وزوارها بلغة يفهمها الجميع، لغة الألوان والخطوط والأشكال.

بدأت الفكرة كشرارة صغيرة حين كان الفنان زراب وعدد من أصدقائه التشكيليين يمارسون فعاليات “المرسم الحر” في منتزه السودة، ذلك الجبل الأخضر الشامخ الذي يطل على الوادي بشموخ. لاحظوا أن الناس يتوقفون ليتأملوا ما يرسمون، وأن الأطفال يُقربون أصابعهم الصغيرة من اللوحات بفضول بريء، وأن السياح يلتقطون الصور مبتسمين. فهم هؤلاء الفنانون أن الناس لا يخشون الفن، بل ربما لم يجدوا طريقاً إليه.

من تلك اللحظة، انبثقت فكرة شارع مخصص للفن في قلب المدينة، شارع يكون مفتوحاً للجميع لا يحتاج الداخل إليه تذكرة ولا مستوى ثقافياً معيناً. وتحولت الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى حقيقة، فكان الشارع العاطفي الذي بات اليوم واحداً من أبرز المعالم السياحية في المملكة العربية السعودية بأسرها.

الجاكرندا: العنوان البنفسجي للمكان

قبل أن تدخل الشارع العاطفي وترى فنونه وتشعر بأجوائه، سيستقبلك من بعيد لون لا تخطئه العين: البنفسجي الغامق المنسكب من فوق الأشجار كأنه مطر ملون. هذا هو لون شجر الجاكرندا، ذلك الضيف الجميل الذي أحضروه من مواطنه الأصلية في أمريكا الجنوبية ليكون بطاقة هوية الشارع البصرية.

زُرع على امتداد الشارع ما يزيد على ثلاثة عشر ألف شجرة جاكرندا، وحين يحل فصل الربيع تتفتح أزهارها البنفسجية الصغيرة لتكسو الأغصان كثيفةً بالبهجة، فيصبح المشي تحت هذه الأقواس الطبيعية تجربة تشبه الحلم. ينزل ورق الأزهار ببطء مع أدنى نسمة ريح، فتجد نفسك تسير على بساط أرجواني طري، ومن فوقك قباب خضراء مزينة بالأزهار، وفي الهواء عطر خفيف يزيد الروح انشراحاً.

ليست الجاكرندا مجرد زينة جمالية فحسب، بل هي بيان فلسفي عن طبيعة هذا الشارع: الجمال الذي يأتيك دون أن تطلبه، الذي يلمسك قبل أن تلمسه، الذي يجعلك تتوقف وسط خطواتك لتنظر للأعلى وتنسى للحظة كل ما كان يشغل بالك. هذه هي روح الشارع العاطفي تماماً.

الفن في كل خطوة: الجدران التي تكلمك

حين تمشي في الشارع العاطفي، لن تجد جداراً أصماً واحداً. كل سطح هنا يحمل رسالة، كل زاوية تخبئ لوحة، كل عمود يرتدي ألواناً لها معنى. جدران المكان كلها أُحيلت إلى لوحات فنية ضخمة رسمتها أيدي فنانين من مختلف أنحاء المملكة، تجمع بين فن الجرافيتي الحديث وفن الخط العربي العريق والرسم التشكيلي التقليدي.

ما يجعل هذه الجدران استثنائية أنها لا تخاطب عقلك وحده، بل تذهب مباشرة إلى مشاعرك. ستجد وجوهاً إنسانية رُسمت بعيون واسعة تنظر إليك وكأنها تسألك شيئاً، وستجد مشاهد طبيعية من جبال عسير تحاكي بالألوان ما تراه بعيونك خارج الشارع، وستجد آيات قرآنية وأبياتاً من الشعر كُتبت بخطوط تحفة تجعلك تقف وتكرر القراءة، وستجد لوحات تجريدية تحرك شيئاً في أعماقك لا تقدر على تسميته.

تُقام في الشارع أيضاً صالات عرض دائمة ومتغيرة، عددها يناهز عشر صالات، تحتضن أعمال فنانين من مختلف التيارات والأساليب. يمكنك أن تجد في صالة واحدة فناناً يرسم بالأكريليك مشاهد من الريف العسيري، وفي الصالة المجاورة فنانة تنسج بالقماش والخيوط أعمالاً مفاهيمية تتحدث عن الهوية والانتماء. هذا التنوع ليس عشوائياً بل هو جوهر الشارع؛ أن تكون مساحة لا تقصي أحداً ولا تتبنى أيديولوجية فنية واحدة.

المسرح: حيث يتنفس الإبداع

في قلب الشارع العاطفي يقع مسرحه الذي يُعد من أجمل ما في المكان. ليس مسرحاً تقليدياً بجدران وستائر ثقيلة، بل هو فضاء مفتوح على الهواء الطلق تحيط به المقاعد من كل جانب، وتتسلل إليه رائحة الجاكرندا وصوت الطبيعة كعازف مصاحب غير مرئي.

في هذا المسرح، تتوالى على مدار المواسم عروض موسيقية وشعرية ومسرحية يشارك فيها فنانون محليون وعرب من مختلف البلدان. أُقيمت هنا أمسيات للفن الشعبي العسيري الأصيل، وحفلات موسيقى الجاز، ومجالس الشعر النبطي، وعروض التراث الجنوبي بأزيائه الملونة ورقصاته الإيقاعية. كل عرض يضيف طبقة جديدة لشخصية هذا الشارع الذي يرفض التصنيف.

للأطفال نصيب خاص في هذا المسرح وفي الشارع عموماً؛ إذ تُخصص فعاليات دورية لتعليمهم فنون الرسم والتلوين والنحت البسيط، ليس بالأسلوب المدرسي الجامد، بل بطريقة تجعل الطفل يكتشف بنفسه متعة أن يخلق شيئاً جميلاً من لا شيء. وهذا ما يضمن استمرار الروح الإبداعية التي أسس الشارع من أجلها.

المطاعم والمقاهي: فن في طبق

لا يكتمل أي تجربة جمالية بمعزل عن حاسة التذوق، وهذا ما يعرفه مصممو الشارع العاطفي جيداً. لذا حرصوا على أن تكون مطاعمه ومقاهيه امتداداً طبيعياً لروحه، لا عناصر غريبة دُست فيه لأسباب تجارية.

تصطف على جانبَي الشارع مقاهٍ تتسابق في تميز ديكوراتها وأجوائها، كل منها يحاول أن يكون تجربة بحد ذاتها. بعضها يعتمد على الخشب الخشن والنباتات المتسلقة ليوحي بأجواء المزارع الجبلية، وبعضها يستخدم الجدران التي تحتضن الأعمال الفنية ليكون الجلوس فيه أشبه بالجلوس داخل متحف. ومنها ما يختص بالقهوة العربية التقليدية بتوابلها وهيلها وزعفرانها، ومنها ما يقدم ماركات القهوة العالمية بطريقة تنسجم مع هوية المكان.

أما المطاعم فتوفر تشكيلة واسعة بين المطبخ الجنوبي السعودي الذي يزخر بمذاقات لا يجدها الزائر في أي مكان آخر، كالمندي المطبوخ على الحطب والعصيد والمرق بتوابله العسيرية، وبين مطاعم عالمية تستقطب الزوار من كل الجنسيات. هذا التنوع في المأكل يعكس تنوعاً أعمق: تنوع ضيوف الشارع أنفسهم الذين يأتون من كل حدب وصوب.

مهرجان “أبها يجمعنا”: الشارع في أوج بهائه

لمن أراد أن يزور الشارع العاطفي في أبهى صوره وأكثر لحظاته حيوية، فإن الموعد المناسب هو موسم صيف أبها، حين تتحول المدينة كلها إلى احتفال كبير وتتصدر الشارع العاطفي فعاليات مهرجان “أبها يجمعنا”.

يمتد هذا المهرجان لما يزيد على خمسة وأربعين يوماً متواصلة، تتحول فيها مدينة أبها إلى قبلة لمئات الآلاف من السياح والزوار من داخل المملكة وخارجها. وفي قلب هذا الاحتفال الكبير، يكون الشارع العاطفي النجمَ الأول الذي تدور حوله الفعاليات. تمتلئ صالات العرض بأعمال جديدة، ويفد إلى المسرح فنانون أحدهم من أعالي جبال عسير والآخر من القاهرة أو بيروت أو لندن، وتتحول ممرات الشارع نفسها إلى مسارح مفتوحة يؤدي فيها فنانون الشارع عروضهم الارتجالية أمام الجموع المتجمعة.

ما يجعل هذا المهرجان استثنائياً أنه لا يتعامل مع الفن كبضاعة تُعرض للبيع، بل كحوار مفتوح بين الفنان والمتلقي. يمكنك في أيام المهرجان أن تجلس بجوار فنان وهو يرسم لوحته وتتحدث معه، أن تسأله عن ألوانه وأدواته وأفكاره، أن ترسم معه إن شئت، أو أن تكتفي بالمشاهدة في صمت. لا أحد يطردك، ولا أحد يشعرك بأنك دخيل على مكان لا يخصك.

الشارع والهوية العسيرية: جذور ضاربة في العمق

لا يمكن أن نتحدث عن الشارع العاطفي دون أن نفهمه في سياقه الأوسع: سياق الهوية العسيرية العريقة التي صنعت هذا المكان وتغذيه حتى اللحظة.

منطقة عسير لها تراث فني متجذر يسبق الحداثة بقرون. فن “قيط” الذي تزين به النساء العسيريات جدران بيوتهن بألوان زاهية وأنماط هندسية معقدة، كان معروفاً في المنطقة قبل أن يعرف العالم كلمة “فن شعبي”. والزخارف المعمارية للبيوت الحجرية العسيرية بألوانها الداكنة وشرفاتها المزررة بالخشب المنحوت تشكل تقليداً جمالياً أصيلاً. والأزياء التقليدية بتطريزها الدقيق وألوانها المتعددة هي في حد ذاتها لوحات فنية متحركة.

الشارع العاطفي لا يتجاهل هذا الإرث بل يحاوره. ستجد في صالاته أعمالاً تعيد تفسير فن “القيط” بأدوات معاصرة، وأخرى تستلهم أشكال الزخارف الحجرية في رسومات رقمية، وثالثة تجمع بين الخط العربي الكلاسيكي والألوان الجرافيتية. هذا الحوار بين الأصل والمعاصر هو ما يجعل الشارع العاطفي مختلفاً عن أي مشروع فني مستورد: فهو ليس نسخة من تجارب غربية نُقلت إلى تربة مختلفة، بل هو نبتة نشأت من هذه التربة بالذات وأضافت إليها.

السياحة والاقتصاد: الفن كمحرك للتنمية

لا تقتصر قيمة الشارع العاطفي على البعد الجمالي والثقافي وحده، بل يمثل اليوم نموذجاً ناجحاً لكيف يمكن للفن أن يكون محركاً حقيقياً للتنمية الاقتصادية والسياحية.

منذ افتتاحه، أسهم الشارع في رفع أعداد الزوار لمدينة أبها بشكل ملحوظ، وأصبح وجهة لا يمكن للزائر تجاوزها في أي برنامج سياحي. ومع تزايد الإقبال، نشطت حول الشارع صناعات واقتصادات موازية: الحرفيون الذين يبيعون منتجاتهم التراثية، والفنادق التي استقطبت إشغالاً أعلى، وشركات السياحة التي صممت جولات خاصة تمر بالشارع، ومصممو الأزياء الشباب الذين وجدوا في صالات الشارع منصة لعرض أعمالهم.

هذا النموذج يتسق تماماً مع توجهات رؤية المملكة 2030 التي تسعى لتنويع مصادر الدخل وتطوير القطاع السياحي. الشارع العاطفي هو مثال حي على أن الاستثمار في الثقافة والفن ليس ترفاً فكرياً، بل هو استثمار اقتصادي ذكي يعود بعائد مادي حقيقي ويبني في الوقت ذاته رأس مال رمزياً لا يُقدَّر بثمن: صورة المكان وهويته في وعي العالم.

الليل في الشارع العاطفي: عالم آخر

من يزور الشارع العاطفي نهاراً فقط يفوته نصف جماله. حين يسقط الظلام على أبها ويبدأ البرد الجبلي المعتدل في ملامسة الجلود، يتحول الشارع إلى عالم آخر بالكامل.

تُضاء الجدران بإضاءات مدروسة تبرز ألوان اللوحات بطريقة مغايرة لما تظهر عليه في ضوء النهار. تضيء أشجار الجاكرندا من داخلها بمصابيح لطيفة فتبدو كأنها تحمل أسراراً في أعماق أغصانها. المقاهي تمتلئ بالزوار الذين يتنقلون بين الدفء الداخلي وبرودة المقاعد الخارجية، والمسرح يبدأ في الغالب عروضه المسائية. الصوت يتغير أيضاً: تخفت ضجة النهار وتحل محلها موسيقى أكثر هدوءاً، وضحكات أكثر خفوتاً، ومحادثات تطول بين أصدقاء لا يريدون لليل أن ينتهي.

الشارع العاطفي ليلاً يستحق لقبه بشكل خاص؛ إذ تبدو العلاقة بين الزائر والمكان أكثر حميمية وعمقاً حين تتراجع حدة الضوء وتخف زحمة اللحظات. يجد الناس أنفسهم يتكلمون أكثر، يتأملون أطول، يشعرون بشيء يصعب تسميته لكنه قريب جداً من الوصول إلى الجمال.

الشارع ومعنى اسمه: لماذا “عاطفي”؟

ربما تساءلت عن سبب هذه التسمية التي تبدو غير مألوفة لشارع في مدينة سعودية محافظة. الإجابة تكشف عن شيء عميق في طبيعة المكان وغاية القائمين عليه.

“العاطفي” ليس وصفاً لحالة رومانسية بين شخصين، بل هو توصيف لطبيعة العلاقة التي يسعى الشارع إلى إنشائها بين الإنسان والجمال من حوله. في عالم يتسارع إيقاعه يوماً بعد يوم، وحين يكاد الناس يفقدون قدرتهم على الشعور والتأمل في زحمة المهام والإشعارات الرقمية، جاء هذا الشارع ليقول: توقف. انظر. اشعر.

أن تمشي في الشارع العاطفي يعني أن تُعيد الاتصال بشيء فيك نسيت أنه موجود، ذلك الجزء الذي يهتز حين يرى لوناً جميلاً، ويسمع موسيقى تلمس قلبه، ويشم رائحة زهر ووجد في عينيه دموعاً لم يتوقعها. “العاطفي” في اسم الشارع دعوة إلى أن تكون إنساناً كاملاً لا مجرد وظيفة ماشية.

مقارنة وسياق: الشارع العاطفي وإرثه العالمي

لو تأملنا الشارع العاطفي في ضوء تجارب مماثلة حول العالم، لاكتشفنا أنه ينتمي إلى تقليد إنساني راسخ يؤمن بأن الفن يجب أن يخرج من أسوار المتاحف إلى أحضان الشوارع والأزقة. من “شارع فلنطاين” في ملبورن الأسترالية الذي تحول إلى متحف مفتوح للجرافيتي، إلى “شارع موران” في باريس التي رسم فيها الفنانون منذ مطلع القرن العشرين، إلى “كالي لافاي” في بوغوتا الكولومبية حيث الجدران قصائد مرئية عن تاريخ المدينة، كلها تجارب تقول إن الفن في الشارع يصل إلى قلوب لم تصلها المتاحف يوماً.

ما يميز الشارع العاطفي في أبها عن هذه التجارب أنه لم ينشأ تلقائياً كثقافة فرعية في هامش المدينة، بل بُني بإرادة جماعية وقناعة راسخة من مجتمع وإدارة يؤمنان أن الفن ليس ترفاً بل ضرورة. وهذا يجعله أقرب إلى نموذج قابل للاستنساخ والتطوير في مدن عربية أخرى تبحث عن هويتها الحضرية في عالم متغير بسرعة.

رسالة الشارع: خاتمة من قلب المكان

ثمة جملة يرددها كثير من الزوار بعد مغادرة الشارع العاطفي لأول مرة: “لم أتوقع هذا”. ليس لأنهم لم يكونوا يعلمون بوجوده أو يتوقعون فيه الجمال، بل لأن ثمة نوعاً من الجمال لا يُنقل بالوصف ولا تلتقطه الصور تماماً، لأنه جمال يُعاش لا يُرى فحسب.

الشارع العاطفي يقول لك أشياء كثيرة بصمت: يقول إن الإنسان العربي لم يكن يوماً غريباً عن الفن، بل ربما حمله في دمه وفي رسوم جدران بيوته الحجرية وفي خطوط قصيدته ونقوش خنجره الجنوبي. ويقول إن الحداثة لا تعني القطيعة مع الجذور، بل يمكن أن تكون حواراً ثرياً معها. ويقول أيضاً إن الجمال، في نهاية المطاف، ليس ملكاً لأحد ولا حكراً على طبقة بعينها، بل هو هواء يستحق أن يتنفسه الجميع.

في أبها، بين ضبابها الدافئ وجبالها الخضراء وسمائها التي تبدو أقرب إليك منها في أي مكان آخر، يقف الشارع العاطفي شاهداً على ما يمكن أن يفعله البشر حين يتفقون على شيء واحد: أن الحياة الجميلة ليست رفاهية، بل هي حق.