دليل العيون الحارة في الليث: كنوز طبيعية وفوائد علاجية لا تُحصى
دليل العيون الحارة في الليث: كنوز طبيعية وفوائد علاجية لا تُحصى
دليل العيون الحارة في الليث: كنوز طبيعية وفوائد علاجية لا تُحصى
حيث تلتقي الأرض بالنعمة
في قلب الحجاز، على الشريط الساحلي المطل على البحر الأحمر، تكمن محافظة الليث بجمالها الأخاذ وثرواتها الطبيعية المتنوعة. وبين أبرز ما تزخر به هذه المحافظة المباركة، تبرز العيون الحارة الطبيعية كدرّة نفيسة تُغري الزوار من كل حدب وصوب، إذ تجمع بين روعة الطبيعة وخصائص علاجية توارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل. فمنذ القِدَم، كان أهل هذه الأرض الطيبة يعرفون سرَّ هذه المياه المتدفقة من أحشاء الأرض، ويستثمرونها في شفاء أجسادهم وراحة نفوسهم.
تقع محافظة الليث في منطقة مكة المكرمة، وتبعد عن جدة نحو مئتي كيلومتر جنوبًا، وتتميز بتضاريس متنوعة بين جبال شاهقة وسهول ساحلية فسيحة ووديان خضراء. وفي هذا المشهد الطبيعي الفريد، تتفجر العيون الحارة من بين صخور الجبال وشقوق الوديان، حاملةً معها ما أذابته من معادن نفيسة على مدى رحلتها الطويلة في باطن الأرض. وقد أضفت هذه العيون على الليث طابعًا خاصًا جعلها وجهةً سياحيةً وعلاجيةً لا مثيل لها في المنطقة.
في هذا الدليل الشامل، نأخذكم في جولة معرفية متكاملة عبر عالم العيون الحارة في الليث؛ من أبرز مواقعها وكيفية الوصول إليها، إلى ما تكتنزه من فوائد علاجية موثقة علميًا، مرورًا بالتاريخ العريق لاستخدام هذه الهبة الربانية، وصولًا إلى إرشادات عملية تجعل تجربتكم أكثر أمانًا وفائدة.
أولًا: الجغرافيا والتكوين الجيولوجي للعيون الحارة في الليث
طبيعة الأرض وسر النشأة
لفهم سر العيون الحارة في الليث، لا بد أن نغوص قليلًا في طبيعة التكوين الجيولوجي لهذه المنطقة. تقع الليث ضمن نطاق الدرع العربي، وهو من أقدم التكوينات الجيولوجية في الجزيرة العربية، ويتميز بغنى طبقاته بالصخور النارية والمتحولة التي تحتوي على نسب عالية من المعادن المتنوعة. وحين تتسلل مياه الأمطار إلى باطن الأرض عبر الشقوق والصدوع، فإنها تتعرض للحرارة الجوفية التي ترفع درجة حرارتها، ثم تعود إلى السطح محملةً بكل ما أذابته من تلك الطبقات الغنية بالمعادن.
تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن المنطقة تمتلك نشاطًا حراريًا جوفيًا ملحوظًا، وهو ما يفسر وفرة العيون الحارة فيها ومداومة تدفقها على مدار السنة. وقد أسهم التنوع الصخري في المنطقة في تنوع التركيب الكيميائي لهذه العيون من موقع لآخر، مما أعطى كل عين منها خصائصها الفريدة وفوائدها المتميزة.
الموقع والوصول إلى العيون الحارة
تتوزع العيون الحارة في الليث على عدة مواقع، أبرزها في المناطق الجبلية الداخلية، وتحديدًا في الوديان المتفرعة من جبال الحجاز. ويصل الزوار إليها عادةً عبر الطريق الرئيسي الرابط بين جدة والليث، ثم ينعطفون باتجاه مسالك جبلية قد تتطلب سيارات ذات دفع رباعي في بعض المواقع. وعلى الرغم من أن الحكومة المحلية قد عملت على تطوير الطرق المؤدية إلى بعض هذه العيون، فإن جانبًا من سحرها يكمن في طبيعتها البكر والبعيدة نسبيًا عن صخب المدن.
ثانيًا: أبرز العيون الحارة في منطقة الليث
عين الليث الكبرى
تُعدّ عين الليث الكبرى من أشهر العيون في المنطقة وأكثرها زيارةً، وتتميز بتدفق مياهها الغزير طوال العام. تبلغ درجة حرارة مياهها نحو خمس وأربعين درجة مئوية، مما يجعلها مثاليةً للاستحمام والاستجمام. يُعمّر في محيطها نبات الغار والأعشاب البرية العطرية، مما يُضفي على المكان أجواءً نقيةً وطيبة الرائحة. وقد اشتُهرت هذه العين تاريخيًا بفوائدها في علاج أمراض الجلد، ويتوافد إليها أهل المنطقة ومن الولايات المجاورة طلبًا للشفاء والاستشفاء.
عين وادي الصياد
على بعد بضعة كيلومترات من مركز الليث، يتفرع وادٍ أخضر تخترقه عين حارة تُعرف بعين وادي الصياد، تتميز مياهها باللون الأبيض المائل إلى الشفافية، وبارتفاع تركيز الكبريت فيها. وقد برعت هذه العين بالذات في سمعتها العلاجية لأمراض المفاصل والروماتيزم، إذ يُقيم بعض الزوار في محيطها لأيام عدة للاستفادة القصوى من مياهها المعدنية الثرية.
عيون الجبل الأحمر
في الجزء الشرقي من محافظة الليث، وتحديدًا في تلال تُعرف محليًا بالجبل الأحمر نسبةً إلى لون تربتها المحمرة الغنية بأكسيد الحديد، تنبثق عدة عيون حارة متفرقة تشكل في مجموعها منتجعًا طبيعيًا فريدًا. درجة حرارتها أعلى نسبيًا من غيرها، إذ تتراوح بين الخمسين والخمس والخمسين درجة مئوية، وهي غنية بمعادن الحديد والمنغنيز. يعتقد السكان المحليون أن مياهها نافعة بشكل خاص لمشكلات الدم وفقر الدم، ويستخدمونها كذلك لتقوية جهاز المناعة.
عين القاع
عين القاع هي من العيون الهادئة الصغيرة الحجم، غير أنها تتميز باتزان درجة حرارتها على مدار السنة عند نحو ثمانٍ وثلاثين درجة مئوية، وهو ما يقترب من درجة حرارة جسم الإنسان، مما يجعلها آمنةً ومريحةً للغاية. يُفضّل كثيرون هذه العين لهدوئها وطبيعتها البكر، ولا سيما في فصل الشتاء حين تُشكّل مصدر دفء طبيعيًا لا يُضاهى.
ثالثًا: التركيب الكيميائي للعيون الحارة ودلالاته العلاجية
المعادن الرئيسية وتأثيراتها
تحتوي مياه العيون الحارة في الليث على طيف واسع من المعادن والعناصر الكيميائية، يمكن إجمالها فيما يلي:
الكبريت والمركبات الكبريتية: يُعدّ الكبريت من أبرز المكونات في كثير من العيون الحارة في المنطقة، وهو المسؤول عن الرائحة المميزة التي قد تبدو في البداية غير مستساغة، لكنها دليل على الغنى المعدني للمياه. للكبريت خصائص مضادة للبكتيريا والفطريات، وهو يُعزز نشاط الكبد ويدعم وظائف المفاصل ويُلطّف الالتهابات.
الكالسيوم والمغنيسيوم: وهما معدنان أساسيان لصحة العظام والعضلات، ويُسهمان في تنظيم ضغط الدم وتحسين وظيفة الجهاز العصبي. تركيزهما المرتفع في هذه المياه يجعلها مغذيةً للجلد حين يمتص بشكل مباشر من خلال الاستحمام.
الصوديوم والبوتاسيوم: إلى جانب دورهما في التوازن الكهروليتي للجسم، يُساعدان على استرخاء العضلات وتقليل التشنجات، وهو ما يجعل الاستحمام في هذه المياه المالحة تجربةً مريحةً عضليًا بشكل لافت.
الحديد والمنغنيز: وهما من العناصر النادرة التي تُعزز إنتاج كريات الدم الحمراء وتُنشط عمليات الأيض في الجسم. وجودهما بنسب معتدلة في بعض العيون يجعلها صالحةً لعلاج بعض أشكال فقر الدم التغذوي.
السيليكا: عنصر يُعزز مرونة الجلد ويُقوّي الشعر والأظافر، وكثيرًا ما يُلاحظ الزوار نعومة جلدهم وبريقه بعد الاستحمام في مياه العيون الغنية بهذا العنصر.
البيكربونات: وهي المسؤولة عن مستوى القلوية في الماء، وتُساعد على موازنة حموضة الجسم وتقليل التهابات الجهاز الهضمي حين تُشرب بكميات معتدلة تحت إشراف طبي.
رابعًا: الفوائد العلاجية الموثقة للعيون الحارة
1. أمراض الجلد وصحة البشرة
ربما تكون الفوائد الجلدية للعيون الحارة هي الأكثر انتشارًا في المعرفة الشعبية والأوساط الطبية على حد سواء. المياه الكبريتية تحديدًا تُعدّ من أفضل العلاجات الطبيعية لمجموعة من الأمراض الجلدية المستعصية، في مقدمتها:
الصدفية: وهي حالة جلدية مزمنة تتسم بتراكم الخلايا الجلدية وتكوين بقع حمراء مغطاة بقشور فضية. المياه الكبريتية الحارة تُقلل من معدل تجدد الخلايا المفرط، وتُخفف الالتهاب، وتُليّن القشور. وقد أثبتت العديد من الدراسات الأوروبية فعالية العلاج الحراري بالمياه المعدنية في تحسين أعراض الصدفية.
الأكزيما والتهاب الجلد التأتبي: تتسم هذه الحالات بالحكة الشديدة والجلد الجاف المتشقق. المياه المعدنية الحارة تُعيد توازن الرطوبة للجلد، وتُقلل الالتهاب، وخصائصها المضادة للبكتيريا تُحدّ من التلوث الثانوي الذي كثيرًا ما يُعقّد هذه الحالات.
حب الشباب والبثور: الكبريت المذاب في الماء له تأثير مباشر على البكتيريا المسببة لحب الشباب، فضلًا عن كونه يُنظف المسام ويُزيل الدهون الزائدة. وكثير من الزوار يُفيدون بتحسن ملحوظ في بشرتهم بعد استحمامات منتظمة في هذه المياه.
الجروح المزمنة وقرحة الساق: الخصائص المضادة للميكروبات مقترنةً بالتحفيز الدوري للدورة الدموية تجعل الاستحمام المائي الحار مفيدًا في تسريع التئام بعض الجروح المزمنة، وإن كان ذلك يستوجب دائمًا الرجوع إلى الطبيب المختص.
2. أمراض العظام والمفاصل
يأتي كثير من الزوار إلى عيون الليث الحارة بشكل خاص بسبب مشكلات في المفاصل والعظام، وقد أثبت الطب التقليدي والحديث على حد سواء أن المياه الحارة المعدنية تُفيد في:
التهاب المفاصل الروماتويدي: وهو مرض مناعي يُهاجم فيه الجهاز المناعي مفاصل الجسم، مسببًا ألمًا وتورمًا وتصلبًا. الحرارة تُخفف التشنج العضلي، والمعادن تُقلل الالتهاب، وخاصية الطفو في الماء تُخفف الضغط عن المفاصل المتآكلة.
الفصال العظمي أو هشاشة الغضاريف: وهي الصورة الأكثر شيوعًا من أمراض المفاصل، حيث يتآكل الغضروف المبطن للمفاصل. الاستحمام المائي الحار يُحسّن دوران السائل الزلالي داخل المفصل، ويُقلل الألم، ويُعيد جزءًا من المرونة المفقودة.
آلام الظهر والرقبة: سواء كانت ناجمة عن انزلاق غضروفي أو توتر عضلي مزمن أو تشنجات فقرية، فإن الحرارة المعتدلة مع الضغط الهيدروستاتيكي للماء وتأثيره التدليكي يُريحان الأعصاب المضغوطة ويُرخيان العضلات المتشنجة.
النقرس: هذا المرض المؤلم الناجم عن تراكم بلورات حمض البوليك في المفاصل يستجيب بشكل إيجابي لبعض أنواع المياه المعدنية القلوية التي تُساعد على تفكيك هذه البلورات.
3. الجهاز العصبي والصحة النفسية
في عالم تزداد فيه الضغوط النفسية وحالات الإجهاد المزمن، تُقدم العيون الحارة علاجًا طبيعيًا ناجعًا يجمع بين تأثيرات جسدية وعقلية متكاملة:
تخفيف القلق والتوتر: الحرارة المعتدلة تُنشط إطلاق هرمون السيروتونين في الدماغ، وهو الهرمون المعروف بتأثيره في تعزيز السعادة وتخفيف القلق. كما أن المغنيسيوم الذي يُمتص عبر الجلد له دور موثق في تهدئة الجهاز العصبي.
الأرق واضطرابات النوم: الاستحمام في مياه حارة قبيل النوم يُحفز انخفاض درجة حرارة الجسم عند الخروج منها، وهذا التحول المفاجئ يُشير للجهاز العصبي بأن الوقت مناسب للنوم، مما يُحسن جودة النوم ومدته.
الاكتئاب الخفيف: التعرض للطبيعة مقترنًا بالتأثيرات الكيميائية للمعادن والحرارة يُشكل بيئةً شافيةً للحالات الاكتئابية الخفيفة، إذ يُعيد للروح توازنها ويهب الجسم نشاطًا منعشًا.
الصداع النصفي: بعض أنواع الصداع الناجمة عن توتر عضلات الرقبة والكتفين تستجيب بشكل لافت للاستحمام المائي الحار الذي يُرخي هذه العضلات ويُحسن تدفق الدم إلى الرأس.
4. الجهاز التنفسي
المياه الحارة الكبريتية تُصدر بخارًا غنيًا بالجزيئات الكبريتية الصغيرة التي تخترق الجهاز التنفسي حين يُستنشق:
التهاب الشعب الهوائية المزمن: البخار الكبريتي الساخن يُرطب الممرات الهوائية ويُسهّل إخراج المخاط المتراكم، مما يُخفف ضيق التنفس والسعال المزمن.
الربو والحساسية التنفسية: حين يكون الهواء في محيط العيون نقيًا وغنيًا بأيونات سالبة الشحنة، فإنه يُعزز قدرة الشعب الهوائية على التوسع ويُقلل من حدة نوبات الربو.
التهابات الجيوب الأنفية: الاستنشاق المباشر للبخار المعدني يُساعد على فتح مجاري الأنف والجيوب الأنفية وتخفيف احتقانها، وهو ما يُجربه كثيرون بأنفسهم بمجرد اقترابهم من هذه العيون.
5. صحة الدورة الدموية والقلب
تُحسّن الحمامات الحارة الدورة الدموية بشكل ملحوظ عبر توسيع الأوعية الدموية، وهذا ما يترتب عليه:
تحسين وصول الأكسجين والمواد الغذائية إلى الأنسجة، وتسريع التخلص من الفضلات الخلوية، وتعزيز صحة البطانة الداخلية للأوعية الدموية. كما أن الضغط الهيدروستاتيكي للماء يُعزز العودة الوريدية نحو القلب، مما يُقلل من الانتفاخات الوريدية في الساقين لدى المصابين بالدوالي.
6. الجهاز الهضمي
للاستحمام الخارجي وكذلك لشرب بعض أنواع هذه المياه بإشراف طبي فوائد متعددة للجهاز الهضمي، أبرزها تنظيم حركة الأمعاء وتخفيف الإمساك المزمن، فضلًا عن تهدئة التشنجات والقولون العصبي.
خامسًا: الاستخدامات التاريخية والموروث الشعبي
حكمة الأجداد في استثمار هذه الثروة
لم تكن العيون الحارة في الليث وليدة الاكتشاف الحديث، بل إن سجل استخدامها يمتد عبر قرون طويلة. كان أهل المنطقة قديمًا يُسمّون هذه العيون “المياه المباركة”، ويُؤمنون بقدرتها الشفائية إيمانًا راسخًا مستمدًا من تجارب عملية تراكمت عبر الأجيال. وكانوا يُحددون أوقاتًا مخصصةً للاستحمام الشفائي، ويتبعون آدابًا خاصةً للاستفادة من هذه المياه، بما في ذلك مدة الجلسة وطريقة الوضوء والحمية الغذائية المصاحبة.
من أبرز الاستخدامات التقليدية التي يحفظها الذاكرة الجماعية في المنطقة: أن النساء بعد الولادة كنّ يُخصصن لهن جلسات في هذه العيون لتسريع التعافي وتقوية عضلات الحوض وتحسين المزاج. وأن المصابين بآلام الظهر والمفاصل كانوا يرحلون لمسافات طويلة للوصول إلى هذه العيون، مع ما يُصاحب ذلك من التزامات روحية ودعوات بالشفاء.
الأحكام الدينية والقيم الأخلاقية في الاستخدام
في الموروث الإسلامي، ثمة توجيهات عامة تحثّ على الاستفادة من نِعَم الله في الأرض، والمياه الشافية منها بامتياز. وقد وثّق العلماء المسلمون الأوائل فوائد الحمامات الحارة في مؤلفاتهم الطبية، من أبرزها مؤلفات ابن سينا في القانون في الطب، حيث أولى الحمامات والمياه المعدنية مكانةً بارزةً في خطط علاجية متكاملة. وفي سياق الليث تحديدًا، كان العلماء المحليون يُفتون في آداب استخدام هذه العيون بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية من مراعاة الستر واجتناب الاختلاط وسائر الضوابط المرعية.
سادسًا: الجوانب العلمية الحديثة والأبحاث المعاصرة
ما قاله العلم في العلاج المائي الحراري
العلاج بالمياه المعدنية الحارة أو ما يُعرف علميًا بـ Balneotherapy لا يزال موضوعًا حيويًا في الأبحاث الطبية المعاصرة، وقد أسفرت دراسات عديدة نُشرت في مجلات طبية محكّمة عن نتائج لافتة. فقد وجدت دراسة أجرتها جامعة إيطالية عام ألفين وخمسة عشر أن ثمانية من كل عشرة مرضى يُعانون من التهاب المفاصل الروماتويدي لاحظوا تحسنًا ملموسًا بعد دورة علاجية منتظمة في مياه حارة كبريتية. وأثبتت دراسات أخرى أن الاستحمام المنتظم في مياه معدنية يُقلل من مؤشرات الالتهاب في الدم، ويُخفض مستويات الكورتيزول، وهو هرمون التوتر.
ما يجعل عيون الليث بالتحديد موضوعًا جديرًا بالدراسة هو تنوع تركيبها المعدني وارتفاع درجات حرارتها التي توفر عوامل علاجية متكاملة في موقع واحد. وقد أبدى بعض الباحثين في جامعة الملك عبدالعزيز والمؤسسات العلمية المحلية اهتمامًا بتوثيق خصائص هذه العيون وتحليلها كيميائيًا، وإن كانت الدراسات المنشورة في هذا الصدد لا تزال في طور النمو وبحاجة إلى مزيد من الاهتمام والتمويل.
سابعًا: إرشادات الأمان والاستخدام الصحيح
من ينبغي الحذر أو الامتناع
على الرغم من الفوائد الكثيرة، فإن هذه العيون ليست مناسبةً للجميع في جميع الأحوال. ينبغي الحذر الشديد أو استشارة الطبيب قبل الاستخدام في الحالات التالية:
مرضى القلب الذين يُعانون من قصور في وظيفة القلب أو أمراض الشرايين الحادة، إذ إن الحرارة المرتفعة تُوسع الأوعية وتزيد من العبء على القلب. والحوامل في مراحل الحمل المختلفة، وتحديدًا في الأشهر الأولى، ينبغي الابتعاد عن المياه الحارة. وكذلك مرضى الضغط المرتفع غير المضبوط ومرضى السكري الذين قد يواجهون صعوبة في الإحساس بحرارة الماء، مما يُعرّضهم لخطر الحروق. وذوو الجروح المفتوحة أو الأمراض الجلدية المعدية ينبغي لهم الامتناع حمايةً لأنفسهم وللآخرين.
نصائح للاستخدام الأمثل والآمن
لتحقيق أقصى استفادة من هذه العيون المباركة، يُنصح باتباع ما يلي:
البدء بجلسات قصيرة لا تتجاوز عشر دقائق في الزيارة الأولى، ثم زيادة المدة تدريجيًا وفق تحمّل الجسم، مع عدم تجاوز نصف ساعة في الجلسة الواحدة. والإكثار من شرب الماء العادي قبل الجلسة وبعدها لتعويض ما يفقده الجسم من سوائل عبر التعرق. وتجنب الدخول إلى العين في حالة الجوع الشديد أو بعد وجبة ثقيلة مباشرةً. والخروج فورًا عند الشعور بدوار أو غثيان أو ضيق تنفس. وعدم استخدام مُنظفات أو صابون صناعي قوي حين الاستحمام في هذه العيون لأن الطبيعة الكيميائية للمياه قد تتفاعل معها.
ثامنًا: العيون الحارة والسياحة العلاجية في الليث
فرصة واعدة لم تُستثمر بعد
تشهد السياحة العلاجية في العالم نموًا متسارعًا، وأصبحت وجهات المياه الحارة الطبيعية تستقطب ملايين الزوار سنويًا من مختلف أرجاء العالم. ومن هذا المنطلق، تُشكّل عيون الليث الحارة ثروةً وطنيةً لم تأخذ بعد حظها الكافي من التطوير والترويج. إذ إن المقارنة مع مناطق مشابهة في اليابان والأردن والمغرب وأيسلندا والتي حوّلت عيونها الحارة إلى منتجعات علاجية عالمية الشهرة تُلهم بضرورة الإسراع في تطوير هذه الثروة الطبيعية.
رؤية المملكة العربية السعودية 2030 والتي جعلت من السياحة ركيزةً اقتصاديةً أساسيةً تفتح الأبواب أمام الاستثمار في هذا القطاع بصورة لم تكن ممكنةً في السابق. ومنطقة الليث بموقعها المتميز وعيونها الحارة الثرية ومناخها المعتدل في فصل الشتاء وقربها النسبي من مكة المكرمة التي يقصدها الملايين سنويًا تمتلك ما يلزم لتصبح وجهةً سياحيةً علاجيةً من الطراز الرفيع.
ما يحتاجه التطوير
تطوير هذه الثروة الطبيعية يستلزم جملةً من الخطوات المتكاملة، في مقدمتها: إجراء دراسات علمية شاملة لتحليل المياه كيميائيًا وتحديد الفوائد العلاجية بدقة. وبناء منشآت استقبال تُحافظ على طابع المكان الطبيعي، وتُوفر في الوقت ذاته خدمات بمواصفات سياحية عصرية. وتدريب كوادر وطنية متخصصة في العلاج المائي الحراري. وإنشاء مراكز طبية قريبة توفر الإشراف العلاجي اللازم للزوار الذين يقصدون هذه العيون بهدف العلاج.
تاسعًا: التكامل بين العيون الحارة وعوامل الشفاء الأخرى في الليث
الليث كوجهة شاملة للعافية
الفائدة العلاجية لعيون الليث لا تتحقق بمعزل عن بقية مقومات المنطقة، بل هي جزء من منظومة شفائية متكاملة تشمل:
الهواء النقي والطبيعة البكر: الليث بطبيعتها الجبلية الوادعة وهوائها الطازج تحتوي على تراكيز عالية من الأيونات السالبة الشحنة التي تُعزز المزاج وتُحسن وظيفة الرئة. ومجرد التواجد في هذه البيئة الطبيعية النقية له فوائد علاجية موثقة في أدبيات الطب السلوكي.
الغطاء النباتي والأعشاب الطبية: تحتوي المنطقة على ثروة نباتية طبيعية تشمل أعشابًا ذات قيمة طبية، كثيرًا ما استخدمها السكان المحليون في منظوماتهم الطبية التقليدية.
البحر الأحمر القريب: قرب الليث من ساحل البحر الأحمر يُضيف عنصرًا شفائيًا آخر تُثبت الأبحاث باستمرار قيمته العلاجية، وهو التعرض للهواء البحري الغني بأملاح المغنيسيوم واليود وبقية العناصر البحرية.
خاتمة: بين الشفاء والروح
العيون الحارة في الليث ليست مجرد ظاهرة جيولوجية، بل هي شاهد حيّ على عطاء هذه الأرض المباركة وكرم الخالق سبحانه وتعالى الذي أودع في باطن الأرض هذه الكنوز العلاجية. ولعل في تجربة الجلوس على حافة إحدى هذه العيون، وأنت تنظر إلى الجبال الشاهقة وتستنشق الهواء النقي وتُسمع خرير الماء المتدفق، ما هو أبعد من الفائدة الجسدية المجردة. ثمة شيء يتجاوز الكيمياء والفيزياء، شيء يلمس أعماق الروح ويُعيدها إلى فطرتها الأولى.
إن التنمية المستدامة لهذا الإرث الطبيعي الثمين تُشكّل أمانةً في أعناق الجميع، حكومةً وأفرادًا ومستثمرين وزوارًا. فالمسؤولية تقتضي الاستفادة من هذه النعمة دون إفراط ولا تفريط، وحماية البيئة المحيطة بها من أي إساءة أو تلوث، وتوثيق العلم بها وتراكم المعرفة حولها، وتقديمها للأجيال القادمة مصونةً نقيةً كما وجدها أسلافهم.
العيون الحارة في الليث تنتظركم، فهل أنتم مستعدون للرحلة؟