خدمات الطوارئ والإسعاف في المملكة العربية السعودية

خدمات الطوارئ والإسعاف في المملكة العربية السعودية

خدمات الطوارئ والإسعاف في المملكة العربية السعودية

خدمات الطوارئ والإسعاف في المملكة العربية السعودية

تُعدّ خدمات الطوارئ والإسعاف ركيزةً أساسية من ركائز المنظومة الصحية في أي دولة متقدمة، إذ تمثّل الخط الأول للدفاع في مواجهة الأزمات الصحية الحادة، وحوادث الطرق، والكوارث الطبيعية، والطوارئ بشتى أنواعها. وفي المملكة العربية السعودية، شهدت هذه الخدمات تحولات جذرية ونقلات نوعية متلاحقة، انعكست إيجاباً على مستوى الرعاية المقدمة للمواطنين والمقيمين على حدٍّ سواء.

منذ النشأة الأولى لهذه الخدمات في منتصف القرن الماضي وحتى اليوم، قطعت المملكة شوطاً بعيداً في بناء منظومة طوارئ متكاملة، تجمع بين الكوادر البشرية المؤهلة، والتقنيات الحديثة، والبنية التحتية المتطورة، والتشريعات الداعمة. ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل جاء ثمرةً لتخطيط استراتيجي دقيق، وإرادة حكومية راسخة، ضمن مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها المملكة في إطار رؤية 2030.

تتناول هذه المقالة خدمات الطوارئ والإسعاف في المملكة العربية السعودية من زوايا متعددة؛ بدءاً بالتاريخ والنشأة، مروراً بالهيكل المؤسسي والجهات المعنية، وصولاً إلى أبرز التحديات والإنجازات، وانتهاءً بالتوجهات المستقبلية التي ترسم ملامح منظومة طوارئ أكثر كفاءة وأسرع استجابة.

أولاً: نشأة خدمات الطوارئ والإسعاف في المملكة

البدايات الأولى

ارتبطت نشأة خدمات الإسعاف في المملكة العربية السعودية ارتباطاً وثيقاً بتطور المنظومة الصحية الشاملة. في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كانت الخدمات الصحية محدودة النطاق، وكانت استجابة الطوارئ تعتمد في معظمها على المستشفيات والعيادات الحكومية التي كانت تستقبل الحالات الطارئة دون وجود نظام منظم لنقل المرضى.

مع بداية الطفرة النفطية في السبعينيات، وتدفق عائدات النفط التي أتاحت فرصاً واسعة للاستثمار في البنية التحتية، بدأت الحكومة السعودية توجيه اهتمام متزايد نحو تطوير الخدمات الصحية بوجه عام، وخدمات الطوارئ بوجه خاص. أُنشئت المستشفيات الكبرى في المدن الرئيسية كالرياض وجدة والدمام، وبدأت تُشكَّل أقسام الطوارئ على نحوٍ أكثر تنظيماً واحترافية.

التأسيس المؤسسي في الثمانينيات والتسعينيات

شكّلت الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي مرحلة تأسيسية مهمة لخدمات الإسعاف السعودية. في هذه الحقبة، بدأت وزارة الصحة توسيع شبكة مراكز الإسعاف، وزيادة أعداد سيارات الإسعاف المجهزة، وتدريب الكوادر الفنية على أساليب الإسعاف الحديثة. كما شهدت هذه المرحلة بداية تأسيس الهلال الأحمر السعودي بوصفه هيئة مستقلة تُعنى بخدمات الإسعاف والإغاثة، وهو ما مهّد لتحويل خدمات الإسعاف من مجرد ملحق بالمستشفيات إلى خدمة قائمة بذاتها.

ثانياً: الهيكل المؤسسي لخدمات الطوارئ والإسعاف

الهلال الأحمر السعودي

يُعدّ الهلال الأحمر السعودي المشغّل الرئيسي لخدمات الإسعاف في المملكة، وهو هيئة حكومية مستقلة تأسست رسمياً وتطورت عبر مراحل متعددة لتصبح اليوم واحدة من أكبر منظمات الإسعاف في منطقة الشرق الأوسط. يتولى الهلال الأحمر السعودي تقديم خدمات الإسعاف الميداني في مختلف أرجاء المملكة، بما يشمل:

  • خدمات الإسعاف البري: من خلال شبكة واسعة من سيارات الإسعاف المجهزة بأحدث المعدات الطبية، والموزعة على مراكز الإسعاف في المناطق والمحافظات والمدن.
  • خدمات الإسعاف الجوي: عبر طائرات الهليكوبتر الإسعافية المخصصة لنقل الحالات الحرجة في المناطق النائية أو في الحالات التي يتعذر فيها النقل البري.
  • المشاركة في إدارة الكوارث: حيث يُشكّل الهلال الأحمر جزءاً محورياً من منظومة إدارة الكوارث والطوارئ على المستوى الوطني.

يمتلك الهلال الأحمر السعودي شبكة من مراكز الإسعاف تمتد على امتداد المملكة، وتتوزع على جميع المناطق الإدارية الثلاث عشرة. وتُشير الإحصاءات إلى أن الهيئة تُسيّر آلاف المركبات الإسعافية، وتضم في صفوفها عشرات الآلاف من العاملين والمتطوعين المدربين.

وزارة الصحة وأقسام الطوارئ

تُشكّل أقسام الطوارئ في مستشفيات وزارة الصحة المكوّن الثاني الرئيسي في منظومة الاستجابة للطوارئ. تعمل هذه الأقسام كنقاط استقبال للحالات الطارئة القادمة سواء بوسائلها الخاصة أو عبر سيارات الإسعاف، وتضم كوادر طبية متخصصة وتجهيزات متقدمة تُمكّنها من التعامل مع أشد الحالات تعقيداً. وقد استثمرت وزارة الصحة بشكل كبير في تطوير أقسام الطوارئ، ورفع مستوى جاهزيتها، وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة.

الدفاع المدني

يضطلع الدفاع المدني بدور محوري في منظومة الطوارئ الوطنية، ولا سيما في ما يتعلق بالحرائق والإنقاذ والكوارث الطبيعية. تمتلك قوات الدفاع المدني قدرات إسعافية معتبرة، وتُنسّق عملها بشكل وثيق مع الهلال الأحمر السعودي والجهات الصحية الأخرى. ويُشكّل الدفاع المدني مع الهلال الأحمر والجهات الأمنية منظومة متكاملة تتولى إدارة مشاهد الطوارئ الكبرى.

المستشفيات الخاصة وخدمات الطوارئ

إلى جانب المنظومة الحكومية، تلعب المستشفيات الخاصة والمجمعات الطبية دوراً متنامياً في تقديم خدمات الطوارئ، خاصة في المدن الكبرى. بعض هذه المستشفيات تمتلك أسطولها من سيارات الإسعاف الخاصة، فضلاً عن أقسام طوارئ على مستوى عالٍ من التجهيز والكفاءة. ويُسهم هذا القطاع الخاص في تخفيف الضغط عن المنظومة الحكومية، وتوفير خيارات إضافية للمواطنين والمقيمين.

ثالثاً: رقم الطوارئ الموحد 911

الإطلاق والأهمية

يُعدّ إطلاق رقم الطوارئ الموحد 911 في المملكة العربية السعودية نقلة نوعية في مسيرة تطوير خدمات الطوارئ. قبل توحيد هذا الرقم، كان المواطنون والمقيمون يتعاملون مع أرقام متعددة ومتشعبة للوصول إلى خدمات الطوارئ المختلفة، مما أربك التواصل في اللحظات الحرجة وأفضى أحياناً إلى تأخير الاستجابة. وقد جاء توحيد رقم الطوارئ 911 ليُبسّط هذه العملية ويجعلها أكثر سهولة وفاعلية.

آلية عمل مراكز الاتصال

تعمل مراكز اتصال الطوارئ 911 على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وتستقبل المكالمات من مختلف أنحاء المملكة. تعتمد هذه المراكز على تقنيات حديثة لتحديد موقع المتصل، وتصنيف الحالات حسب الأولوية، وتوجيه الجهات المعنية سواء كانت الهلال الأحمر أو الدفاع المدني أو الشرطة أو غيرها. ويُديرها كوادر مدربة على التعامل مع الضغط النفسي، وتقديم التوجيهات الأولية للمتصلين في انتظار وصول فرق الإسعاف.

رابعاً: البنية التحتية والتجهيزات

أسطول المركبات الإسعافية

تمتلك المملكة العربية السعودية أسطولاً ضخماً من سيارات الإسعاف المجهزة بأحدث المعدات الطبية. تُصنَّف هذه المركبات عادةً وفق مستوى التجهيز الطبي ودرجة تدريب الطاقم، وهو تصنيف يتماشى مع المعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال. تشمل هذه المركبات:

  • سيارات الإسعاف الأساسية (BLS – Basic Life Support): مزودة بمعدات الإسعاف الأساسية، ومُخصصة للحالات غير الحرجة.
  • سيارات الإسعاف المتقدمة (ALS – Advanced Life Support): مجهزة بمعدات متطورة كأجهزة مراقبة القلب وأجهزة التنفس الاصطناعي، ويُشغّلها مسعفون من مستوى تدريبي عالٍ.
  • وحدات العناية المركزة المتنقلة: المخصصة لنقل المرضى الحرجين بين المستشفيات بمستوى رعاية موازٍ للعناية المركزة التقليدية.

الإسعاف الجوي

يُعدّ الإسعاف الجوي من أبرز الإضافات التي عزّزت كفاءة منظومة الطوارئ السعودية، خاصة في ظل المساحة الجغرافية الشاسعة للمملكة. تُستخدم طائرات الهليكوبتر الإسعافية للوصول إلى مناطق يصعب بلوغها برياً، أو في حالات تستوجب إيصال المريض إلى المستشفى في أقصر وقت ممكن. كما تُستعان بالطائرات الطبية الثابتة الجناح لنقل الحالات بين المدن أو حتى خارج المملكة للعلاج في الخارج عند الضرورة.

مراكز الإسعاف والتوزيع الجغرافي

تتوزع مراكز الإسعاف على جميع أرجاء المملكة بما يشمل المناطق النائية والحدودية. وقد حرصت الجهات المعنية على توزيع هذه المراكز بصورة تضمن تغطية جغرافية مناسبة وتُقلّص زمن الاستجابة قدر الإمكان. وتُشير المعطيات إلى جهود متواصلة لتقليص الزمن الفاصل بين تلقّي البلاغ وصول فريق الإسعاف إلى موقع الحادثة.

خامساً: الكوادر البشرية والتدريب

المسعفون وتصنيفاتهم

تُعدّ الكوادر البشرية المدرّبة العمود الفقري لمنظومة الطوارئ الفاعلة. في المملكة العربية السعودية، يُصنَّف المسعفون وفق مستويات تدريبية متعددة، تتراوح بين المسعف الأول الذي يمتلك مهارات الإسعاف الأساسية، وصولاً إلى المسعف المتقدم الذي يُجيد إجراء تدخلات طبية معقدة في الموقع. وتتولى جهات عدة تدريب هؤلاء الكوادر، في مقدمتها:

  • الهلال الأحمر السعودي: الذي يمتلك مراكز تدريبية متخصصة تُقدم برامج تدريبية معتمدة محلياً ودولياً.
  • الكليات والمعاهد الصحية: التي تُقدم برامج أكاديمية متخصصة في العناية الطارئة والإسعاف، تُفضي إلى شهادات جامعية معترف بها.
  • التدريب الميداني: الذي يُكمّل الجانب النظري ويُكسب المسعفين الخبرة العملية اللازمة للتعامل مع الواقع المتغير.

سعودة خدمات الإسعاف

في سياق رؤية 2030 وتوجهاتها نحو رفع نسب التوطين في مختلف القطاعات، أولت الجهات المعنية اهتماماً بالغاً بتأهيل الكوادر السعودية في مجال الإسعاف والطوارئ. وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المسعفين السعوديين الذكور والإناث، وهو توجه يعكس قناعة راسخة بأن الاعتماد على الكفاءات الوطنية أمر لا غنى عنه لضمان استدامة هذه الخدمات وتطورها.

دور المتطوعين

لا يمكن الحديث عن منظومة الطوارئ السعودية دون الإشارة إلى دور المتطوعين الذين يُشكّلون رافداً مهماً يُعزز قدرات المنظومة. يضم الهلال الأحمر السعودي في صفوفه آلاف المتطوعين الذين يخضعون لبرامج تدريبية خاصة، ويُسهمون في تقديم الخدمات الإسعافية خاصة في المناسبات الكبرى والتجمعات الجماهيرية والكوارث.

سادساً: الطوارئ في موسم الحج والعمرة

التحدي الاستثنائي

تواجه المملكة العربية السعودية تحدياً استثنائياً لا مثيل له في العالم، يتمثل في إدارة خدمات الطوارئ والإسعاف خلال موسم الحج، حين تستقبل المشاعر المقدسة ما يزيد على مليوني حاج يتمركزون في رقعة جغرافية محدودة خلال أيام معدودة. هذا التجمع البشري الهائل، الذي يضم أفراداً من مختلف الأعمار والحالات الصحية وأكثر من مئة وثمانين جنسية، يُفرز ضغطاً هائلاً على منظومة الطوارئ.

الاستعداد والتخطيط

تبدأ استعدادات الطوارئ لموسم الحج قبل أشهر، وتشمل:

  • تعزيز الأسطول الإسعافي: بنشر مئات سيارات الإسعاف الإضافية في المشاعر المقدسة ومداخلها.
  • نشر الكوادر الطبية والإسعافية: بتعيين آلاف المسعفين والأطباء والممرضين في نقاط الإسناد المنتشرة على امتداد مسار الحاج.
  • إنشاء المستشفيات الميدانية: التي تُقدم خدمات طبية متكاملة دون الحاجة إلى نقل الحالات البسيطة والمتوسطة إلى المستشفيات الدائمة.
  • التنسيق متعدد الجهات: بين الهلال الأحمر ووزارة الصحة والدفاع المدني والجهات الأمنية وبعثات الحج الأجنبية.

الإصابات الشائعة وبروتوكولات التعامل

تتصدر ضربات الشمس والإجهاد الحراري قائمة الحالات الطارئة خلال موسم الحج، إذ تتزامن مناسك الحج في الغالب مع درجات حرارة مرتفعة جداً في مكة المكرمة. وقد طورت الجهات الصحية بروتوكولات خاصة للتعامل مع هذه الحالات، تشمل محطات التبريد المنتشرة على طول مسار الحاج، وخطط الإخلاء السريع عند وقوع حالات إجهاد حراري جماعي. فضلاً عن ذلك، تُعامَل حالات أمراض القلب والجلطات والإصابات الحركية وفق بروتوكولات دقيقة تضمن سرعة الاستجابة وحسن التدبير.

سابعاً: التقنية والابتكار في خدمات الطوارئ

أنظمة الإرسال والتتبع

يُمثّل توظيف التقنية في منظومة الطوارئ محوراً أساسياً في مسيرة التطوير. تعتمد مراكز الإسعاف السعودية على أنظمة إلكترونية متطورة لاستقبال البلاغات وتوزيعها وتتبع المركبات الإسعافية وإدارة الموارد البشرية والمادية. تُتيح هذه الأنظمة للمشغّلين رؤية شاملة للأسطول الإسعافي ومواقع مركباته في الوقت الحقيقي، مما يمكّن من اختيار أقرب مركبة متاحة لأي بلاغ وتوجيهها بكفاءة.

التطبيقات الذكية والتقنيات الرقمية

في إطار التحول الرقمي الشامل الذي تشهده المملكة، أطلقت جهات الطوارئ تطبيقات ذكية تُسهّل على المواطنين والمقيمين التواصل مع الخدمات الطارئة وتحديد مواقعهم بدقة. بعض هذه التطبيقات يتضمن ميزات متقدمة كإرسال الموقع الجغرافي تلقائياً عند الاتصال بخدمات الطوارئ، وتقديم إرشادات الإسعاف الأولي للمتصل ريثما يصل فريق الإسعاف.

الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات

بدأت منظومة الطوارئ السعودية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في تحسين التوزيع الجغرافي لمراكز الإسعاف، والتنبؤ بمواطن الحوادث والضغط، وتحسين مسارات استجابة المركبات الإسعافية. هذه التوجهات تُبشّر بمستقبل أكثر كفاءة وعلمية في إدارة الطوارئ.

ثامناً: الطوارئ وحوادث المرور

حجم المشكلة

تُعدّ حوادث المرور من أبرز محركات الطلب على خدمات الطوارئ في المملكة العربية السعودية. على مدى سنوات طويلة، سجّلت المملكة معدلات مرتفعة من حوادث المرور وضحاياها، ما شكّل عبئاً كبيراً على منظومة الطوارئ، ودفع الجهات المعنية إلى تطوير استجابة خاصة لحوادث الطرق.

بروتوكولات الاستجابة لحوادث الطرق

طوّرت خدمات الطوارئ السعودية بروتوكولات متخصصة للاستجابة لحوادث المرور، تشمل التنسيق الفوري بين فرق الإسعاف وفرق الإنقاذ في الدفاع المدني والشرطة لضمان تأمين موقع الحادثة، واستخراج المصابين من المركبات، وتقديم الإسعاف الأولي، ونقل المصابين إلى أقرب مستشفى مناسب وفق درجة الإصابة. وقد أسهمت هذه البروتوكولات إلى جانب جهود التوعية المرورية في تحسين ملحوظ لمؤشرات الوفيات المرورية في السنوات الأخيرة.

تاسعاً: الطوارئ وإدارة الكوارث

الإطار الوطني لإدارة الكوارث

تنتظم خدمات الطوارئ في المملكة ضمن إطار وطني أشمل لإدارة الكوارث والطوارئ، تتشارك فيه جهات حكومية متعددة تحت مظلة تنسيقية واحدة. يهدف هذا الإطار إلى ضمان استجابة منسجمة وفعّالة في مواجهة الكوارث الطبيعية كالفيضانات التي تضرب بعض مناطق المملكة، والحرائق الكبرى، والحوادث الصناعية وغيرها.

الشراكات الدولية

تُدرك المملكة العربية السعودية أن إدارة الطوارئ والكوارث تحتاج إلى تعاون دولي وتبادل للخبرات. من هذا المنطلق، طوّرت الجهات المعنية شراكات مع منظمات دولية متخصصة في الإغاثة وإدارة الطوارئ، وأرسلت بعثات لاكتساب الخبرات من أنظمة متقدمة في الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية. كما استضافت المملكة مؤتمرات وورش عمل دولية لتبادل أفضل الممارسات في هذا المجال.

عاشراً: الإسعاف الأولي وثقافة المجتمع

برامج توعية الإسعاف الأولي

لا تقتصر منظومة الطوارئ الفعّالة على الجهات الرسمية وحدها، بل تمتد لتشمل أفراد المجتمع القادرين على تقديم الإسعاف الأولي في لحظات الحاجة. وقد بذل الهلال الأحمر السعودي وجهات أخرى جهوداً واسعة لنشر ثقافة الإسعاف الأولي في المجتمع، من خلال دورات الإسعاف الأولي المفتوحة للعموم، والبرامج المدرسية التي تُعلّم الطلاب مبادئ الإسعاف الأولي، ومبادرات التدريب في بيئات العمل.

الإنعاش القلبي الرئوي ومبادرات القلب

تُولي خدمات الطوارئ السعودية اهتماماً خاصاً بنشر مهارات الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) بين أفراد المجتمع، إيماناً بأن المنقذ الأول في حالات توقف القلب المفاجئ هو الشخص الموجود في المكان قبل وصول فريق الإسعاف. وقد أسهمت حملات التدريب الواسعة في رفع مستوى الوعي بأهمية هذه المهارة وانتشار معرفتها في المجتمع.

حادي عشر: التحديات والعقبات

التحديات الجغرافية

تُشكّل المساحة الجغرافية الشاسعة للمملكة العربية السعودية (أكثر من مليوني كيلومتر مربع) تحدياً جوهرياً أمام تقديم خدمات الطوارئ بالمستوى المطلوب في كل ربوع المملكة. المناطق النائية والبعيدة عن المدن تُعاني في الغالب من صعوبة الوصول وطول زمن الاستجابة، وهو واقع يتطلب حلولاً إبداعية كالإسعاف الجوي وتعزيز الخدمات الطبية في المناطق النائية.

الضغط على الخدمات في المدن الكبرى

في المقابل، تواجه مراكز الإسعاف في المدن الكبرى كالرياض وجدة والدمام ضغطاً هائلاً جراء الكثافة السكانية المرتفعة وضخامة الحركة المرورية. ويُفضي ازدحام الطرق أحياناً إلى تأخير وصول سيارات الإسعاف، مما يستدعي حلولاً تقنية وتشريعية لضمان أولوية المرور لمركبات الطوارئ.

الفجوة بين التوقعات والواقع

ترتفع توقعات المجتمع تجاه خدمات الطوارئ مع ارتفاع مستوى الوعي ومستوى المعيشة، مما يضع الجهات المقدمة لهذه الخدمات أمام سقف توقعات متصاعد. التعامل مع هذه الفجوة بين ما هو متاح وما هو متوقع يُعدّ تحدياً مستمراً يستلزم مزيداً من الاستثمار والتطوير.

ثاني عشر: المستجدات في إطار رؤية 2030

الصحة ضمن ركائز رؤية 2030

تضع رؤية المملكة 2030 الصحةَ في مقدمة أولوياتها، مع تركيز خاص على رفع جودة الخدمات الصحية وكفاءتها، بما تشمله من خدمات الطوارئ والإسعاف. وقد جاءت برامج الإصلاح الصحي ضمن الرؤية بحزمة من الإجراءات الهادفة إلى إعادة هيكلة المنظومة الصحية وتطويرها، بما فيها رفع مستوى خدمات الطوارئ وتوسيع نطاق تغطيتها وتقليص زمن استجابتها.

مشاريع التطوير والاستثمار

في سياق رؤية 2030، شهدت خدمات الطوارئ والإسعاف استثمارات معتبرة في تجديد الأسطول الإسعافي، وتطوير مراكز الإسعاف، والارتقاء ببرامج التدريب، وتطوير الأنظمة التقنية المستخدمة. كما أُطلقت مبادرات لتطوير الكوارد البشرية الوطنية في هذا المجال، وتحسين مستوى التنسيق بين الجهات المختلفة.

ثالث عشر: مقارنة مع المعايير الدولية

معيار زمن الاستجابة

يُعدّ زمن الاستجابة (Response Time) أحد أهم مؤشرات قياس كفاءة خدمات الطوارئ دولياً. تُحدد معظم المعايير الدولية ثماني دقائق كحدٍّ أقصى للاستجابة في الحالات الحرجة داخل المناطق الحضرية. وتسعى المملكة العربية السعودية بشكل متواصل للاقتراب من هذا المعيار أو تجاوزه في المناطق الحضرية، مع العمل المستمر على تحسين الأداء في المناطق الريفية والنائية.

الاعتماد الدولي

حصلت عدد من مرافق الرعاية الطارئة السعودية على اعتمادات دولية مرموقة، كاعتماد اللجنة المشتركة الدولية (JCI) لعدد من المستشفيات التي تشمل أقسام طوارئ عالية المستوى. ويُعكس ذلك على مستوى الرعاية المقدمة وفق المعايير الطبية الدولية المعتمدة.

خاتمة

قطعت خدمات الطوارئ والإسعاف في المملكة العربية السعودية شوطاً بعيداً في مسيرة تطورها وارتقائها، منتقلةً من الخدمات البدائية المحدودة التي سادت في بدايات الدولة السعودية الحديثة، إلى منظومة متكاملة تجمع بين الكفاءة المؤسسية، والتقنيات الحديثة، والكوادر المؤهلة، والبنية التحتية المتطورة.

غير أن الوصول إلى مستوى الخدمات الطارئة في الدول الأكثر تقدماً لا يزال يستلزم مزيداً من العمل والاستثمار والتطوير، لا سيما في ما يخص تقليص زمن الاستجابة في كل أرجاء المملكة، وتوحيد مستوى الخدمات بين المدن والأرياف، وتعميق ثقافة الإسعاف الأولي في المجتمع، وتوظيف التقنية الحديثة بصورة أوسع في إدارة منظومة الطوارئ.

ولا شك أن الإرادة الحكومية الراسخة، المُجسَّدة في توجهات رؤية 2030 وما رافقها من استثمارات ومبادرات، تُبشّر بمستقبل أكثر إشراقاً لخدمات الطوارئ والإسعاف في المملكة، مستقبلٍ تكون فيه هذه الخدمات في مصاف الأفضل إقليمياً وعالمياً، لتُسهم في صون الأرواح وتعزيز سلامة المجتمع الذي تخدمه.