صحة الطفل وبرامج التطعيم في المملكة العربية السعودية
صحة الطفل وبرامج التطعيم في المملكة العربية السعودية
صحة الطفل وبرامج التطعيم في المملكة العربية السعودية
تُعدّ صحة الطفل ركيزةً أساسية من ركائز التنمية البشرية المستدامة، إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يزدهر دون أن يضمن لأجياله القادمة صحةً جيدة وحمايةً وقائية من الأمراض. وفي المملكة العربية السعودية، أولت الحكومة منذ تأسيسها اهتماماً بالغاً بصحة المواطنين عموماً، وصحة الأطفال خصوصاً، وذلك تجسيداً لمبادئ الإسلام التي تحثّ على الاهتمام بالنشء وتربيتهم تربيةً صحيحة سليمة.
ومع التقدم العلمي والتطوّر التقني الهائل الذي شهده القرن الماضي، غدا التطعيم أحد أبرز الأسلحة الوقائية في مواجهة الأمراض المعدية الخطيرة التي كانت تحصد أرواح الأطفال بالملايين حول العالم. وقد تبنّت المملكة العربية السعودية منذ وقت مبكر برامج تطعيم شاملة ومنظمة، وطوّرتها على مرّ السنين لتواكب التوصيات الدولية لمنظمة الصحة العالمية، وتستجيب للاحتياجات الصحية لمواطنيها ومقيميها.
تتناول هذه المقالة المشهد الشامل لصحة الطفل في المملكة العربية السعودية، من مؤشرات صحية واستراتيجيات وقائية وعلاجية، مروراً ببرامج التطعيم الوطنية وآليات تطبيقها، ووصولاً إلى التحديات المستقبلية والطموحات التي ترسمها رؤية المملكة 2030 في هذا الملف الحيوي.
أولاً: مؤشرات صحة الطفل في المملكة العربية السعودية
معدلات وفيات الأطفال
شهدت المملكة العربية السعودية تحسناً لافتاً في مؤشرات وفيات الأطفال على مدار العقود الماضية. ففي سبعينيات القرن الماضي، كانت معدلات وفيات الرضّع مرتفعة نسبياً، تعكس واقع دولة ناشئة تبني منظومتها الصحية من الصفر. أما اليوم، فقد تراجعت هذه المعدلات تراجعاً ملحوظاً وباتت في مصافّ الدول المتقدمة.
وفقاً لإحصاءات وزارة الصحة السعودية والبيانات الدولية، انخفض معدل وفيات الرضّع دون سن الخامسة انخفاضاً كبيراً منذ الثمانينيات، وهو ما يُعزى إلى جملة من العوامل أبرزها: التوسع في بناء المرافق الصحية، وتطوير برامج التطعيم، وتوفير الرعاية الصحية الأولية في مختلف أنحاء المملكة، فضلاً عن ارتفاع المستوى التعليمي للأمهات وزيادة وعيهن الصحي.
التغذية وصحة الأطفال
تُمثّل التغذية السليمة دعامةً لا غنى عنها لنمو الطفل وتطوّره. وقد واجهت المملكة العربية السعودية، كغيرها من دول الخليج، تحدياً مزدوجاً يتمثّل في ظاهرة سوء التغذية بشقّيها: سوء التغذية بالنقص من جهة، والسمنة والأمراض المرتبطة بالإفراط في الغذاء من جهة أخرى. وقد رصدت الدراسات الوبائية تزايداً في معدلات السمنة لدى الأطفال السعوديين خلال العقود الأخيرة، وهو ما دفع الجهات الصحية إلى إطلاق مبادرات توعوية وبرامج تغذوية تستهدف الأسر والمدارس على حد سواء.
كذلك تبذل وزارة الصحة جهوداً في دعم الرضاعة الطبيعية باعتبارها الخيار الأمثل لتغذية الرضّع في الأشهر الأولى من حياتهم، إذ تُوفّر الحماية المناعية وتُسهم في تقليل مخاطر كثير من الأمراض.
ثانياً: المنظومة الصحية المعنية بصحة الأطفال
وزارة الصحة: المرجعية التنظيمية
تضطلع وزارة الصحة السعودية بالمسؤولية الرئيسية في رسم السياسات الصحية وتنفيذها على المستوى الوطني. وتشمل برامجها المتعلقة بصحة الطفل:
- برامج صحة الأمومة والطفولة: وهي برامج متكاملة تبدأ من مرحلة ما قبل الولادة وتمتد حتى سن المراهقة، تشمل متابعة نمو الطفل وتطوره، والكشف المبكر عن الأمراض والإعاقات.
- عيادات صحة الطفل: المنتشرة في مراكز الرعاية الصحية الأولية في أرجاء المملكة كافة، وتُقدّم خدمات الفحص الدوري والتطعيم ومتابعة النمو.
- برنامج الفحص الشامل للمواليد: الذي يستهدف الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية كالفينيل كيتونيوريا وقصور الغدة الدرقية الخلقي وغيرها، لضمان التدخل العلاجي المبكر.
الخدمات الصحية للقوات المسلحة والقطاع الخاص
لا تقتصر الخدمات الصحية المقدمة للأطفال على مرافق وزارة الصحة، بل تمتد لتشمل مستشفيات الخدمات الطبية للقوات المسلحة، ومستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، والمستشفيات والعيادات الخاصة المنتشرة في المدن الكبرى، مما يُوفّر تنوعاً وخيارات متعددة للأسر.
ثالثاً: برامج التطعيم الوطنية في المملكة العربية السعودية
نشأة برامج التطعيم وتطوّرها
أطلقت المملكة العربية السعودية برنامج التطعيم الوطني الموسّع في عام 1985 ميلادي، وذلك بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف. ومنذ ذلك الحين، شهد البرنامج توسعاً وتطوراً متواصلَين، إذ أُضيفت لقاحات جديدة بصفة دورية، وحُدّثت جداول التطعيم وفق أحدث التوصيات العلمية.
وقد حقّق البرنامج إنجازات بارزة، كان أبرزها إعلان المملكة العربية السعودية خلوّها من مرض شلل الأطفال، وتراجع الحصبة والدفتيريا والسعال الديكي وغيرها من الأمراض المُعدية التي كانت تُشكّل خطراً جسيماً على الأطفال.
اللقاحات الأساسية في الجدول الوطني
يشتمل الجدول الوطني للتطعيمات في المملكة العربية السعودية على مجموعة متكاملة من اللقاحات التي تُعطى للطفل منذ ولادته وحتى سن المدرسة، وفيما يلي استعراض للقاحات الرئيسية:
1. لقاح الهيباتيتس B (التهاب الكبد الوبائي ب)
يُعطى هذا اللقاح في ثلاث جرعات، تبدأ الجرعة الأولى منها عند الولادة مباشرة أو خلال الساعات الأولى من الحياة، مما يُوفّر حماية مبكرة من الالتهاب الكبدي الوبائي ب الذي يمكن أن يُؤدي إلى تليّف الكبد وسرطانه على المدى البعيد.
2. لقاح BCG (السلّ)
يُعطى عند الولادة لمكافحة مرض السل، ولا يزال ضمن الجدول نظراً لاستمرار بعض حالات السل في المنطقة وفي صفوف العمالة الوافدة.
3. لقاح DTP (الدفتيريا، السعال الديكي، الكزاز)
يُعطى هذا اللقاح المركّب في عدة جرعات خلال الأشهر الأولى من عمر الطفل، ويُوفّر حمايةً متزامنة من ثلاثة أمراض خطيرة. ويُستخدم في المملكة حديثاً اللقاح الخماسي الذي يجمع بين الدفتيريا والسعال الديكي والكزاز والتهاب الكبد ب والمستدمية النزلية.
4. لقاح شلل الأطفال
يُعطى اللقاح الفموي أو المحقون بحسب التوصيات المحدّثة، وتُنظَّم حملات تطعيم إضافية دورية تستهدف الأطفال في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو حين تظهر حالات محتملة في الدول المجاورة.
5. لقاح الحصبة والحصبة الألمانية والنكاف (MMR)
يُعطى هذا اللقاح المثلث على جرعتين، ويُقلّل بصورة فعّالة من انتشار هذه الأمراض الفيروسية التي كانت تتسبب في مضاعفات خطيرة كالصمم والتهاب السحايا والعقم.
6. لقاح المستدمية النزلية من النوع ب (Hib)
يحمي هذا اللقاح من أحد أبرز مسبّبات التهاب السحايا البكتيري والالتهاب الرئوي لدى الأطفال دون سن الخمس سنوات.
7. لقاح التهاب السحايا الجرثومي (المكوّرة السحائية)
تُولي المملكة العربية السعودية اهتماماً خاصاً بهذا اللقاح نظراً لموسم الحج والعمرة الذي يجمع ملايين الحجاج من مختلف أنحاء العالم، مما يرفع من خطر انتقال العدوى. ويُعطى اللقاح الرباعي الذي يغطي المجموعات المصلية A, C, W135, Y للأطفال وللحجاج على حدٍّ سواء.
8. لقاح التهاب الرئة بالمكوّرات الرئوية (PCV)
أُدرج هذا اللقاح في الجدول الوطني في السنوات الأخيرة، ويُوفّر حمايةً فعّالة من التهاب الرئة والتهاب السحايا الناجمَين عن المكوّرات الرئوية.
9. لقاح الفيروس العجلي (الروتافيروس)
يستهدف هذا اللقاح إسهال الأطفال الشديد الناجم عن الروتافيروس، وهو أحد الأسباب الرئيسية لدخول الأطفال إلى المستشفيات في مرحلة الرضاعة.
10. لقاح جدري الماء (الحماق)
أُدرج لقاح جدري الماء في البرنامج الوطني ليحمي الأطفال من هذا المرض الفيروسي المعدي للغاية.
11. لقاح التهاب الكبد A
يُعطى لتوفير الحماية من التهاب الكبد الفيروسي أ، الذي ينتشر عبر الغذاء والماء الملوَّثَين.
12. لقاح الإنفلونزا
تُوصي وزارة الصحة السعودية بتطعيم الأطفال ضد الإنفلونزا الموسمية سنوياً، لا سيما ذوي الأمراض المزمنة ومن هم في دور الحضانة والمدارس.
رابعاً: آليات تطبيق برامج التطعيم
التوزيع الجغرافي لمراكز التطعيم
تُوزَّع خدمات التطعيم على شبكة واسعة من المرافق الصحية تشمل:
- مراكز الرعاية الصحية الأولية المنتشرة في كل مدينة وقرية وحي.
- مستشفيات وزارة الصحة الحكومية في كل مناطق المملكة الثلاث عشرة.
- العيادات الخاصة والمستشفيات الأهلية المرخّصة.
- وحدات صحية متنقلة تصل إلى المناطق النائية والحدودية.
نظام السجلات الإلكترونية للتطعيم
أطلقت المملكة العربية السعودية نظام “نظام متابعة التطعيمات” الإلكتروني الذي يُتيح تسجيل كافة جرعات التطعيم التي يتلقاها كل طفل، وذلك بصورة رقمية مركزية. ويُمكّن هذا النظام:
- متابعة الجدول الزمني للتطعيم بدقة لكل طفل.
- إرسال تذكيرات للأهالي عند اقتراب موعد الجرعة القادمة.
- مراقبة معدلات التغطية التطعيمية على المستوى المحلي والوطني.
- ربط ملف التطعيم بملف الصحة الإلكتروني الشامل للطفل.
التكامل مع منصة “صحتي”
تتيح منصة “صحتي” الصحية الرقمية التي أطلقتها وزارة الصحة للمواطنين والمقيمين الاطلاع على سجل التطعيمات لأبنائهم، وحجز مواعيد التطعيم في أقرب مركز صحي، مما يُيسّر الوصول إلى الخدمة ويُقلّل من حالات التأخر أو الإغفال.
التطعيم في المدارس
تتعاون وزارة الصحة مع وزارة التعليم في تنفيذ حملات تطعيم دورية داخل المدارس، تستهدف الجرعات التنشيطية ولقاحات المرحلة العمرية، مما يضمن وصول خدمة التطعيم إلى الأطفال في سن الدراسة بصورة منتظمة.
خامساً: حملات التوعية والتثقيف الصحي
دور الإعلام في تعزيز الوعي التطعيمي
تُدرك وزارة الصحة أن نجاح أي برنامج تطعيمي مرهون بمدى ثقة الأهالي به وإقبالهم عليه. لذا تُولي المملكة اهتماماً كبيراً للتوعية الصحية عبر القنوات المختلفة:
- الإعلام الرسمي: حيث تُبثّ إعلانات توعوية ومقاطع فيديو تثقيفية عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية الحكومية.
- وسائل التواصل الاجتماعي: تنشط حسابات وزارة الصحة على منصات تويتر (إكس) وإنستغرام وسناب شات في نشر المعلومات الصحيحة والرد على استفسارات الأهالي.
- التثقيف في مراكز الرعاية الصحية: حيث يضطلع العاملون الصحيون بدور محوري في تقديم المعلومات للأمهات والآباء عند كل زيارة.
مواجهة التردد في التطعيم
لا تخلو أي دولة في العالم من فئة من السكان تتردد في تطعيم أطفالها، وغالباً ما يكون مردّ ذلك إلى معلومات مغلوطة أو مخاوف غير مستندة إلى دليل علمي. وقد انتشرت في السنوات الأخيرة، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، شائعات وادعاءات كاذبة تربط اللقاحات بأمراض مثل التوحد أو العقم، وهي ادعاءات دحضها العلم وأثبت بطلانها.
وتتبنّى وزارة الصحة السعودية مقاربةً متعددة الأوجه في التعامل مع هذه الظاهرة تشمل:
- توفير المعلومات العلمية الدقيقة وبلغة مبسّطة يفهمها عامة الناس.
- الاستعانة بالأئمة والعلماء لتعزيز المشروعية الدينية للتطعيم، وقد أصدر العلماء فتاوى واضحة تؤكد جواز التطعيم بل واستحبابه.
- الاستعانة بالكوادر الطبية المجتمعية والمزوّدين الصحيين المنتسبين إلى المجتمعات المحلية للتواصل مع الأسر المترددة.
سادساً: صحة الطفل في ضوء رؤية 2030
محاور الرؤية المتعلقة بصحة الطفل
تُمثّل رؤية المملكة العربية السعودية 2030 مرجعاً استراتيجياً شاملاً يطال جميع قطاعات الحياة بما فيها الصحة. ومن أبرز ما تضمّنته الرؤية في هذا السياق:
أولاً: تعزيز الصحة الوقائية تُركّز الرؤية على نقل البوصلة الصحية من العلاج إلى الوقاية، وهو ما يُعزّز قيمة برامج التطعيم باعتبارها الأداة الوقائية الأكثر فعالية وفائدة من الناحية الاقتصادية كذلك.
ثانياً: التحوّل الرقمي في الصحة تسعى الرؤية إلى بناء منظومة صحية رقمية متكاملة تشمل السجل الصحي الإلكتروني الشامل، والذكاء الاصطناعي في التشخيص والتتبع الوبائي، وتطبيقات الصحة الرقمية التي تُمكّن الأسر من إدارة صحة أطفالها باقتدار.
ثالثاً: رفع الكفاءات الوطنية في الرعاية الصحية تُولي الرؤية أهمية قصوى لإعداد كوادر طبية وطنية مؤهلة، مما يُقلّص الاعتماد على الخبرات الأجنبية ويُعزّز الاستدامة في تقديم خدمات صحة الطفل.
مبادرة “صحتي”: نموذج رقمي متقدم
تُعدّ منصة “صحتي” من أبرز المنجزات الرقمية الصحية، إذ تجمع في منصة واحدة طيفاً واسعاً من الخدمات الصحية بما فيها متابعة صحة الأطفال وجدول تطعيماتهم. وقد شهدت هذه المنصة إقبالاً متزايداً، وتُمثّل نموذجاً يُحتذى به في توظيف التقنية لخدمة صحة المجتمع.
سابعاً: صحة الطفل وموسم الحج والعمرة
التحدي الاستثنائي للتجمّعات البشرية الكبرى
تستضيف المملكة العربية السعودية سنوياً ملايين الحجاج والمعتمرين القادمين من أكثر من مئة وثمانين دولة، وهو ما يُشكّل تحدياً وبائياً استثنائياً لا مثيل له على مستوى العالم. ولحماية صحة الحجاج والمواطنين على حدٍّ سواء، تفرض المملكة على الحجاج اشتراطات صحية صارمة تشمل التطعيم ضد أمراض بعينها:
- لقاح المكوّرة السحائية (الرباعي ACWY): شرط إلزامي لاستخراج تأشيرة الحج والعمرة.
- لقاح شلل الأطفال: مطلوب من الحجاج القادمين من الدول التي لا تزال تشهد تحدياً في القضاء على المرض.
- لقاح الكوليرا: في حالات بعينها حسب الأوضاع الوبائية.
- لقاح الإنفلونزا: يُوصى به بشدة خاصةً لكبار السن وذوي الأمراض المزمنة.
وتُسهم هذه الاشتراطات في حماية الأطفال السعوديين من الأمراض المعدية التي قد يحملها الوافدون، كما تحمي الحجاج أنفسهم عند عودتهم إلى بلدانهم من أن يكونوا ناقلين لأمراض اكتسبوها في أثناء أداء الشعائر.
ثامناً: التحديات التي تواجه صحة الطفل في المملكة
تحدي الأمراض غير المعدية
في ظل التحول الغذائي والاجتماعي الذي تشهده المملكة العربية السعودية، باتت الأمراض غير المعدية تُشكّل عبئاً متزايداً على صحة الأطفال. فالسمنة وما يرتبط بها من سكري وأمراض قلبية وعظمية باتت تُصيب شريحة متزايدة من الأطفال والمراهقين. ويتطلب مواجهة هذا التحدي تضافراً بين السياسات الصحية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية، وإصلاح البيئة الغذائية وتوفير فرص الحركة والرياضة للأجيال الناشئة.
التحديات اللوجستية في المناطق النائية
رغم التوسع الكبير في شبكة المرافق الصحية، لا تزال بعض المناطق الجبلية والريفية النائية تواجه تحديات في الوصول إلى خدمات التطعيم بصورة منتظمة. وتسعى الوزارة إلى معالجة هذه الفجوة من خلال الوحدات الصحية المتنقلة وتوظيف التقنيات الحديثة كالطائرات المسيّرة في تسليم اللقاحات في المستقبل.
إدارة سلسلة التبريد
تتطلب اللقاحات الحفاظ على درجات حرارة محددة طوال رحلتها من المصنع إلى المريض، في ما يُعرف بـ”سلسلة التبريد”. وفي بيئة مناخية حارة كالمناخ السعودي، تبرز أهمية الاستثمار في البنية التحتية لتبريد اللقاحات وصون جودتها. وقد بذلت المملكة جهوداً كبيرة في هذا الجانب، وإن كانت الرقابة المستمرة والتطوير الدائم ضرورة لا تتوقف.
الجاليات العمالية الوافدة
تستضيف المملكة العربية السعودية ملايين العمال الوافدين من مختلف دول العالم، وكثيراً ما يصطحبون أبناءهم أو يُنجبون أطفالاً على أرض المملكة. وتُشكّل صحة هذه الفئة من الأطفال تحدياً إضافياً يستدعي ضمان وصولهم إلى خدمات التطعيم والرعاية الصحية الأولية، سواء في القطاع الرسمي أو عبر آليات مجتمعية مخصصة.
تاسعاً: إنجازات المملكة الصحية على الصعيد الدولي
القضاء على شلل الأطفال
يُعدّ إعلان المملكة العربية السعودية خلوّها من مرض شلل الأطفال من أبرز الإنجازات الصحية، وهو ثمرة لبرامج تطعيم ممنهجة على مدار عقود. وتواصل المملكة يقظتها لمنع عودة المرض، لا سيما في ضوء استمرار بعض بؤره في مناطق أخرى من العالم.
الإسهام في جهود الصحة العالمية
لا تكتفي المملكة العربية السعودية بتطوير برامجها الصحية الداخلية، بل تُسهم في دعم الجهود الصحية الدولية من خلال:
- تمويل برامج التطعيم في الدول الفقيرة عبر صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) والتحالف العالمي للقاحات والتحصين (غافي).
- استضافة مؤتمرات ومبادرات صحية دولية في مجال صحة الأمومة والطفولة.
- مشاركة الخبرات والدراسات العلمية في المحافل الدولية.
المركز الدولي الإسلامي للمصالحة والتحكيم
يُسهم مركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية (كيمارك) والمنشآت البحثية السعودية في تطوير المعرفة الطبية وتوليد حلول مبتكرة لمشكلات صحة الطفل على المستويين المحلي والإقليمي.
عاشراً: اللقاحات المستحدثة ومستقبل برامج التطعيم
لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)
أدرجت المملكة لقاح فيروس الورم الحليمي البشري في توصياتها لحماية الفتيات من سرطان عنق الرحم. ويُعدّ هذا الخطوة تقدماً نوعياً في صحة المرأة، إذ تتم الوقاية في مرحلة مبكرة قبل التعرض للفيروس.
لقاحات المستقبل: التكنولوجيا الجديدة
يفتح اختراع لقاحات mRNA التي أُنجزت خلال جائحة كوفيد-19 آفاقاً واسعة أمام تطوير لقاحات جديدة ضد أمراض كالملاريا وحمى الضنك والسرطانات المختلفة. وتُتابع المملكة هذه التطورات عن كثب، وتُشارك في تجارب سريرية متعددة، مما يُهيئها للاستفادة من هذه اللقاحات فور إثبات سلامتها وفعاليتها.
الذكاء الاصطناعي في خدمة التطعيم
يُوفّر الذكاء الاصطناعي إمكانيات غير مسبوقة في رصد معدلات التغطية التطعيمية وتحديد المناطق ذات الثغرات، والتنبؤ بالأوبئة المحتملة قبل وقوعها، وتصميم حملات توعوية مستهدفة وفعّالة. وتسعى المملكة إلى توظيف هذه التقنيات في تطوير منظومتها التطعيمية.
حادي عشر: دور الأسرة في صحة الطفل وسلامته
الأم: المدرسة الأولى للوقاية
لا يمكن الحديث عن صحة الطفل دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الأسرة، ولا سيما الأم. فالأم هي أول المدركين لأي تغيّر في صحة طفلها، وهي الحلقة التواصلية الأهم مع المنظومة الصحية. ومن هنا تأتي أهمية تثقيف الأمهات صحياً وتمكينهن من اتخاذ قرارات صائبة لصحة أبنائهن.
دور الأب والأسرة الممتدة
تُسهم الثقافة المجتمعية السعودية المبنية على التضامن الأسري في نشر الوعي الصحي، إذ كثيراً ما يُؤدّي الآباء والأجداد وسائر أفراد الأسرة الممتدة دوراً فاعلاً في تذكير الأهل بمواعيد التطعيم ومساعدتهم في الوصول إلى مراكز الرعاية الصحية.
التوعية في دور الحضانة والمدارس
تُشكّل مرافق التعليم قناةً بالغة الأثر في نشر الثقافة الصحية بين الأطفال والأهالي على حدٍّ سواء. وقد أدرجت وزارة التعليم مواضيع الصحة الشخصية والوقاية من الأمراض في المناهج الدراسية، مما يُزرع في الأطفال منذ نعومة أظفارهم قناعةً راسخة بأهمية الحفاظ على صحتهم.
خاتمة
يبدو جلياً من خلال هذا الاستعراض الشامل أن المملكة العربية السعودية قطعت شوطاً بعيداً في بناء منظومة متكاملة لصحة الطفل وتطعيمه، وأن ثمار هذا الجهد الدؤوب تتجلى في الأرقام الإيجابية التي باتت تُميّز المملكة بين دول العالم في هذا المجال. غير أن التقدم لا يعني الوقوف عند حدٍّ معيّن، بل يستدعي مواصلة الاستثمار والابتكار ومواجهة التحديات الجديدة بعقل متفتح ونفس علمي رصين.
إن برامج التطعيم ليست مجرد إجراء طبي آني، بل هي استثمار استراتيجي في مستقبل الأمة، تأثيره يمتد عقوداً وأجيالاً. فالطفل المُطعَّم اليوم هو المواطن المُنتج الصحيح المعافى غداً، والمجتمع المحصَّن هو المجتمع القادر على بناء مستقبل مزدهر. وهذه الحقيقة تُشكّل جوهر الرؤية الصحية التي تتبناها المملكة العربية السعودية في مسيرتها نحو مستقبل أفضل لأبنائها وأجيالها القادمة.
وإذ تُواصل المملكة مسيرتها نحو تحقيق أهداف رؤية 2030، يبقى الطفل في قلب هذه المسيرة، باعتباره الثروة الحقيقية التي لا يُقدَّر ثمنها، والرهان الأكيد على غدٍ أكثر صحةً وازدهاراً.