المكتبات الوطنية في المملكة العربية السعودية و دورها في نشر ثقافة القراءة وبناء المجتمع المعرفي

المكتبات الوطنية في المملكة العربية السعودية و دورها في نشر ثقافة القراءة وبناء المجتمع المعرفي

المكتبات الوطنية في المملكة العربية السعودية و دورها في نشر ثقافة القراءة وبناء المجتمع المعرفي

المكتبات الوطنية في المملكة العربية السعودية و دورها في نشر ثقافة القراءة وبناء المجتمع المعرفي

 

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة المعرفة وتتشعّب مصادرها، تبقى المكتبة الوطنية رمزًا حضاريًا راسخًا يجسّد تطلّع الأمم نحو العلم والمعرفة والارتقاء بالفكر الإنساني. وفي المملكة العربية السعودية، تحتلّ المكتبات الوطنية مكانةً محوريةً في المنظومة الثقافية والتعليمية، إذ تجمع بين مهمّتين لا تنفصلان: صون التراث المكتوب وإتاحته للأجيال القادمة من جهة، وتعزيز قيمة القراءة وترسيخها في وجدان المجتمع من جهة أخرى.

لم تكن المكتبات الوطنية في المملكة وليدة اللحظة الراهنة، بل هي امتداد لإرثٍ تاريخي عريق يعود إلى فجر الحضارة الإسلامية التي جعلت من طلب العلم فريضةً دينية وواجبًا اجتماعيًا. وقد انعكس هذا الإرث على السياسات الثقافية الحديثة للمملكة، التي أولت المكتبات اهتمامًا استثنائيًا في إطار رؤية 2030، الرؤية الطموحة التي تسعى إلى تحويل المملكة نحو مجتمع معرفي متقدّم يُقدّر القراءة ويحتفي بالإبداع الفكري.

تتناول هذه المقالة المكتبات الوطنية في المملكة العربية السعودية من زوايا متعدّدة، تشمل: نشأتها وتطوّرها التاريخي، وأبرز مؤسّساتها ومرافقها الثقافية، والبرامج والمبادرات التي تتبنّاها لنشر ثقافة القراءة، والتحوّلات الرقمية التي أعادت تشكيل دورها في العصر الحديث، وصولًا إلى استشراف مستقبلها في ضوء التحدّيات والفرص.

أولًا: النشأة والتطور التاريخي للمكتبات الوطنية في المملكة

1. الجذور التاريخية

لا يمكن الحديث عن المكتبات الوطنية السعودية دون الإشارة إلى الجذور العميقة لثقافة المكتبات في المنطقة. فمنذ عهد الدولة الإسلامية الأولى، شهدت الحجاز مراكز علمية بارزة، أبرزها المساجد الكبرى في مكة المكرمة والمدينة المنورة، التي لم تكن دور عبادة فحسب، بل كانت مراكز إشعاع علمي تضمّ مجاميع نفيسة من المخطوطات والكتب.

وقد ازدهرت في العصر العثماني مكتبات خاصة وعامة أثرت المشهد الثقافي في المنطقة، وأسهمت في الحفاظ على الموروث الفكري الإسلامي. غير أن التأسيس الحديث للمكتبات الوطنية ارتبط ارتباطًا وثيقًا بنشأة الدولة السعودية الحديثة في القرن العشرين، ورؤيتها الطموحة في بناء مؤسّسات ثقافية راسخة تواكب متطلّبات التنمية الشاملة.

2. تأسيس مكتبة الملك عبدالعزيز العامة

تُعدّ مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض من أبرز الصروح الثقافية في المملكة العربية السعودية، إذ أسّستها الدولة السعودية عام 1985م لتكون رافدًا معرفيًا أصيلًا يخدم المواطنين وطلاب العلم والباحثين على حدٍّ سواء. وقد نمت هذه المكتبة نموًا مطّردًا منذ تأسيسها، حتى باتت اليوم تضمّ ملايين الكتب والمخطوطات والوثائق النادرة، وتشغل موقعًا مرموقًا في خارطة المكتبات الكبرى في العالم العربي والإسلامي.

وتتميّز هذه المكتبة بمجموعاتها النادرة من المخطوطات الإسلامية التي تُغطّي مختلف العلوم والفنون والآداب، فضلًا عن أرشيف الصحف والدوريات الذي يمتدّ لعقود طويلة، وقسم الوثائق التاريخية الذي يُعدّ مرجعًا أساسيًا للباحثين في التاريخ السعودي والخليجي.

3. مكتبة الملك فهد الوطنية

تمثّل مكتبة الملك فهد الوطنية في الرياض الرمز الأبرز للمكتبة الوطنية بمفهومها الشامل في المملكة. افتُتحت عام 1990م بتوجيهات ملكية كريمة، لتضطلع بدور المستودع الوطني للإنتاج الفكري السعودي وفق نظام الإيداع القانوني الذي يُلزم دور النشر والطباعة بإيداع نسخ من كل إصداراتها لديها. وتجاوزت مقتنياتها حاجز المليوني وعاء معلوماتي، تتنوّع بين الكتب المطبوعة والمخطوطات والدوريات والأوعية الرقمية والمصغّرات الفيلمية.

وتضطلع المكتبة بمهمة الفهرسة الببليوغرافية الوطنية، وإصدار الرقم المعياري الدولي للكتاب (ISBN)، وتدريب الكوادر المكتبية وتأهيلها. كما تُسهم في التعاون المكتبي الإقليمي والدولي من خلال عضويتها في منظمات مكتبية عريقة كالاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات (IFLA).

ثانيًا: مبادرات المكتبات في تعزيز ثقافة القراءة

1. برامج القراءة للأطفال والناشئة

أدركت المكتبات الوطنية السعودية مبكّرًا أن تعزيز حبّ القراءة لا بدّ أن يبدأ في سنٍّ مبكّرة؛ لذلك خصّصت أقسامًا كاملة للأطفال تتوافر فيها الكتب المصوّرة وروايات الأطفال وألعاب الاستكشاف المعرفي في بيئة محفّزة ومشجّعة. وتنظّم هذه المكتبات طيفًا واسعًا من الفعاليات التفاعلية للناشئة، من بينها: قراءة القصص بصوتٍ مرفق بالإيماءات التعبيرية، وورش الرسم وصناعة الكتب اليدوية، ومسابقات الإلقاء والتعبير الإبداعي، ونوادي القراءة الصيفية التي تُشعل فتيل المنافسة الإيجابية بين صغار القرّاء.

وقد أثبتت هذه البرامج أثرًا إيجابيًا ملموسًا في رفع معدّلات إقبال الأطفال على المكتبات وتشكيل عادات القراءة لديهم في مرحلة التكوين الأولى، وهو ما تؤكّده الدراسات التربوية التي أجرتها المكتبات بنفسها أو بالتعاون مع المؤسّسات الأكاديمية.

2. برامج نوادي القراءة للكبار

لا تقتصر مساهمة المكتبات الوطنية على فئة الأطفال، بل تمتدّ لتشمل جميع شرائح المجتمع. وقد بادرت كثير من المكتبات الكبرى إلى تأسيس نوادٍ منتظمة للقراءة تجمع المهتمّين بالأدب والفكر والتاريخ والعلوم، حيث يلتقي الأعضاء دوريًا لمناقشة الكتب التي يختارونها وفق جداول زمنية مدروسة. وتُتيح هذه النوادي فضاءً حواريًا ثريًا يُعمّق الفهم ويثري التجربة القرائية، فيتحوّل الكتاب من مادة للاستهلاك الفردي إلى أداة للتفاعل الجماعي وبناء الهويات الفكرية.

وقد لاقت نوادي القراءة إقبالًا واسعًا لا سيما بعد جائحة كوفيد-19، حين اتّجهت المكتبات إلى نقل هذه النوادي إلى الفضاء الافتراضي عبر منصّات الاجتماعات الإلكترونية، ممّا وسّع دائرة المشاركين ليشمل أفرادًا من مناطق مختلفة من المملكة، وحتى من خارج حدودها.

3. معارض الكتاب ومهرجانات القراءة

تُشكّل معارض الكتاب الوطنية والإقليمية محورًا أساسيًا في منظومة تعزيز القراءة. وتحتضن المملكة العربية السعودية معارض كتاب كبرى في الرياض وجدّة والدمّام وغيرها من المدن، تستقطب ملايين الزوّار سنويًا وتوفّر فرصًا للتعرّف على الإصدارات الجديدة وتطوير المكتبة الشخصية. وتُسهم المكتبات الوطنية في هذه المعارض بأجنحة بارزة تُقدّم خدماتها وتُعرّف بمقتنياتها وبرامجها.

وعلى صعيد أشمل، أطلقت وزارة الثقافة السعودية مبادرة “موسم الرياض الثقافي” وفعاليات ثقافية دورية تندرج ضمن رؤية 2030، تحتلّ فيها برامج القراءة والكتاب مكانًا بارزًا. كما تُولي هيئة الكتاب السعودية، الذراع التنفيذية للشأن الكتابي والقرائي في المملكة، اهتمامًا استثنائيًا بتنشيط سوق النشر وتشجيع القراءة.

ثالثًا: التحوّل الرقمي وأثره في توسيع دائرة القراءة

1. المكتبات الرقمية والمستودعات الإلكترونية

شهدت المكتبات الوطنية السعودية تحوّلًا رقميًا جوهريًا خلال العقد الأخير، إذ استثمرت في تحويل مجموعاتها الورقية إلى صيغ إلكترونية قابلة للاسترداد والمشاركة. وتُتيح مكتبة الملك عبدالعزيز العامة ومكتبة الملك فهد الوطنية عبر بواباتهما الإلكترونية آلاف الكتب والدوريات الرقمية في شتّى التخصّصات، ممّا يُقلّص الفجوة المكانية ويجعل المعرفة في متناول أيّ مواطن سعودي أينما كان.

وقد استفاد القطاع المكتبي السعودي من التجارب الدولية الرائدة في الرقمنة، حيث تعاونت مكتبة الملك فهد الوطنية مع مؤسّسات دولية لرقمنة المخطوطات النادرة وإتاحتها للباحثين عبر الإنترنت، في خطوة تحفظ هذا الموروث الثمين وتُديم الوصول إليه في الوقت ذاته. كما باتت فهارس المكتبات الوطنية متاحةً عبر الإنترنت، ممّا يُيسّر البحث عن المصادر قبل التوجّه إليها فعليًا.

2. التطبيقات الذكية وتجربة القارئ الحديثة

أسهم الانتشار الواسع للهواتف الذكية وأجهزة الألواح في إعادة تعريف علاقة الأجيال الجديدة مع القراءة. واستجابةً لهذا الواقع، طوّرت عدد من المكتبات السعودية تطبيقات جوّالة تُمكّن المستخدمين من تصفّح الفهارس وإعارة الكتب الرقمية وتلقّي التوصيات القرائية المخصّصة وفق اهتماماتهم وتاريخ قراءاتهم السابقة.

وتُعدّ تجربة “اقرأ” إحدى المبادرات الرقمية اللافتة التي أطلقتها مؤسّسات ثقافية سعودية بهدف تحفيز القراءة الإلكترونية وربط القرّاء بعضهم ببعض في مجتمعات افتراضية. وتدمج هذه التجربة بين ميّزات الشبكات الاجتماعية ومنصّات القراءة الرقمية، ممّا يُضفي طابعًا تشاركيًا ومحفّزًا على تجربة القراءة.

3. استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمات المكتبات

دخل الذكاء الاصطناعي بقوّة إلى عالم المكتبات السعودية، حيث تُستخدم تقنيات معالجة اللغة الطبيعية في بناء محرّكات توصية قرائية ذكية وأنظمة بحث محادثاتي تُجيب على استفسارات المستخدمين بدلًا من إحالتهم إلى فهارس جامدة. كما تُساعد تقنيات التعرّف الضوئي على الحروف في رقمنة المخطوطات القديمة واسترداد نصوصها بدقّة متزايدة.

وتسعى مكتبة الملك عبدالعزيز العامة ضمن خططها الاستراتيجية إلى توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تحسين تجربة الزائر عبر توفير مساعدين افتراضيين وأنظمة توجيه ذكية داخل أروقة المكتبة وعلى بوّاباتها الإلكترونية. وهذا التوجّه يتّسق مع الاهتمام السعودي الشامل بتوظيف التقنية لتطوير الخدمات في مختلف القطاعات.

رابعًا: المكتبات الوطنية في ضوء رؤية 2030

1. القراءة ركيزةً في بناء الإنسان

جاءت رؤية المملكة 2030 لتُكرّس القراءة ركيزةً من ركائز بناء الإنسان السعودي وتحقيق التنمية المستدامة. فهذه الرؤية التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2016م تُولي الاهتمام البالغ لتطوير رأس المال البشري، وتضع تعزيز ثقافة القراءة والمعرفة ضمن أولوياتها الاستراتيجية. وتنعكس هذه الأولوية في الدعم الحكومي المتصاعد للمكتبات والمبادرات القرائية وصناعة النشر.

وعلى الصعيد التشريعي، جرى تأسيس هيئة الكتاب السعودية عام 2020م لتكون الجهة المرجعية الناظمة لمنظومة الكتاب والقراءة في المملكة، وقد تبنّت هذه الهيئة منذ نشأتها حزمةً من البرامج والمبادرات الرامية إلى رفع معدّلات القراءة وتشجيع التأليف والنشر محليًا.

2. مبادرة “اقرأ” وبرامج القراءة الوطنية

من أبرز البرامج الوطنية الداعمة للقراءة مبادرة “اقرأ” التي أطلقتها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بهدف نشر ثقافة القراءة في أوساط المجتمع على اختلاف أعماره وفئاته. وتشمل هذه المبادرة حملات توعوية في المدارس والجامعات والأماكن العامة، وتُقدّم الكتب للمواطنين بأسعار رمزية أو مجانًا في مناسبات بعينها، وتُنظّم مسابقات قرائية تستهدف مختلف المراحل العمرية.

وفي السياق ذاته، أطلقت وزارة التعليم برنامجًا خاصًا للقراءة في المناهج الدراسية يُلزم الطالب بقراءة عدد محدّد من الكتب خارج المقرّرات الرسمية سنويًا، وذلك بالتنسيق مع المكتبات المدرسية والعامة. وقد أسهم هذا البرنامج في تنمية الوعي القرائي لدى الأجيال الناشئة وتحويل القراءة من واجب إلى متعة.

3. دور القطاع الخاص والشراكات

لا تنفرد المكتبات الحكومية بمهمّة تعزيز القراءة، بل تستوعب هذه المنظومة شراكاتٍ فاعلة مع القطاع الخاص. إذ تضخّ شركات كبرى دعمًا ماليًا في برامج المكتبات وتُنظّم فعاليات قرائية مشتركة. كما تُقدّم دور النشر الخاصة والمكتبات التجارية مساهمات فعّالة في ترويج الكتاب وتسهيل الوصول إليه. وقد نجحت نماذج من قبيل “مكتبة جرير” في أن تكون جسرًا بين العالمَين التجاري والثقافي، بتوفير بيئات استهلاكية للكتاب تمزج بين المتعة والتحفيز.

خامسًا: التحدّيات والفرص

1. تحدّيات العصر الرقمي

يواجه قطاع المكتبات الوطنية في السعودية جملةً من التحدّيات التي تفرضها التحوّلات الرقمية المتسارعة. فالمنافسة من منصّات الترفيه الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي تستقطب انتباه الأجيال الشابة وتُنافس الكتاب على وقت الفراغ، ممّا يُكلّف المكتبات جهدًا مضاعفًا في تجديد خطابها وأساليب تواصلها مع الجمهور.

كذلك تُشكّل تكاليف التحوّل الرقمي وتطوير البنية التحتية التقنية ضغطًا على ميزانيات بعض المكتبات، وإن كانت الاستثمارات الحكومية السخيّة في هذا القطاع قد خفّفت من هذا الأثر في المكتبات الوطنية الكبرى. أما التحدّي الأعمق، فيكمن في بناء عادة القراءة لدى مجتمع تتسارع وتيرة حياته اليومية وتتعدّد منصرفاته الترفيهية.

2. فرص نحو مستقبل واعد

في مقابل هذه التحدّيات، تتوفّر فرص واعدة تمنح المكتبات الوطنية السعودية موقعًا متميّزًا في المستقبل. فالتعداد السكاني الشبابي الكبير يُمثّل جمهورًا هائلًا قابلًا للاستقطاب بالأساليب الصحيحة. والدعم الحكومي المتصاعد في سياق رؤية 2030 يُتيح تمويلًا استثنائيًا لتطوير البنية التحتية والبرامج.

ويُمثّل التعاون الإقليمي والدولي فرصةً للتبادل المعرفي وتبنّي أفضل الممارسات. كما أن انتشار الكتاب الصوتي يُفتح بابًا جديدًا للقراءة أمام أولئك الذين لا يجدون وقتًا للقراءة التقليدية، وقد بادرت بعض المكتبات السعودية إلى تطوير محتوى صوتي باللغة العربية لتلبية هذا الطلب المتنامي.

سادسًا: نماذج وتجارب ملهمة

1. مكتبة الملك عبدالعزيز العامة: نموذج الانفتاح المجتمعي

تُجسّد مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض نموذجًا ناجحًا للمكتبة التي تتجاوز دورها التقليدي كمستودع للكتب لتصبح مركزًا حضاريًا نابضًا. فهي تستضيف سنويًا مئات الأنشطة الثقافية من محاضرات وورش عمل ومعارض فنية وأمسيات أدبية وجلسات نقاشية. وتُتيح قاعات عملها ومساحاتها المخصّصة للدراسة بيئات ملائمة لمختلف أنماط التعلّم والبحث.

وتحتضن المكتبة أيضًا مركزًا متخصّصًا في دراسات تاريخ الجزيرة العربية يضمّ أرشيفًا ثريًا من الصور والوثائق النادرة التي تُوثّق مراحل تكوين الدولة السعودية وتحوّلاتها الاجتماعية والاقتصادية. وقد أسهم هذا المركز في دعم البحث التاريخي وإثراء الفهم العميق للهويّة الوطنية السعودية.

2. مكتبة الملك فهد الوطنية: صون التراث وبناء المستقبل

تُدير مكتبة الملك فهد الوطنية برنامجًا طموحًا لرقمنة المخطوطات والوثائق النادرة التي تعود إلى قرون سابقة، وهو عمل يستدعي خبرات تقنية متخصّصة ووعيًا عميقًا بأهمية الحفاظ على الإرث الحضاري. وقد تعاونت المكتبة في هذا الإطار مع مؤسّسات أكاديمية دولية مرموقة لضمان أعلى معايير الجودة في عمليات الرقمنة والفهرسة.

وعلى صعيد بناء القدرات البشرية، تُقدّم المكتبة برامج تدريبية متخصّصة للمكتبيين السعوديين في مجالات الفهرسة والتصنيف وتقنيات المعلومات والإدارة المكتبية الحديثة، ممّا يُسهم في بناء جيل متمكّن من المختصّين القادرين على قيادة مسيرة تطوير القطاع المكتبي في المملكة.

3. المكتبات الجامعية: الشريك الأكاديمي

لا تقلّ المكتبات الجامعية في جامعة الملك سعود وجامعة الملك عبدالعزيز وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن وسواها أهميةً عن المكتبات الوطنية الحكومية في صناعة القارئ السعودي. إذ تُوفّر هذه المكتبات بيئات بحثية متطوّرة وتُتيح قواعد بيانات أكاديمية عالمية وتُنظّم برامج محو الأميّة المعلوماتية للطلاب، ممّا يُرسّخ عادات البحث العلمي الأصيل.

خاتمة: نحو مجتمع قارئ

في ختام هذه الرحلة عبر عالم المكتبات الوطنية في المملكة العربية السعودية، يتّضح جليًّا أن هذه المؤسّسات تضطلع بدور يتجاوز بكثير مفهوم المستودع الكتابي. فهي في حقيقتها مراكز إشعاع ثقافي وحواضن للحوار الفكري وبيئات حيّة لتنمية الإنسان وإنضاج شخصيته وتوسيع آفاقه. وقد أحسنت المملكة العربية السعودية في تبنّي هذا التوجّه ضمن إطار رؤيتها الشاملة للتنمية المستدامة.

إن المكتبات الوطنية السعودية اليوم في مرحلة تحوّل نوعي حقيقي؛ فهي تُوازن بين مهمّة حفظ التراث والانفتاح على آفاق المستقبل، وتجمع بين عمق الجذور وجرأة الاستشراف. وبقدر ما تنجح هذه المكتبات في ترسيخ حبّ القراءة في نفوس الأجيال الجديدة، بقدر ما تُسهم في بناء سعودية المعرفة والإبداع.

إن الطريق نحو مجتمع قارئ مزدهر ليس مفروشًا بالورود، لكنّه ليس مستحيلًا. ومع ما تتّسم به المملكة من إرادة سياسية راسخة ودعم حكومي متواصل وتنامي الوعي المجتمعي بأهمية المعرفة، يبدو المستقبل مفعمًا بالأمل. فلعلّ اليوم الذي تتحوّل فيه القراءة إلى عادة يومية راسخة في كل بيت سعودي ليس بعيدًا، وتكون المكتبات الوطنية قد أدّت دورها الأثيل في بناء هذا الصرح الحضاري الشامخ.