الصادرات السعودية غير النفطية: مسيرة التنويع الاقتصادي نحو مستقبل مستدام

الصادرات السعودية غير النفطية: مسيرة التنويع الاقتصادي نحو مستقبل مستدام

الصادرات السعودية غير النفطية: مسيرة التنويع الاقتصادي نحو مستقبل مستدام

الصادرات السعودية غير النفطية: مسيرة التنويع الاقتصادي نحو مستقبل مستدام

من الاعتماد على النفط إلى بناء اقتصاد متنوع

لعقود طويلة، ارتبط اسم المملكة العربية السعودية في الأذهان بالنفط الخام وصادراته الضخمة التي شكّلت العمود الفقري للاقتصاد الوطني. بيد أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في التوجه الاستراتيجي للمملكة، إذ باتت الصادرات غير النفطية تمثل ركيزة أساسية في مسيرة التنويع الاقتصادي الشامل. هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج رؤية استراتيجية طموحة تجسّدت في وثيقة رؤية المملكة 2030، التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2016، ووضعت تعزيز الصادرات غير النفطية هدفاً محورياً لا تنازل عنه.

منذ إطلاق الرؤية، خاضت المملكة رحلة تحوّل اقتصادي حقيقية، أفرزت منظومة متكاملة من السياسات والبرامج والمبادرات الرامية إلى تنمية القطاعات الإنتاجية والخدمية وتأهيلها لدخول الأسواق العالمية. والنتائج المتحققة على أرض الواقع تؤكد أن هذا المسار يسير في الاتجاه الصحيح، وإن كانت الطريق لا تزال طويلة وتحتاج إلى مزيد من الجهد والتكامل.

تسعى هذه المقالة إلى رسم صورة شاملة للصادرات السعودية غير النفطية: تعريفها وأنواعها، ومساراتها الإحصائية عبر السنوات، وأبرز قطاعاتها وأسواقها، والمحركات الداعمة لنموها، والتحديات التي تواجهها، وآفاق مستقبلها.

أولاً: تعريف الصادرات غير النفطية وأهميتها الاستراتيجية

تُقصد بالصادرات غير النفطية جميع السلع والخدمات التي تُصدّرها المملكة العربية السعودية إلى الأسواق الخارجية، باستثناء النفط الخام ومشتقاته المباشرة. وتشمل هذه الصادرات طيفاً واسعاً من المنتجات، تبدأ بالبتروكيماويات والصناعات الكيماوية التي تُعدّ الشريحة الأكبر حجماً، ولا تنتهي عند المنتجات الغذائية والمعدنية والصناعات التحويلية، وصولاً إلى صادرات الخدمات من سياحة ونقل واتصالات وخدمات مالية.

الأهمية الاستراتيجية للصادرات غير النفطية تنبع من كونها مؤشراً حقيقياً على نضج الاقتصاد الوطني وقدرته التنافسية. فحين تستطيع المملكة تصدير منتجاتها وخدماتها إلى أسواق عالمية متنافسة، فذلك يعني أن صناعاتها بلغت مستوى من الجودة والكفاءة يجعلها قادرة على المنافسة. كما أن تنوّع مصادر الدخل يُخفّف من وطأة التذبذب في أسعار النفط، ويمنح الاقتصاد الوطني قدراً أكبر من الاستقرار والمرونة في مواجهة الصدمات الخارجية.

فضلاً عن ذلك، تُسهم الصادرات غير النفطية في خلق فرص عمل جديدة للشباب السعودي، وتحفّز الابتكار والتطوير التكنولوجي، وتُعزز الترابط مع سلاسل الإمداد العالمية. بمعنى آخر، هي ليست مجرد أرقام تجارية، بل هي مؤشر على التحول النوعي في بنية الاقتصاد الوطني.

ثانياً: المسار الإحصائي للصادرات غير النفطية (2021 – 2025)

تكشف الأرقام الرسمية عن مسار تصاعدي لافت للصادرات السعودية غير النفطية خلال السنوات الأخيرة، يعكس بجلاء التقدم المحقق في مسيرة التنويع الاقتصادي. ففي عام 2021، بلغت قيمة هذه الصادرات 325 مليار ريال سعودي، ثم قفزت إلى 468 مليار ريال في عام 2022، لتسجل ارتفاعاً طفيفاً عند 477 مليار ريال في عام 2023، قبل أن تبلغ 543 مليار ريال في عام 2024.

أما عام 2025، فقد سُجّل فيه أداء تاريخي بامتياز، إذ وصلت قيمة الصادرات غير النفطية إلى 624 مليار ريال سعودي، ما يعادل نحو 166.3 مليار دولار أمريكي، محققةً نمواً سنوياً بلغت نسبته 15%. والأكثر دلالةً أن مساهمة هذه الصادرات في إجمالي صادرات المملكة ارتفعت إلى 44%، مقارنة بـ39% في العام السابق، وهو أعلى مستوى على الإطلاق في تاريخ المملكة. بل إن المملكة احتلت صدارة دول مجموعة العشرين من حيث نسبة نمو الصادرات غير النفطية وفق أحدث البيانات الدولية.

هذا المسار يكشف عن نمط ممنهج ومتراكم، لا مجرد قفزة ظرفية. فخلال خمس سنوات فحسب، ضاعفت المملكة تقريباً قيمة صادراتها غير النفطية، ورفعت مساهمتها النسبية من 30% إلى 44% من إجمالي الصادرات الكلية.

ثالثاً: القطاعات الرئيسية للصادرات غير النفطية

1. صادرات السلع البتروكيماوية

تتصدر البتروكيماويات قائمة الصادرات السلعية غير النفطية، وإن كانت تنبثق من نفس القاعدة الهيدروكربونية. تضم هذه الصادرات مجموعة واسعة من المنتجات؛ من البلاستيك والمطاط الصناعي، إلى الأسمدة الكيماوية، والمواد الكيميائية المتخصصة، والبوليمرات. وتمتلك المملكة في هذا القطاع ميزة تنافسية كبيرة، مستمدة من توافر المواد الخام بأسعار تفضيلية، والبنية التحتية الصناعية الضخمة التي أرستها شركة سابك وغيرها من العمالقة الصناعيين.

في عام 2025، سجّلت صادرات السلع غير البتروكيماوية مستوى قياسياً بلغ 78 مليار ريال، بنمو 12%، ما رفع حصتها من إجمالي صادرات السلع غير النفطية إلى 35%، مقارنة بـ32% في العام السابق. وتشير الأرقام إلى مسار تصاعدي مستمر منذ عام 2021، حين كانت هذه الصادرات تُقدَّر بـ58 مليار ريال فحسب.

2. صادرات الخدمات

باتت خدمات الصادرات تُشكّل محوراً استراتيجياً بالغ الأهمية، إذ سجّلت في عام 2025 نمواً ملحوظاً بلغت قيمته 260 مليار ريال، بنمو 11% عن العام السابق، وهو أعلى مستوى سنوي في تاريخها. ويتصدر قطاعا السفر والنقل هذا القطاع، إذ شكّلا معاً نحو 77% من إجمالي صادرات الخدمات. تتضمن هذه الصادرات خدمات السياحة الدينية والترفيهية، والخدمات اللوجستية وإعادة الشحن، والخدمات المالية، وخدمات تقنية المعلومات والاتصالات. وتعكس هذه الأرقام الاستثمارات الهائلة التي ضختها المملكة في تطوير قطاعي الطيران والموانئ والسياحة.

3. قطاع إعادة التصدير

يمثل قطاع إعادة التصدير أحد أبرز محركات النمو في منظومة الصادرات السعودية غير النفطية، إذ بلغت قيمته 139 مليار ريال في عام 2025، مستفيداً من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة على مفترق طرق التجارة الدولية. وتُعدّ الموانئ الكبرى كميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبدالعزيز بالدمام وميناء رأس الخير منصات محورية لهذا النشاط، الذي يتيح للمملكة الاستفادة من موقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

4. الصناعات الكيماوية والمعدنية

تضم الصادرات الكيماوية طيفاً من المنتجات المتخصصة، من المواد الكيميائية العضوية وغير العضوية، إلى مواد التعبئة والتغليف، والأصباغ والدهانات. وفي عام 2024، بلغت قيمة صادرات الصناعات الكيماوية نحو 78.5 مليار ريال، فيما سجّلت صادرات المعادن ومصنوعاتها 23.3 مليار ريال. ومن المتوقع أن يزداد وزن هذا القطاع مع تسارع مشاريع التعدين الكبرى التي تشهدها المملكة.

5. المنتجات الغذائية والزراعية

شهد قطاع الصادرات الغذائية والزراعية نمواً لافتاً، إذ ارتفعت قيمتها من 15 مليار ريال في عام 2021 إلى 24 مليار ريال في عام 2025. وتشمل أبرز هذه الصادرات: منتجات الألبان والأجبان، ومواد التعبئة والتغليف، والمياه المعدنية، والحلويات والبسكويت، والزيوت النباتية. وبرزت شركات سعودية كسدافكو وشركة الألبان العربية في الأسواق الإقليمية والعالمية. كما أن الأسمدة الزراعية تحتل موقعاً مهماً، إذ قفزت صادراتها من 6.9 مليون طن إلى 10.8 مليون طن خلال الفترة ذاتها، مستفيدةً من الطاقات الإنتاجية الضخمة لمجموعة سابك وشركة معادن.

6. الأجهزة والمعدات الكهربائية والإلكترونية

يُعدّ هذا القطاع من أسرع القطاعات نمواً، إذ ارتفعت صادراته من 4.3 مليار ريال إلى 7.5 مليار ريال بين عامَي 2021 و2025. ويعكس هذا النمو التوجه نحو التصنيع الأكثر تعقيداً وقيمة مضافة، الذي باتت تتبناه المملكة في إطار استراتيجيتها الصناعية الوطنية.

رابعاً: أسواق التصدير الرئيسية

وسّعت المملكة العربية السعودية شبكة صادراتها غير النفطية بصورة ملحوظة، لتشمل أسواقاً في كل أنحاء العالم. وفي النصف الأول من عام 2021، صدّرت المملكة منتجاتها إلى ما يزيد على 170 دولة حول العالم، مما يدل على اتساع شبكة التجارة الخارجية.

تتصدر الإمارات العربية المتحدة قائمة وجهات التصدير غير النفطي السعودي، مستفيدةً من قرب المسافة والترابط التجاري العميق بين اقتصادَي البلدَين. تليها الصين التي باتت سوقاً ضخماً للمنتجات البتروكيماوية والمعدنية السعودية. ثم الهند التي تشهد طلباً متصاعداً على الأسمدة والمنتجات الكيماوية، وكذلك الكويت والبحرين والأردن ضمن دول الجوار الخليجي والعربي.

ويسعى القائمون على تنمية الصادرات إلى تنويع الأسواق الجغرافية، نحو أفريقيا جنوب الصحراء، ودول آسيا الوسطى، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية، في محاولة لبناء قاعدة تصديرية أكثر توزعاً وأقل اعتماداً على أسواق بعينها.

خامساً: المحركات والأدوات الداعمة لنمو الصادرات

رؤية 2030 والإطار السياساتي

شكّلت رؤية المملكة 2030 المنطلق الحقيقي لمسيرة تنمية الصادرات غير النفطية. فمن أهدافها الصريحة رفع نسبة مساهمة الصادرات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وتنويع مصادر الدخل الوطني، وبناء قطاعات صناعية وخدمية منافسة دولياً. وقد تُرجمت هذه التوجهات إلى برامج تنفيذية متعددة، أبرزها برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب)، والاستراتيجية الوطنية للصناعة.

برنامج “صُنع في السعودية”

يُعدّ برنامج “صُنع في السعودية” من أبرز المبادرات الحكومية الداعمة للصادرات، إذ يسعى إلى بناء هوية صناعية وطنية واضحة، وتعزيز ثقة المستهلكين العالميين في المنتجات السعودية. يشمل البرنامج منح علامة “صُنع في السعودية” للمنتجات الوطنية المستوفية للمعايير، ودعم المشاركة في المعارض والفعاليات التجارية الدولية، مما يُعزز حضور المنتج السعودي في الأسواق الخارجية.

بنك التصدير والاستيراد السعودي

يضطلع بنك التصدير والاستيراد السعودي بدور محوري في تيسير صادرات المملكة وتمويلها، من خلال توفير حلول تمويلية متنوعة تشمل: تمويل رأس المال العامل، والتمويل غير المباشر عبر التعاون مع المؤسسات المالية المحلية والدولية، وتوفير سندات تأمين تحمي المصدّرين من مخاطر عدم سداد المستوردين. يُسهم البنك بذلك في خفض الحواجز المالية أمام الشركات السعودية الراغبة في الوصول إلى الأسواق الخارجية.

هيئة تنمية الصادرات السعودية

تعمل هيئة تنمية الصادرات “الصادرات السعودية” على رفع نسبة الصادرات من 16% إلى 50% من إجمالي الناتج المحلي، وذلك عبر منظومة متكاملة من الخدمات والبرامج التي تدعم المصدّرين السعوديين وتُمكّنهم من دخول الأسواق العالمية. تشمل مهام الهيئة: إعداد الدراسات والإحصاءات التجارية، وبناء القدرات التصديرية، وتسهيل إبرام الاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية.

البنية التحتية اللوجستية

أولت المملكة اهتماماً بالغاً بتطوير بنيتها التحتية اللوجستية، إدراكاً منها لأثرها المباشر في تعزيز القدرة التصديرية. فقد شهدت الموانئ البحرية توسعات هائلة، وزاد حجم الشحن الجوي الدولي، وطُوّرت شبكات النقل البري والسككي لتربط مناطق الإنتاج بالمراسي والمنافذ الحدودية. ويُهيئ كل ذلك بيئة لوجستية أكثر كفاءة وأقل تكلفة، مما ينعكس مباشرةً في تنافسية المنتج السعودي.

المناطق الاقتصادية الخاصة

تُطوّر المملكة سلسلة من المناطق الاقتصادية الخاصة في مواقع استراتيجية، تتمتع ببيئة تنظيمية مبسّطة وحوافز ضريبية جاذبة، بهدف استقطاب الاستثمارات الصناعية وتوطين سلاسل التوريد. هذه المناطق ستُغذّي خط الصادرات على المدى المتوسط والبعيد بشكل ملموس.

سادساً: التحديات والعقبات

رغم المؤشرات الإيجابية المتراكمة، تواجه مسيرة الصادرات السعودية غير النفطية جملة من التحديات الهيكلية والظرفية لا يمكن إغفالها:

الهيمنة البتروكيماوية وضعف التنوع الصناعي

لا يزال قطاع البتروكيماويات يهيمن على حصة الأسد من الصادرات السلعية غير النفطية، مما يجعل الصادرات رهينةً جزئياً بتذبذبات أسعار المواد الكيماوية ومستلزماتها في الأسواق العالمية. وتبقى حصص الصناعات التحويلية المتنوعة والصناعات التقنية المتقدمة أقل مما تطمح إليه الرؤية، وهو ما يستدعي المزيد من الاستثمار في بناء القدرات الصناعية المتنوعة.

فجوة المحتوى المحلي وتطوير الكفاءات

تعاني بعض القطاعات الصناعية من اعتمادها الكبير على مستلزمات الإنتاج المستوردة، مما يُقلّص القيمة المضافة الحقيقية للمنتج المصدَّر. ويتطلب رفع المحتوى المحلي بناء كفاءات تقنية وصناعية متخصصة لا تتحقق بين عشية وضحاها، بل تحتاج إلى سنوات من الاستثمار في التعليم والتدريب والبحث والتطوير.

المنافسة الدولية الحادة

تدخل المنتجات السعودية إلى أسواق عالمية تعجّ بمنافسين أشداء؛ من المصنّعين الآسيويين الذين يتمتعون بميزة الكلفة المنخفضة، إلى المنتجين الأوروبيين الذين يتميزون بالجودة والتقنية العالية. وبناء سمعة تصديرية راسخة في مثل هذه البيئة يستغرق سنوات طويلة من الجهد المتراكم.

الإجراءات التجارية والجمركية

لا تزال بعض الإجراءات البيروقراطية تثقل كاهل المصدّرين، من تعقيدات التصاريح والوثائق المطلوبة، إلى طول أوقات الإفراج الجمركي أحياناً. وتعكف الجهات المعنية على تبسيط هذه الإجراءات ورقمنتها، لكن المسار لا يزال يحتاج إلى تسريع.

التحولات في الاقتصاد العالمي

يتشكّل الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة تحت وطأة موجات من إعادة تشكيل سلاسل التوريد، وارتفاع حدة الحمائية التجارية، والتحولات الكبرى نحو الاقتصاد الأخضر. هذه المتغيرات تفرض ضغوطاً متنوعة على صادرات البتروكيماويات السعودية، في الوقت الذي تفتح فيه آفاقاً جديدة أمام صادرات تقنيات الطاقة النظيفة والمعادن الاستراتيجية.

سابعاً: قطاعات واعدة في أفق المستقبل

يزخر الأفق بقطاعات صاعدة يُرجَّح أن تُشكّل محاور جديدة للصادرات السعودية غير النفطية في السنوات المقبلة:

التعدين والمعادن الاستراتيجية

تمتلك المملكة ثروة معدنية هائلة، يُقدَّر حجمها بما يزيد على 1.3 تريليون دولار، تشمل الذهب والنحاس والفوسفات والبوكسيت والليثيوم والنيوبيوم وغيرها. وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للتعدين تحويل هذه الثروة إلى صادرات عالية القيمة المضافة. وتُعدّ شركة معادن المحرك الرئيسي في هذا القطاع، مع توجّهها نحو بناء منظومة صناعية متكاملة تمتد من استخراج الخامات إلى تصنيع المنتجات النهائية.

الصناعات الدفاعية والفضائية

تسعى المملكة بجدية متصاعدة إلى بناء صناعة دفاعية وطنية، مستهدفةً توطين 50% من الإنفاق الدفاعي بحلول 2030. ومع نمو هذه الصناعة، يُتوقع أن تبدأ الصادرات الدفاعية في تشكيل رقم ملحوظ على خريطة الصادرات غير النفطية.

الاقتصاد الرقمي وتقنية المعلومات

يكتسب قطاع الاقتصاد الرقمي زخماً متسارعاً، مع تنامي شركات التقنية الناشئة والخدمات الرقمية السعودية. وحين تُطوّر هذه الشركات منتجاتها وتخدماتها وتبدأ في تصديرها إلى الأسواق الخارجية، ستُفرز موجة جديدة من الصادرات غير المرئية عالية القيمة.

صادرات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر

تُموضع المملكة نفسها مصدّراً مستقبلياً ضخماً للهيدروجين الأخضر والوقود الأمونياكي النظيف، مستفيدةً من وفرة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ومشاريع عملاقة كنيوم والمشاريع المرتبطة بها تضع المملكة في مسار تحوّل عميق في منظومة الطاقة، يرفدها بفرص تصديرية ضخمة على المدى البعيد.

السياحة والترفيه

ضخّت المملكة استثمارات غير مسبوقة في تطوير قطاع السياحة والترفيه، عبر مشاريع كنيوم وتطوير العُلا والبحر الأحمر والقدية. وتندرج العائدات السياحية ضمن صادرات الخدمات، وهي في منحنى صعود واضح، لا سيما مع الفتح التدريجي لإصدار تأشيرات السياحة واستضافة الفعاليات الدولية الكبرى.

ثامناً: مقاربة الأرقام مع المستهدفات

وضعت رؤية المملكة 2030 هدفاً طموحاً يتمثل في رفع نسبة الصادرات غير النفطية إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير الأرقام المتوفرة إلى أن ما تحقق فعلياً بلغ نحو 25.7% من الناتج المحلي غير النفطي بنهاية الربع الثالث من عام 2024، في مقابل هدف عام 2024 البالغ 35%، مما يعني أن هناك فجوة لا تزال قائمة بين المُستهدف والمُحقَّق.

غير أن السياق الأشمل يوحي بتفاؤل حذر؛ فنسبة النمو البالغة 15% عام 2025 تجعل المملكة الأسرع نمواً في هذا المجال بين دول مجموعة العشرين، والمسار التصاعدي الثابت خلال السنوات الخمس الماضية يُنبئ بالمزيد من الإنجازات في السنوات المقبلة. كما يُلاحَظ أن نسبة مساهمة الصادرات غير النفطية في إجمالي الصادرات تجاوزت للمرة الأولى حاجز 44%، وهو مؤشر كيفي بالغ الأهمية.

وقد أشارت تقارير اقتصادية متخصصة إلى أن التسارع في النمو الاقتصادي المحلي غير النفطي، الذي كان مدفوعاً بالاستهلاك الداخلي والمشاريع الكبرى كنيوم والمشاريع الترفيهية، لم يتحول بأكمله إلى صادرات، مما خلق فجوة بين حجم الاقتصاد ونسبة الصادرات من الناتج المحلي. ولذلك يُعدّ التركيز على بناء قطاعات تصنيعية تصديرية الموجه بالطلب الخارجي، أمراً جوهرياً لسد هذه الفجوة.

تاسعاً: دور القطاع الخاص في تنمية الصادرات

لا يمكن إنجاح مسيرة الصادرات غير النفطية دون مشاركة فاعلة ومتنامية من القطاع الخاص. وتُؤمن الدولة بهذه المعادلة، ولذلك أطلقت حزمة واسعة من الحوافز الداعمة للمصدّرين من الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة على حدٍّ سواء. وقد نما عدد الشركات السعودية المصدِّرة بشكل ملموس خلال السنوات الأخيرة، مع تنامي الوعي بفرص التصدير وتزايد الكفاءات البشرية المتخصصة في هذا المجال.

وتُنظَّم بانتظام فعاليات وملتقيات تجارية تجمع المصدّرين السعوديين بمستوردين من مختلف أنحاء العالم، وتُشارك الشركات السعودية في كبرى المعارض الدولية المتخصصة، بما يُفتح أمامها أبواباً لشراكات تجارية دولية مستدامة.

عاشراً: المنظومة الإقليمية والتكامل الخليجي

يُمثّل الاتحاد الجمركي لمجلس التعاون الخليجي إطاراً مواتياً يُسهّل حركة الصادرات السعودية داخل المنطقة. فدول الخليج وإن كانت تمتلك هيكلاً اقتصادياً متماثلاً في مجمله، إلا أن ثمة تكاملاً تجارياً حقيقياً يتشكّل تدريجياً، لا سيما في مجالات المنتجات الغذائية والبتروكيماويات وخدمات اللوجستيات. وتتصدر الإمارات باستمرار قائمة وجهات التصدير السعودي غير النفطي، في حين تُشكّل الكويت والبحرين ومسقط سوقاً طبيعياً قريباً.

كما تُعزّز المملكة علاقاتها التجارية مع دول المشرق العربي وأفريقيا، بما يفتح مسارات تصديرية جديدة لا تزال في طور النشأة والتطور.

خاتمة: في مواجهة التحدي وصنع الفرصة

تقف الصادرات السعودية غير النفطية اليوم عند مفترق طرق مثير للتفاؤل والتحدي في آنٍ معاً. فمن جهة، تؤكد الأرقام القياسية لعام 2025 أن المسيرة تسير بخطى متسارعة وواثقة؛ 624 مليار ريال و44% من الإجمالي ونسبة نمو 15% تتصدر مجموعة العشرين، كل ذلك يُشكّل رصيداً اقتصادياً حقيقياً ومؤشراً على صلابة التحول الاقتصادي.

ومن جهة أخرى، تبقى المسافة إلى الأهداف الكاملة المرسومة في رؤية 2030 طويلة، تستلزم مواصلة الإصلاح الهيكلي، وتعميق التصنيع، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز بيئة الأعمال التصديرية. التحدي الحقيقي ليس في الوصول إلى أرقام قياسية فحسب، بل في بناء قطاعات تصديرية متنوعة حقاً، تُقلّص الاعتماد على البتروكيماويات وتُبني على أساس الابتكار والتقنية والقيمة المضافة العالية.

إن قصة الصادرات السعودية غير النفطية هي في جوهرها قصة تحوّل حضاري واقتصادي شامل؛ من اقتصاد ريعي يعتمد على استخراج المواد الخام، إلى اقتصاد إنتاجي تنافسي يصنع ويُضيف ويُبتكر، ثم يُصدّر ما أنتج للعالم. وفي تحقيق هذا التحوّل يكمن الرهان الحقيقي لجيل يستحق مستقبلاً أكثر استدامةً وتنوعاً وثراءً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *