برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث: البوابة الذهبية نحو التميز العلمي العالمي

برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث: البوابة الذهبية نحو التميز العلمي العالمي

برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث: البوابة الذهبية نحو التميز العلمي العالمي

برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث: البوابة الذهبية نحو التميز العلمي العالمي

حلم يتحول إلى واقع

في زمن تتسابق فيه الأمم على بناء عقولها قبل أن تبني مدنها، جاء برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث ليكون أحد أضخم وأشمل برامج الابتعاث الحكومي في تاريخ المنطقة العربية. فمنذ انطلاقته الأولى عام 2005 بأمر ملكي كريم، حمل هذا البرنامج العملاق رسالة واضحة وصريحة: أن تعود المملكة العربية السعودية إلى مكانتها الريادية عبر استثمار أثمن ما تملك، وهو شبابها وشاباتها المتطلعون إلى آفاق المعرفة والتميز.

لم يكن البرنامج مجرد منح دراسية تُمنح هنا وتنتهي هناك، بل كان مشروعاً وطنياً استراتيجياً من الدرجة الأولى، صاغه المخططون بعقلية المستقبل وبعيون ترى ما وراء الأفق. وعبر عقدين من الزمن، أتقن هذا البرنامج فن التحول والتكيف، فارتقى من مرحلة الكمّ إلى مرحلة النوع، ومن مرحلة الإيفاد العام إلى مرحلة الاستهداف الدقيق والمتوائم مع متطلبات رؤية المملكة 2030.

في هذه المقالة، نأخذك في جولة تفصيلية شاملة داخل هذا البرنامج الفريد: تاريخه، رؤيته، مساراته، شروطه، مزاياه، وما الذي يجعله نقطة تحوّل حقيقية في مسيرة كل طالب وطالبة تختار أن تحلم بأعلى وتسعى بلا حدود.

نشأة البرنامج وتطوره التاريخي

البداية: إطلاق أول شرارة

في عام 2005، صدر الأمر الملكي الكريم بإنشاء برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، في خطوة تاريخية رأى فيها القيادة السعودية ضرورة حتمية لتزويد الوطن بكفاءات علمية مؤهلة قادرة على قيادة مسيرة التنمية الشاملة. ومنذ أول دورة له، استقطب البرنامج آلاف الطلاب والطالبات الذين وجدوا في هذه الفرصة جسراً يوصلهم إلى أرقى الجامعات والمعاهد العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا ودول أوروبية عديدة.

كانت الرسالة في بدايتها واضحة: أوفدوا أكبر عدد ممكن من الطلاب، دعوهم يتعلمون، ثم عودوا بهم ليبنوا وطنهم. وقد نجح البرنامج في تحقيق هذه الغاية نجاحاً ملحوظاً، إذ تخرّج منه عشرات الآلاف من الكفاءات في تخصصات شتى من الطب والهندسة والعلوم والإنسانيات والإدارة.

مرحلة التوسع والانتشار (2005–2021)

طوال السنوات الأولى من عمر البرنامج، كانت أعداد المبتعثين تتصاعد عاماً بعد عام، وكانت خريطة الجامعات المعتمدة تتوسع لتشمل المئات من المؤسسات الأكاديمية العالمية. وقد شهدت هذه المرحلة إيفاد مئات الآلاف من الطلاب السعوديين إلى مختلف دول العالم، مما أسهم في بناء جيل من المتعلمين الذين يجمعون بين الهوية الوطنية الراسخة وانفتاح الأفق على العلم والحضارة الإنسانية.

غير أن هذه المرحلة لم تخلُ من تحديات؛ فقد رصد المخططون بعض الهدر في الموارد، وتدني نسبة التوائم بين تخصصات المبتعثين واحتياجات سوق العمل الفعلية، مما استدعى إعادة النظر الشاملة في منهجية البرنامج وفلسفته.

التحول الاستراتيجي في عام 2022: نقلة نوعية

في السابع من مارس 2022، كان الحدث الفاصل في تاريخ البرنامج؛ إذ أعلن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ورئيس لجنة برنامج تنمية القدرات البشرية، عن إعادة هيكلة استراتيجية شاملة للبرنامج، تحوّل بموجبها من برنامج ابتعاث كمّي يُركز على الأعداد إلى برنامج نوعي يُركز على الكفاءة والتأثير والتوائم مع متطلبات رؤية 2030.

هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في اللوائح أو تغيير في الشروط، بل كان إعادة بناء فلسفية وهيكلية من الألف إلى الياء. باتت الأولوية للتخصصات النوعية التي تخدم القطاعات الواعدة في المملكة، وأصبح التميز الأكاديمي شرطاً لا تساهل فيه، وصارت أفضل ثلاثين جامعة في العالم هي الوجهة المستهدفة لأصحاب التميز الأعلى، فيما تحددت قوائم الجامعات المعتمدة لكل مسار وفق معايير دقيقة ومدروسة.

رؤية البرنامج ورسالته الكبرى

يقوم البرنامج في استراتيجيته الجديدة على رؤية طموحة تتلخص في: “مبتعثون منافسون عالمياً يساهمون في التنمية الاقتصادية لوطنهم”، ورسالة جوهرية تقول: “نبتعث للعلم وبناء القيادات التي تساعدنا في صنع شيء جديد ومختلف للعالم”.

هاتان الجملتان ليستا مجرد شعارات تُكتب على الجدران؛ إنهما تعبيران أمينان عن العقيدة التعليمية التي يتبناها البرنامج. فالابتعاث بهذا المفهوم لم يعد ترفاً أو مكافأة، بل هو استثمار وطني بامتياز، تتوقع الدولة عائداً حقيقياً منه يتمثل في كوادر بشرية متميزة تُعيد صياغة الاقتصاد الوطني وتُسهم في تنويع مصادره وفق تطلعات رؤية 2030.

الأهداف الاستراتيجية

يسعى البرنامج إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية المتشابكة والمتكاملة:

أولاً: رفع كفاءة رأس المال البشري، من خلال تأهيل الكفاءات الوطنية وتطويرها لتكون قادرة على المنافسة عالمياً وقيادة مختلف القطاعات بكفاءة ومهنية عالية.

ثانياً: تحقيق التنمية المستدامة، عبر دعم جهود التنمية الشاملة في المملكة من خلال رفد القطاعات الحيوية كالصناعة والطاقة والصحة والتقنية والسياحة والترفيه والفضاء بالكفاءات المتخصصة التي تحتاج إليها.

ثالثاً: دعم الابتكار والبحث والتطوير، بتأهيل باحثين وعلماء قادرين على المساهمة في رفع مستوى البحث العلمي الوطني وتحقيق الانتقال نحو الاقتصاد المعرفي.

رابعاً: تحقيق التنافسية العالمية، من خلال إيفاد المتميزين إلى أرقى المؤسسات الأكاديمية في العالم، مما يُكسبهم خبرات دولية تُعزز قدراتهم التنافسية ووعيهم بمتطلبات السوق العالمي.

خامساً: دعم برامج جودة الحياة، وهو هدف لافت يعكس الرؤية الإنسانية الشاملة للبرنامج، الذي لا يكتفي ببناء العقول وإنما يُولي اهتماماً بالغاً بجودة حياة المبتعثين خلال مرحلة دراستهم في الخارج.

مسارات البرنامج الأربعة: لكل طموح طريقه

ربما يكون أبرز ما يميز البرنامج في هيكله الجديد هو تقسيمه إلى أربعة مسارات متمايزة، كل منها يستهدف شريحة بعينها ويخدم هدفاً محدداً. هذا التنوع يجعل البرنامج قادراً على استيعاب طيف واسع من الطلاب والطالبات، من الحاصلين على أعلى معدلات التميز وصولاً إلى الباحثين الساعين لتطوير قطاعات بعينها.

المسار الأول: مسار الرواد — نحو قمم المعرفة العالمية

يمثل هذا المسار التاج في هيكل البرنامج وأعلى درجات طموحه؛ إذ يستهدف أبتعاث الطلاب والطالبات الأكثر تميزاً وتفوقاً إلى أفضل ثلاثين مؤسسة تعليمية في العالم، في مختلف المجالات والتخصصات. الجامعات التي يُطلّ عليها هذا المسار هي صفوة صفوة المؤسسات الأكاديمية الكونية: هارفارد وإم آي تي وأوكسفورد وكامبريدج وستانفورد وأمثالها.

يُجسّد مسار الرواد الإيمان الراسخ بأن المملكة تمتلك طلاباً قادرين على المنافسة في أعلى هرم التعليم الدولي، وأن منحهم الفرصة للتعلم في هذه المؤسسات هو الاستثمار الأجدى والأكثر أثراً على مستقبل الوطن. وهذا المسار مفتوح لجميع التخصصات مما يُعكس قناعة بأن الوطن يحتاج إلى تميز في كل الميادين دون استثناء.

المسار الثاني: مسار واعد — الرهان على القطاعات المستقبلية

يحمل هذا المسار اسمه بجدارة، فهو فعلاً يبتعث من يبتعثون نحو المستقبل. يهدف مسار “واعد” إلى دراسة وتدريب الطلاب وإعادة تأهيلهم وتعزيز قدراتهم في القطاعات والمجالات الواعدة، تلك التي تراهن عليها رؤية 2030 بوصفها محركات النمو الاقتصادي في السنوات القادمة.

يُقدّم هذا المسار نموذجاً ذكياً يجمع بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي، مما يُنتج خريجين يُتقنون الجانب النظري ويتقنون في الوقت ذاته التطبيق الميداني. القطاعات التي يخدمها هذا المسار تشمل الطاقة المتجددة والترفيه والسياحة والثقافة والرياضة والتقنية والابتكار وغيرها من الميادين التي تُحوّلها المملكة إلى ركائز اقتصادية جديدة.

المسار الثالث: مسار إمداد — سد الفجوات وتلبية الاحتياجات

يُعالج هذا المسار إشكالية محورية طالما شغلت بال مخططي التعليم والتنمية، وهي الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. يهدف مسار “إمداد” تحديداً إلى سد حاجة السوق من خلال ابتعاث الطلاب والطالبات إلى أفضل مئتي جامعة ومعهد في العالم في مجالات محددة ذات احتياج عالٍ في سوق العمل السعودي.

يشمل هذا المسار الراغبين في إكمال مرحلة البكالوريوس أو الماجستير في تخصصات يُعاني منها السوق من شحّ في الكوادر البشرية. وبهذا يُصبح مسار إمداد أداة تخطيط استراتيجي بامتياز، تستجيب للبيانات والمعطيات الواقعية وتترجمها إلى قرارات ابتعاثية مدروسة.

المسار الرابع: مسار البحث والتطوير — البذرة التي ستُثمر علماء الغد

يُعدّ هذا المسار من أكثر المسارات أهمية وأعمقها أثراً على المدى البعيد؛ إذ يستهدف بناء قاعدة بشرية متخصصة في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، تكون قادرة على قيادة التحول نحو الاقتصاد المعرفي وتعزيز مكانة المملكة في الخارطة الأكاديمية والبحثية العالمية.

يتيح هذا المسار الابتعاث لأفضل مئتي مؤسسة تعليمية في العالم، وفق المجالات ذات الأولوية التي تخدم أهداف البحث والتطوير في المملكة. ويستهدف أصحاب الشغف البحثي من الطلاب الذين يسعون لإكمال درجة الماجستير أو الدكتوراه في تخصصات علمية ذات قيمة بحثية إضافية للوطن.

شروط القبول في البرنامج: الجدية وليست العقبة

الشروط العامة للجميع

وضع البرنامج جملة من الشروط العامة التي ينبغي توافرها في جميع المتقدمين بصرف النظر عن المسار الذي يختارونه، وتشمل هذه الشروط:

يجب أن يكون المتقدم حاملاً للجنسية السعودية، وأن يكون غير حاصل على أي درجة علمية مماثلة للمرحلة التي يتقدم لها من خارج المملكة، وأن يتمتع بالسيرة الحسنة والسلوك القويم الذي يليق بسفير للوطن في الخارج.

كذلك يُشترط حصول المتقدم على قبول من إحدى الجامعات المعتمدة ضمن قوائم البرنامج، وأن يستوفي الحد الأدنى المطلوب في مستوى اللغة الإنجليزية وفق الاختبارات المعتمدة، وأن تكون صحته اللياقة البدنية والنفسية مؤهلة للدراسة في الخارج.

شروط خاصة بكل مسار

تتباين الشروط المحددة من مسار إلى آخر وفق طبيعة كل مسار وأهدافه. فمسار الرواد يشترط عادةً معدلات أكاديمية أعلى وقبولاً من الجامعات المصنفة ضمن أفضل ثلاثين جامعة عالمياً، في حين يُتيح مسار إمداد هامشاً أوسع في قوائم الجامعات المقبولة. أما مسار البحث والتطوير فيستلزم في الغالب خبرة بحثية سابقة أو توصيات أكاديمية قوية تدعم الطلب.

شروط السنة الأكاديمية 2025–2026

مع كل دورة جديدة، يتم تحديث الشروط لتتواءم مع المستجدات والأولويات الوطنية. وقد كشفت آخر التحديثات للعام الأكاديمي 2025–2026 عن إضافة سبعة شروط جديدة تعكس النضج المتصاعد في إدارة البرنامج وتوجهه نحو مزيد من الدقة والاستهداف في اختيار المبتعثين.

مزايا البرنامج: ما الذي يحصل عليه المبتعث؟

حين تُقرر الدولة أن تبتعث أحد أبنائها، فإنها لا تُرسله بيد فارغة؛ بل ترافقه بحزمة متكاملة من المزايا المادية والأكاديمية التي تُزيل أمامه عقبات التمويل وتُوفر له بيئة مثلى للتفرغ للدراسة والتميز.

تشمل المزايا الأساسية للبرنامج تغطية كاملة لرسوم الدراسة، والمصروف الشهري الذي يكفل للمبتعث مستوى معيشياً لائقاً في بلد الدراسة، وتذاكر السفر ذهاباً وإياباً، وتأمين صحي شامل يُغطي المبتعث وأسرته المرافقة في حالات معينة، فضلاً عن بدل السكن وعدد من البدلات التكميلية التي تُخفف من أعباء الحياة اليومية في الخارج.

ومما يُميز هذا البرنامج عن كثير من نظيراته أنه لا يكتفي بالجانب المادي، بل يُوفر الدعم الأكاديمي والإداري من خلال الملحقيات الثقافية السعودية المنتشرة في مختلف دول الابتعاث، والتي تُتابع أوضاع المبتعثين وتُقدم لهم المساعدة اللازمة في شؤونهم الدراسية والمعيشية.

التخصصات والجامعات المعتمدة

التخصصات الأولوية

بعيداً عن نموذج “ابتعث لأي تخصص”، يُحدد البرنامج في هيكله الجديد قوائم بالتخصصات ذات الأولوية وفق احتياجات كل مسار. وتتصدر هذه القوائم التخصصات التقنية كالذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني وهندسة البرمجيات، إلى جانب تخصصات الطاقة المتجددة والطيران والفضاء والطب وعلوم الصحة، والتخصصات الاقتصادية والمالية والإدارية والقانونية.

كما تحظى تخصصات السياحة والضيافة والترفيه والإعلام بحصة متنامية ضمن قوائم التخصصات المعتمدة، وهو ما يعكس إدراك القيادة لأهمية هذه القطاعات في منظومة الاقتصاد الوطني المتجدد.

الجامعات المعتمدة

يُخصص البرنامج قوائم معتمدة للجامعات وفق كل مسار على حدة، مستنداً في ذلك إلى التصنيفات الدولية المعترف بها كتصنيف QS وتصنيف THE وتصنيف شنغهاي. وتُصدر وزارة التعليم دورياً دليلاً استرشادياً تفصيلياً يُرتب فيه قوائم الجامعات حسب المجالات الدراسية، مما يُمكّن المتقدمين من الاختيار الواعي والمدروس.

تتوزع هذه الجامعات عبر الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا وألمانيا وفرنسا وهولندا وسويسرا وسنغافورة وعدد من الدول الأخرى التي تمتلك منظومات تعليمية متقدمة وبيئات بحثية راسخة.

رحلة التقديم: كيف تنطلق نحو حلمك؟

منصة سفير: البوابة الرقمية للابتعاث

تتم جميع إجراءات التقديم للبرنامج إلكترونياً عبر منصة “سفير” التابعة لوزارة التعليم السعودية على الرابط safeer2.moe.gov.sa، وهي منصة متكاملة تُتيح للمتقدم رفع الوثائق وتتبع حالة طلبه والتواصل مع الجهات المعنية.

خطوات التقديم

تبدأ رحلة التقديم بإنشاء حساب على منصة سفير وتعبئة الاستمارة الإلكترونية بجميع البيانات المطلوبة. ثم يعمد المتقدم إلى رفع الوثائق الداعمة وأبرزها الشهادات الأكاديمية مع ترجماتها الرسمية، وشهادات اللغة الإنجليزية المعتمدة كـ IELTS أو TOEFL، وخطاب القبول الجامعي، والسيرة الذاتية، وخطاب الأهداف الأكاديمية والمهنية.

بعد رفع المستندات، تُراجع اللجان المختصة في وزارة التعليم الطلبات وفق معايير محددة وشفافة، قبل إعلان قوائم المقبولين التي تُنشر عبر الموقع الرسمي وتُرسل إخطاراتها للمتقدمين مباشرة.

الجدول الزمني

يفتح باب التقديم عادةً في بداية كل عام دراسي، ويتواصل لأسابيع عدة قبل أن تنتهي المهلة النهائية. وتنصح وزارة التعليم المتقدمين بالتسجيل مبكراً والحرص على اكتمال ملفاتهم من الناحية التقنية قبل قُرب انتهاء مدة التقديم.

انعكاسات البرنامج: قصص نجاح وأرقام ناطقة

حضور سعودي في صروح العلم العالمي

خلال عقدين من عمره، أسهم البرنامج في بناء حضور سعودي لافت في أرقى جامعات العالم. تجد الطلاب السعوديين اليوم في قاعات هارفارد وأروقة MIT وحرم إمبريال كوليدج ولندن وغيرها من صروح المعرفة العالمية، يُمثلون وطنهم بفخر ويُثبتون قدرتهم على المنافسة في أعلى المستويات.

وقد خرّج البرنامج حتى عام 2024 آلاف الكفاءات المؤهلة التي عادت لتتولى مناصب قيادية في القطاعين الحكومي والخاص، وتُسهم في مختلف مجالات التنمية الوطنية من صحة وتعليم وتكنولوجيا وبنية تحتية واقتصاد وسياسة خارجية.

أثر رؤية 2030 على مسارات البرنامج

يتجلى أثر رؤية 2030 بوضوح في التحولات التي شهدها البرنامج بعد عام 2022؛ فالتخصصات المعتمدة اليوم تعكس بدقة الأولويات الاقتصادية للمملكة، وقوائم الجامعات المعتمدة تحكمها معايير علمية مرتبطة باحتياجات السوق، ومسارات البرنامج الأربعة تُشكّل خريطة متكاملة لبناء رأس المال البشري الذي تحتاج إليه المملكة لتحقيق تحولها الاقتصادي الكبير.

تحديات البرنامج وآفاق التطوير

تحدي العودة والاندماج في سوق العمل

رغم النجاحات اللافتة التي حققها البرنامج، تبقى مسألة استيعاب المبتعثين العائدين في سوق العمل تحدياً حقيقياً يستحق الاهتمام. فليس كل عائد يجد بسهولة الوظيفة التي تتوائم مع تأهيله العلمي الرفيع، وهو ما دفع الجهات المعنية إلى تطوير آليات لمتابعة المبتعثين بعد عودتهم وتيسير اندماجهم المهني.

تحدي الهجرة الدماغية

يظل الخوف من توطين الكفاءات خارج المملكة هاجساً مشروعاً، خاصة أن بعض الخريجين من أرقى الجامعات قد يجدون في أسواق العمل الدولية فرصاً أكثر جاذبية. ويتصدى البرنامج لهذا التحدي من خلال اشتراط العودة وتطبيق بنود الالتزام، غير أن المعالجة الأعمق تكمن في تطوير بيئة العمل الوطنية لتكون جذابة للكفاءات المتميزة.

تحدي الجودة والمتابعة

مع الأعداد الكبيرة للمبتعثين، يُصبح التحقق من جودة التجربة الأكاديمية لكل مبتعث مهمة بالغة التعقيد. وقد طورت وزارة التعليم منظومة للمتابعة والتقييم الدوري تُمكّنها من رصد مستوى التحصيل الأكاديمي للمبتعثين ومعالجة أي إشكاليات قد تعترض مسيرتهم.

البرنامج في سياقه الإقليمي والدولي

لا يُوجد برنامج خادم الحرمين للابتعاث في فراغ، بل يُشكّل جزءاً من منظومة متكاملة لتنمية الموارد البشرية تشمل برامج التدريب والتطوير الداخلي وتطوير المناهج الوطنية وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الأكاديمية العالمية.

وحين نُقارنه ببرامج مماثلة في المنطقة، يتضح أن البرنامج السعودي يحتل مكانة متقدمة من حيث الحجم والموارد والطموح. فلا يكاد يُضاهيه في المنطقة العربية برنامج من حيث الحجم ومستوى التمويل واتساع قوائم الجامعات المعتمدة.

وعلى الصعيد الدولي، بات مسؤولو الجامعات العالمية يُولون اهتماماً متصاعداً بالمبتعثين السعوديين، ليس فقط لتأثيرهم الإيجابي في بيئات التعلم بفضل تنوع خلفياتهم الثقافية، بل أيضاً لأن كثيراً منهم يُسهمون في أبحاث وفرق دراسية تُثري الحياة الأكاديمية في مؤسساتهم.

نصائح للمتقدمين: كيف تُعزز فرصك في القبول؟

لمن يُفكر في التقديم على البرنامج، ثمة محاور عدة ينبغي الاهتمام بها:

أولاً: الاستعداد المبكر للغة الإنجليزية. تُعدّ درجات اختبارات IELTS وTOEFL من أبرز معايير القبول، لذا ينبغي البدء في التحضير الجاد لها مبكراً والحرص على تجاوز الحد الأدنى المطلوب بفارق مريح.

ثانياً: انتقاء الجامعة والتخصص بعناية. إن البحث المعمّق في قوائم الجامعات المعتمدة واختيار التخصص المتوائم مع ميولك وقدراتك واحتياجات السوق يُشكّل ركيزة أساسية لنجاح رحلة الابتعاث.

ثالثاً: بناء ملف أكاديمي قوي. الجامعات المعتمدة تُولي أهمية قصوى للمشاركات والإنجازات الأكاديمية خارج القاعة الدراسية من بحوث ومشاريع وجوائز وأنشطة قيادية.

رابعاً: خطاب الأهداف الرصين. إن إعداد خطاب الأهداف الأكاديمية والمهنية بصورة مدروسة وصادقة تعكس فهماً عميقاً للتخصص وارتباطه بأهداف التنمية الوطنية يُشكّل فارقاً حقيقياً في ملف التقديم.

خامساً: التواصل مع المبتعثين السابقين. لا شيء يُعوّض الخبرة الشخصية، والتواصل مع من سبقوك في هذه الرحلة يمنحك رؤية واقعية لما ينتظرك ويُمكّنك من التحضير الأفضل.

خلاصة: استثمار في الإنسان من أجل الوطن

في نهاية المطاف، يُجسّد برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث قناعة عميقة راسخة لدى القيادة السعودية: أن بناء الإنسان هو أُسّ كل بناء، وأن الاستثمار في العقول يُدرّ أعظم العوائد على الأمم. وعبر أكثر من عقدين من العطاء، أثبت هذا البرنامج جدارته بوصفه أداة تنموية استراتيجية من الطراز الأول.

مع التحول الاستراتيجي في عام 2022 وإعادة هيكلة البرنامج وفق مبادئ الجودة والتوائم مع رؤية 2030، دخل البرنامج مرحلة جديدة من النضج والفاعلية. لم يعد يكتفي بالإيفاد الكمّي، بل بات يُخطط لكل مبتعث بدقة المهندس وحرص من يعلم أن كل فرد هو لبنة في صرح وطن يسعى إلى التميز والريادة.

لهذا، إن كنت طالباً أو طالبة تحمل في صدرك جمراً من طموح، وتنظر إلى المستقبل بعيون لا تعرف اليأس، فإن برنامج خادم الحرمين للابتعاث يمد يده إليك بكل قوة وإصرار، ويقول لك: حلمك ممكن، وطريقك مرسوم، فما عليك إلا أن تمشي.