العلاقات السعودية الأمريكية: تاريخ من الشراكة والتوتر والتحولات الاستراتيجية
العلاقات السعودية الأمريكية: تاريخ من الشراكة والتوتر والتحولات الاستراتيجية
العلاقات السعودية الأمريكية: تاريخ من الشراكة والتوتر والتحولات الاستراتيجية
تحالف بني على الذهب الأسود
في عالمٍ تتشابك فيه المصالح وتتقاطع الاستراتيجيات، لا تكاد توجد علاقة بين دولتين أكثر تعقيدًا وعمقًا وإثارةً للجدل من العلاقة التي تجمع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. إنها علاقة تمتد لأكثر من ثمانية عقود، نشأت في قلب صحراء مقفرة حين التقى الرؤيا الأمريكية للثروة بالحاجة السعودية للتنمية، وتطورت لتصبح شراكة استراتيجية تُشكّل ملامح الشرق الأوسط وتُؤثر في أسعار النفط عالميًا وتُحدد موازين القوى في منطقة لا تهدأ.
لم تكن هذه العلاقة في يومٍ ما علاقةً عاطفية بين شعبين متقاربين ثقافيًا؛ فالهوّة الحضارية والدينية والاجتماعية بين الرياض وواشنطن شاسعة. غير أن المصالح المشتركة — النفط، والأمن، والاستقرار الإقليمي، والتوازن ضد التمدد السوفيتي ثم الإيراني — كانت أقوى من كل الفوارق. ولفهم هذه العلاقة في عمقها، لا بد من العودة إلى البدايات.
الفصل الأول: اللقاء التأسيسي — من ينبع إلى كوينسي (1933–1945)
الشرارة الأولى: اكتشاف النفط
بدأت القصة عام 1933 حين منحت المملكة العربية السعودية، التي لم تكن قد أتمّت توحيدها الكامل بعد، امتيازًا للتنقيب عن النفط لشركة “ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا”، المعروفة لاحقًا بـ”أرامكو”. كانت المملكة الوليدة في أمسّ الحاجة إلى إيرادات تُعينها على التنمية وتوطيد السلطة، فيما كانت الشركات الأمريكية تبحث عن مصادر جديدة للطاقة في عالم يستعد للحرب.
في عام 1938، انفجر النفط من الأرض السعودية بكميات هائلة، ومعه انفجرت العلاقة بين البلدين. أدرك الأمريكيون أن ما تحت رمال الحجاز والنجد ليس مجرد ثروة اقتصادية، بل هو وقود المستقبل وعصب الحرب والسلام.
لقاء عظيم على ظهر سفينة
الحدث التأسيسي الذي أرسى قواعد هذه العلاقة كان لقاءً تاريخيًا فريدًا. في الرابع عشر من فبراير عام 1945، وعلى متن المدمرة الأمريكية “يو إس إس كوينسي” الراسية في بحيرة المرّة الكبرى بقناة السويس، التقى الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود مؤسس المملكة. لم يكن هذا مجرد لقاء دبلوماسي عابر؛ كان صياغةً لعقدٍ ضمني سيحكم العلاقة بين البلدين لعقود.
استمر اللقاء خمس ساعات، وتناول الجانبان خلاله ملفات عديدة، أبرزها النفط والأمن والقضية الفلسطينية. وقد خرج الطرفان بتفاهم جوهري: الولايات المتحدة تضمن أمن المملكة وتحمي عرشها، والمملكة تضمن تدفق النفط وتُبقي أسواقه مفتوحة أمام الأمريكيين. كان هذا الاتفاق الضمني — النفط مقابل الأمن — هو الركيزة التي بُنيت عليها كل ما تلا من علاقات.
الفصل الثاني: الحرب الباردة وتعميق الشراكة (1945–1973)
أمريكا كحارسة المصالح السعودية
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، وجدت الولايات المتحدة في المملكة العربية السعودية شريكًا استراتيجيًا لا يُعوَّض. كانت المملكة تجمع بين ثروة نفطية هائلة وموقع جغرافي حساس ومعاداة صريحة للشيوعية، في وقت كانت فيه واشنطن منهمكة في صدّ المد السوفيتي في كل مكان.
أرسى “مبدأ ترومان” (1947) دعامة رئيسية لهذه الشراكة، إذ أكد التزام الولايات المتحدة بحماية الدول الواقعة في مرمى التمدد السوفيتي، وكان الخليج العربي في القلب من هذا الالتزام. وفي عام 1951، أبرمت البلدان اتفاقية للتعاون الدفاعي سمحت للولايات المتحدة بإقامة قاعدة عسكرية في الظهران، في خطوة أثّرت في الواقع الاستراتيجي للمنطقة برمّتها.
أرامكو: الذراع الاقتصادية للعلاقة
نمت شركة أرامكو لتصبح رمزًا للتشابك الاقتصادي بين البلدين. في الخمسينيات، كانت تُنتج ما يزيد على مليون برميل يوميًا، وكانت بنيتها التحتية — من خطوط أنابيب وموانئ ومرافق — تُدار بخبرة أمريكية في معظمها. أمّنت أرامكو للمملكة إيرادات ضخمة بدأت معها مسيرة التحديث، فيما أمّنت للولايات المتحدة نفطًا رخيصًا أسهم في دفع عجلة نموها الاقتصادي الأسطوري في حقبة الخمسينيات والستينيات.
السعودية بين التحديث والهوية
كان الملوك السعوديون يسيرون في ذلك الوقت على حبل رفيع: يحتاجون إلى الخبرة والمال الأمريكيين لتحديث بلادهم، لكنهم يخشون من أن يُفضي هذا الانفتاح إلى زعزعة المجتمع المحافظ وتهديد الشرعية الدينية التي يرتكز عليها الحكم. فكانت السياسة السعودية قائمة على “البراغماتية الدينية”: التعامل مع الأمريكيين في الملفات الاقتصادية والأمنية، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والدينية بعيدًا عن أي تأثير خارجي.
الفصل الثالث: صدمة النفط وأزمة الهوية (1973–1979)
الحظر النفطي: عندما قررت الرياض
أكتوبر 1973 كان نقطة تحوّل كبرى. حين اندلعت حرب أكتوبر بين العرب وإسرائيل، وقررت الولايات المتحدة دعم إسرائيل وتزويدها بالسلاح، ردّت منظمة الدول العربية المصدّرة للنفط (أوابك)، بقيادة سعودية، بفرض حظر نفطي على الدول الداعمة لإسرائيل. وفي غضون أسابيع، تضاعفت أسعار النفط أربع مرات، وأصاب الذعر الاقتصادي الغرب بأسره.
كشف الحظر النفطي عن حقيقة جوهرية: العلاقة السعودية الأمريكية ليست علاقة طرف أقوى بطرف أضعف، بل شراكة تبادلية حقيقية، والمملكة قادرة على إيلام شريكها الأمريكي حين تشاء. هذا الدرس لم ينسَه صانعو القرار في واشنطن، وقد أفضى إلى مراجعات استراتيجية عميقة حول الاعتماد على النفط الخليجي.
بيد أن الأزمة انتهت في مارس 1974، ولم تُفضِ إلى قطيعة دائمة. وسرعان ما عادت العلاقة إلى مسارها، بل ربما خرجت أكثر نضجًا وأعمق تفاهمًا للمصالح المتبادلة.
الثورة الإيرانية: زلزال يعيد رسم المشهد
جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتُعيد رسم المشهد الاستراتيجي في المنطقة. سقوط الشاه، الحليف الأمريكي الأوثق في الخليج، وقيام الجمهورية الإسلامية المعادية لواشنطن والرياض معًا، دفع الطرفين — السعودي والأمريكي — إلى مزيد من التقارب والتنسيق. باتت إيران التهديد المشترك الجديد الذي يجمعهما.
وفي العام ذاته، وقع حادث احتلال الحرم المكي على يد جماعة جهيمان العتيبي، الذي كشف عن توترات داخلية حادة في المجتمع السعودي إزاء مسار التحديث والعلاقة مع الغرب. استدعت الأزمة المساعدة الفرنسية لتحرير الحرم، فيما سعت الحكومة السعودية إلى إدارة التوتر الداخلي بتوسيع الدور الديني ومنح المؤسسة الدينية مزيدًا من النفوذ، وهو ما سيكون له تداعيات بعيدة المدى لاحقًا.
الفصل الرابع: أفغانستان والخليج — الشراكة في أوجها (1979–1990)
الجهاد الأفغاني: تحالف السلاح والأيديولوجيا
حين غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان عام 1979، وجدت واشنطن والرياض أنفسهما أمام عدو مشترك. أطلقت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) عملية واسعة لتمويل المقاومة الأفغانية، ووفّرت المملكة العربية السعودية التمويل والمتطوعين والغطاء الديني. أُنفق ما يزيد على ستة مليارات دولار في هذا المشروع المشترك.
نجح الجهاد الأفغاني في تحقيق هدفه الآني: إغراق الاتحاد السوفيتي في مستنقع، وإجباره على الانسحاب عام 1989. لكن التحالف زرع بذورًا مسمومة ستُثمر كارثة في المستقبل، إذ إن التنظيمات التي دُرّبت وموّلت لمحاربة السوفييت — ومنها ما تحوّل لاحقًا إلى القاعدة وطالبان — ستعود لتُهدد الجميع.
عاصفة الصحراء: الاختبار الأكبر للتحالف
في الثاني من أغسطس 1990، اجتاح الجيش العراقي بقيادة صدام حسين الكويت. وجدت المملكة العربية السعودية نفسها في مواجهة تهديد وجودي مباشر: الجيش العراقي القوي لم يكن يفصله عن أراضيها سوى الصحراء. قرر الملك فهد — في خطوة جريئة وبالغة الحساسية دينيًا وسياسيًا — دعوة القوات الأمريكية إلى أراضي المملكة.
وصلت قوات التحالف بقيادة أمريكية، وانطلقت عملية “درع الصحراء” ثم “عاصفة الصحراء”. في فبراير 1991، تحررت الكويت، وانتهت الأزمة العسكرية. لكنها خلّفت أثرًا لم يكن محسوبًا: وجود القوات الأمريكية على الأرض السعودية أفزع كثيرين ممن اعتبروا ذلك دنسًا لأرض الحرمين الشريفين. كان من بين المحتجين شاب سعودي يُدعى أسامة بن لادن، كان قد عاد لتوّه من أفغانستان.
الفصل الخامس: أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها (2001–2010)
يوم غيّر التاريخ
في الحادي عشر من سبتمبر 2001، ضربت الولايات المتحدة موجة من الهجمات الإرهابية غير المسبوقة. سقط أكثر من ثلاثة آلاف شخص في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا. وحين تبيّن أن خمسة عشر من منفّذي الهجمات التسعة عشر يحملون الجنسية السعودية، اهتزت العلاقة بين البلدين بعنف لم يسبق له مثيل.
صحبت هذا الصدمة تساؤلات أمريكية حادة: هل كان المسؤولون السعوديون على علم بالمخطط؟ هل كانت التبرعات الخيرية السعودية تموّل التطرف؟ هل الوهابية — التيار الديني الذي ترعاه الرياض وتصدّره إلى العالم — هي الحاضنة الفكرية للإرهاب؟
تمسّكت واشنطن في المرحلة الأولى بروايتها الرسمية: السعودية شريكة في مواجهة الإرهاب لا مصدره. لكن التحقيقات الكونغرسية — وخاصة “الصفحات الثماني والعشرون” السرية من تقرير لجنة التحقيق التي رُفعت السرية عنها عام 2016 — كشفت عن اتصالات مريبة بين مسؤولين سعوديين وبعض الخاطفين، وإن ظلت ضلوع الحكومة السعودية الرسمية محل جدل.
التوتر في أعلى درجاته
انتقدت الحكومة الأمريكية علنًا دور المؤسسات الخيرية السعودية في تمويل التطرف. وردّت الرياض بأن ما حدث هو انحراف فردي، وأن المملكة هي ضحية الإرهاب لا رعيته. بدأت السعودية — تحت ضغط أمريكي ودافع ذاتي بعد موجة تفجيرات داخلية عام 2003 — حملة جدية لتجفيف منابع التمويل والتشديد على المدارس الدينية.
كانت سنوات 2001-2005 الأشد توترًا في تاريخ العلاقة. الرأي العام الأمريكي كان يغلي من السعودية، والرأي العام السعودي كان منفّرًا من السياسة الأمريكية في العراق وفلسطين. غير أن المصالح المشتركة الاستراتيجية كانت أقوى من الغضب الشعبي في الطرفين.
حرب العراق وانتكاسة إقليمية
قرار الولايات المتحدة غزو العراق عام 2003 لم يَلقَ ترحيبًا سعوديًا خالصًا؛ فقد حذّر المسؤولون السعوديون من أن إسقاط نظام صدام حسين سيُفضي إلى فوضى تُهدد استقرار المنطقة وتُقوّي إيران. وقد ثبت صحة هذه التوقعات: تفكّك العراق وفقدانه استقراره أفضى فعلًا إلى تمدد النفوذ الإيراني، مما عمّق القلق السعودي وجعل المملكة تشعر بأن واشنطن تتخذ قرارات مصيرية دون أخذ مخاوف حلفائها بالجدية الكافية.
الفصل السادس: الربيع العربي وتباين الرؤى (2010–2016)
موجة التغيير وقلق الرياض
حين اجتاح الربيع العربي المنطقة عام 2011، وقفت الولايات المتحدة وراء التغيير الديمقراطي ودعمت في أحيان كثيرة رحيل الحكماء الموالين لها — كحسني مبارك — فيما وقفت المملكة العربية السعودية في المعسكر المقابل، مفضّلةً الاستقرار على التغيير.
وصل التباين ذروته في موقف البلدين من أحداث البحرين: حين اندلعت الاحتجاجات في المنامة، أرسلت المملكة العربية السعودية قوات إلى البحرين لإخماد الحركة الاحتجاجية، فيما أبدت واشنطن انزعاجها — وإن لم تصل إلى حد الإدانة الصريحة. كشف الموقفان عن تباين جوهري في الأولويات: واشنطن تريد الديمقراطية، والرياض تريد الاستقرار.
الملف السوري
أحدث الملف السوري شرخًا آخر. دعمت واشنطن والرياض معًا المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد، لكنهما دعمتا فصائل مختلفة أحيانًا، وكان هذا الدعم غير منسّق وغير فعّال. كما أن القرار الأمريكي بعدم التدخل العسكري المباشر رغم تجاوز الخط الأحمر (استخدام الأسلحة الكيميائية) في 2013 ترك الرياض تشعر بأن واشنطن شريك غير موثوق حين يصل الأمر إلى تنفيذ وعوده.
الاتفاق النووي الإيراني: غضب الرياض
في عام 2015، وقّعت الولايات المتحدة والدول الغربية الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة). نظرت المملكة العربية السعودية إلى هذا الاتفاق بعين الريبة والغضب: رأت فيه خطوة أمريكية نحو الانفتاح على إيران على حساب الحلفاء التاريخيين في الخليج، واعتقدت أن رفع العقوبات عن طهران سيُغذّي طموحاتها التوسعية في المنطقة.
الفصل السابع: عهد محمد بن سلمان وإعادة التموضع (2016–حتى اليوم)
وليّ العهد الشاب وعصر جديد
مع صعود الأمير محمد بن سلمان — المعروف بـ”MBS” — إلى واجهة المشهد السياسي السعودي، دخلت العلاقة مع الولايات المتحدة طورًا جديدًا. جاء الأمير الشاب برؤية 2030، مشروع التحديث الاقتصادي الطموح الذي يهدف إلى تخليص الاقتصاد من اعتماده على النفط وانفتاح اجتماعي لا مثيل له في تاريخ المملكة الحديث.
تزامن ذلك مع وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، التي تبنّت موقفًا أكثر انحيازًا للرياض، وجعلت من العلاقة السعودية الأمريكية أولوية بارزة. اختارت إدارة ترامب الرياض محطةً لأول رحلة خارجية للرئيس، وأبرمت صفقات أسلحة ضخمة، وأعلنت تضامنها الكامل مع المملكة.
مقتل خاشقجي: أشد الاختبارات
في أكتوبر 2018، لقي الصحفي السعودي جمال خاشقجي حتفه داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. خلصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية إلى أن محمد بن سلمان أصدر الأمر بتنفيذ العملية. أحدثت هذه الجريمة صدمة دولية واسعة وأفجرت موجة انتقادات حادة للرياض.
وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام معضلة أخلاقية واستراتيجية حادة: كيف تُحاسب الرياض دون أن تُفسد شراكة استراتيجية لا غنى عنها؟ اختار ترامب في نهاية المطاف المضي في الشراكة، مستندًا إلى حجج اقتصادية وأمنية، فيما دفع الكونغرس — من الحزبين — نحو فرض عقوبات وتقييد صفقات الأسلحة.
أزمة يمن وضغوط حقوق الإنسان
كذلك وضع التدخل العسكري السعودي في اليمن — المستمر منذ عام 2015 — الشراكة أمام ضغوط متصاعدة. انتقد المشرّعون الأمريكيون ما وصفوه بكوارث إنسانية ناجمة عن العمليات العسكرية، وصوّت الكونغرس على قرارات لوقف الدعم العسكري للتحالف، وإن كان الرئيس ترامب أعاق بعضها بحق النقض “الفيتو”.
عودة الديمقراطيين وعهد بايدن
أحدث وصول إدارة بايدن عام 2021 تغييرًا في لهجة العلاقة إن لم يكن في جوهرها. رفعت واشنطن السرية عن تقرير الاستخبارات حول خاشقجي، وعلّقت بعض صفقات الأسلحة الهجومية، وأعادت تصنيف الحوثيين. غير أن مستجدات السوق النفطية العالمية — وخاصة الأزمة الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 — اضطرت بايدن للتوجه إلى الرياض ساعيًا إلى رفع إنتاج النفط، في تحوّل كشف مرة أخرى عن ثقل المصالح الاستراتيجية أمام الحسابات الأخلاقية.
الفصل الثامن: النفط والاقتصاد — محور الثقل الدائم
أرامكو: من الامتياز الأمريكي إلى الشركة الوطنية
لا يمكن فهم العلاقة السعودية الأمريكية بمعزل عن الملف النفطي. بعد أن كانت أرامكو في بداياتها شركة أمريكية خالصة، بدأت المملكة تدريجيًا في انتزاع حصتها منها، حتى أتمّت تأميمها بالكامل عام 1980 لتصبح “أرامكو السعودية” ملكًا للدولة. غير أن العلاقة مع الشركات الأمريكية وخبراتها لم تنتهِ، بل تطورت إلى أشكال تعاون جديدة.
منظمة أوبك، التي تلعب فيها المملكة دورًا محوريًا، باتت أداةً رئيسية تؤثر من خلالها الرياض في الأسواق العالمية وبالتالي في العلاقة مع واشنطن. قرارات رفع الإنتاج أو خفضه لها تداعيات مباشرة على الاقتصاد الأمريكي وعلى شعبية الرئيس الأمريكي في الداخل.
الدولار وتسعير النفط
ارتبط النفط السعودي منذ السبعينيات بالدولار الأمريكي، مما يعني أن أي صفقة نفطية في العالم تعزّز الطلب على العملة الأمريكية وتُعزز مكانتها عملةً احتياطيةً دولية. هذا الارتباط — المعروف بنظام “البترودولار” — أعطى الولايات المتحدة ميزة اقتصادية هائلة وربط مصير العملتين معًا بصورة عميقة.
الاستثمارات السعودية في أمريكا
تُعدّ المملكة العربية السعودية من أكبر المستثمرين في الاقتصاد الأمريكي، سواء عبر صندوق الاستثمارات العامة أو مباشرةً. يُضخ المال السعودي في سندات الخزينة الأمريكية وشركات التكنولوجيا والعقارات والبنية التحتية. هذا التشابك الاقتصادي يجعل الطرفين يتشاركان مصلحة مشتركة في الاستقرار الاقتصادي، وهو ما يُصعّب قطع العلاقة أو تدهورها خارج حدود معينة.
الفصل التاسع: التحولات المعاصرة وآفاق المستقبل
عالم متغير: الطاقة الشمسية والغاز الصخري
يشهد عالم الطاقة تحولات جذرية تُعيد تشكيل أسس العلاقة. الثورة الصخرية الأمريكية جعلت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، مما خفّف اعتمادها على نفط الخليج. وفي المقابل، تُسرّع المملكة في مساعي التنويع الاقتصادي لمرحلة ما بعد النفط. كلا الطرفين يبحث عن معادلة جديدة لعلاقة تأسّست أصلًا على النفط.
الصين: التحدي الثالث في المعادلة
يُمثّل الصعود الصيني تحديًا جديدًا للعلاقة. أصبحت الصين أكبر مستورد للنفط السعودي، وتتوسّع استثماراتها في البنية التحتية السعودية في إطار مبادرة “الحزام والطريق”. تُراقب واشنطن هذا التقارب بعين حذرة، فيما تمارس الرياض لعبة التوازن بين شريكها الاستراتيجي الأمريكي التاريخي والشريك الاقتصادي الصيني الصاعد.
التطبيع مع إسرائيل: المشروع الكبير
تُشير المعطيات إلى أن المملكة العربية السعودية تسير على طريق التطبيع مع إسرائيل، في خطوة تاريخية تدعمها واشنطن بقوة. هذا التطبيع المحتمل — حين يتحقق — سيُعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة بأسرها، وسيمثّل لحظة تأسيسية في مسار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. إنه المشروع الأكبر الذي تسعى واشنطن إلى إنجازه في المنطقة منذ اتفاقيات أوسلو.
خاتمة: تحالف الضرورة أم اختيار المصلحة؟
تاريخ العلاقة السعودية الأمريكية هو تاريخ شراكة قائمة على البراغماتية لا العاطفة، على المصلحة لا القيم المشتركة. دولتان تختلفان في كل شيء تقريبًا — في الثقافة والدين والنظام السياسي وقيم المجتمع — لكنهما تلتقيان على طاولة المصالح الاستراتيجية المشتركة.
مرّت هذه العلاقة بزلازل حقيقية: من حظر النفط إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى مقتل خاشقجي. ومع ذلك، لم تنهار قط، لأن تكلفة القطيعة كانت دائمًا أعلى مما يتحمّله الطرفان. الولايات المتحدة لا تستطيع الاستغناء عن الأمن الخليجي والاستقرار النفطي والحليف في مواجهة إيران. والمملكة لا تستطيع الاستغناء عن الضمانة الأمنية الأمريكية والتكنولوجيا الغربية والنفوذ الدولي الذي تمنحه العلاقة مع واشنطن.
يقف البلدان الآن عند مفترق طرق حقيقي: عالم الطاقة يتغير، التهديدات الأمنية تتشكّل من جديد، والقوى الصاعدة — وفي مقدمتها الصين — تعيد تشكيل التوازنات الدولية. لكن التاريخ يُعلّمنا أن هذه العلاقة — بكل تناقضاتها وتوتراتها — تملك قدرة استثنائية على التكيف والصمود.
ما بدأ على ظهر “يو إس إس كوينسي” منذ أكثر من ثمانية عقود لا يزال يُلقي بظلاله على الحاضر ويشكّل ملامح المستقبل. إنها، على حد تعبير المؤرخين، “العلاقة الغريبة الضرورية” — غريبة في طبيعتها، لكنها ضرورية في وجودها.