قطاع التقنية المالية (فينتك) في المملكة العربية السعودية: ثورة رقمية تُعيد رسم خارطة المال
قطاع التقنية المالية (فينتك) في المملكة العربية السعودية: ثورة رقمية تُعيد رسم خارطة المال
قطاع التقنية المالية (فينتك) في المملكة العربية السعودية: ثورة رقمية تُعيد رسم خارطة المال
عندما يلتقي المال بالتكنولوجيا
في عصر تتسارع فيه وتيرة التحولات الرقمية بشكل غير مسبوق، باتت التقنية المالية أو ما يُعرف دولياً بـ”الفينتك” (FinTech) ركيزةً أساسية في إعادة تشكيل المنظومة الاقتصادية العالمية. والمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من إرادة سياسية راسخة ورؤية استراتيجية طموحة، لا تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الموجة، بل أصبحت تتصدر المشهد الإقليمي كواحدة من أبرز الوجهات الناشئة في مجال الفينتك على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء ثمرةً لسنوات من الاستثمار الممنهج في البنية التحتية الرقمية، ولإصلاحات تشريعية جريئة أعادت رسم قواعد اللعبة في القطاع المالي، ولثقافة شبابية متعطشة للابتكار في مجتمع يزيد فيه من هم دون الخامسة والثلاثين عن 35% من إجمالي السكان. إن ما تشهده المملكة اليوم من نمو متسارع في عدد شركات الفينتك وحجم معاملاتها وتنوع خدماتها ليس مجرد طفرة عابرة، بل هو تحول جوهري في طريقة تفكير المجتمع السعودي في المال وإدارته وتوظيفه.
تسعى هذه المقالة إلى تقديم قراءة شاملة لمسيرة قطاع الفينتك السعودي؛ من الجذور والمنطلقات، مروراً بالمشهد الراهن وأبرز اللاعبين، وصولاً إلى التحديات والآفاق المستقبلية التي تنتظر هذا القطاع الواعد.
أولاً: المشهد العام — أرقام تتحدث عن نفسها
لفهم حجم الطفرة التي يشهدها قطاع الفينتك السعودي، لا بد من استحضار الأرقام التي تكشف عمق هذا التحول. فقد تجاوزت قيمة سوق التقنية المالية في المملكة حاجز 7 مليارات ريال سعودي في عام 2024، ومن المتوقع أن يبلغ حجمه ما يعادل 2.85 مليار دولار أمريكي عام 2025، في مسار تصاعدي يُرجَّح أن يوصله إلى ما يزيد على 5 مليارات دولار بحلول عام 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يناهز 13%.
غير أن الأرقام التي تبهر المراقبين بحق هي تلك المتعلقة بمنظومة المدفوعات الرقمية. فقد رصدت شبكة مدى للمدفوعات الإلكترونية المحلية أكثر من 1.12 مليار معاملة في قطاع التجارة الإلكترونية خلال عام 2024 وحده، بمعدل نمو سنوي بلغ 59% منذ عام 2020. وفي الوقت نفسه، سجّل نظام “سريع” للمدفوعات الفورية 593 مليون معاملة خلال العام ذاته، أي بمعدل نمو سنوي يقارب 50% منذ انطلاقه. أما المدفوعات عبر نقاط البيع، فقد تجاوزت 10.4 مليار معاملة بارتفاع سنوي بلغ 38%.
والأكثر دلالةً على عمق هذا التحول أن المدفوعات الإلكترونية في قطاع التجزئة بلغت 70% من إجمالي عمليات الدفع في المملكة خلال عام 2023، وهو ما يمثل تحقيقاً مبكراً لهدف كان مقرراً الوصول إليه في عام 2025. بل إن المملكة تسعى الآن لرفع هذه النسبة إلى 80% بحلول 2030.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية باردة، بل هي انعكاس لتحول جذري في سلوك المستهلك السعودي وثقته المتزايدة بالخدمات المالية الرقمية.
ثانياً: الجذور والمنطلقات — كيف وصلنا إلى هنا؟
رؤية 2030: الإطار الاستراتيجي الأكبر
لا يمكن فهم قصة الفينتك السعودي بمعزل عن رؤية المملكة 2030، ذلك المشروع الحضاري الطموح الذي أطلقه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2016. فمن بين أبرز أهداف هذه الرؤية تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، وذلك عبر تطوير قطاع مالي متطور وتنافسي يكون رافداً حقيقياً للاقتصاد الوطني.
في هذا السياق، جاء برنامج تطوير القطاع المالي — أحد برامج رؤية 2030 الرئيسية — ليضع التقنية المالية ضمن أولوياته الاستراتيجية. ويتضمن هذا البرنامج أهدافاً طموحة تشمل: الوصول بعدد شركات الفينتك إلى 525 شركة بحلول 2030، ودعم الناتج المحلي بمساهمة تبلغ 13.3 مليار ريال من هذا القطاع، وخلق 18 ألف فرصة وظيفية، وتحقيق 12.2 مليار ريال كقيمة تراكمية لاستثمار رأس المال الجريء في القطاع.
البنية التحتية الرقمية: أرضية خصبة للابتكار
قبل أن تزدهر شركات الفينتك، كانت المملكة تبني بصمت أرضية رقمية متينة. فقد تجاوز معدل انتشار الهواتف الذكية 97% من إجمالي السكان، مما جعل السعودية مجتمعاً يعتمد على الهاتف المحمول في المقام الأول. وبالتوازي مع ذلك، استثمرت الحكومة بكثافة في شبكات الاتصالات وخدمات الإنترنت عالي السرعة والهوية الرقمية الموحدة، التي أتاحت التحقق من هوية المستخدم بسهولة وأمان.
كما شكّلت نظم الدفع الوطنية التي طوّرها البنك المركزي السعودي “ساما” خلال السنوات الماضية ركيزةً لا تقل أهمية؛ إذ أرسى نظام “مدى” حضوراً واسعاً للدفع الإلكتروني على مستوى المملكة، في حين أتاح نظام “سريع” للمدفوعات الفورية تحويل الأموال بين الحسابات البنكية في غضون ثوانٍ معدودة على مدار الساعة.
التحول في ثقافة المستهلك
لا تتوقف القصة عند البنية التحتية والسياسات الحكومية؛ فالمستهلك السعودي نفسه شريك أصيل في هذه الثورة. فقد كشف استطلاع أجرته شركة كابكو عام 2024 على أكثر من 1200 عميل من مستخدمي الخدمات المصرفية في المملكة أن 81% منهم يصلون إلى خدماتهم المصرفية عبر تطبيقات الهاتف المحمول، في حين لا يزور فرع البنك الفعلي سوى 30% فقط. هذه الأرقام تعكس تحولاً ثقافياً عميقاً نحو الخدمات الرقمية، خاصة في ظل جيل شاب تربّى على تقنيات التواصل الاجتماعي وخدمات الطلب عبر الإنترنت.
ثالثاً: البيئة التنظيمية — دور الجهات الرقابية في إطلاق الإبداع
من أبرز ما يميز تجربة المملكة العربية السعودية في قطاع الفينتك أن الجهات التنظيمية اختارت أن تكون شريكاً للابتكار لا حارساً يقف في طريقه. وقد تجلى ذلك في جملة من المبادرات والأطر التنظيمية المتقدمة.
البنك المركزي السعودي (ساما): المنظّم الأول
اضطلع البنك المركزي السعودي “ساما” بدور محوري في تهيئة البيئة التشريعية لنمو شركات الفينتك. وكان من أبرز مبادراته إطلاق البيئة التجريبية التشريعية (Regulatory Sandbox)، التي تتيح لشركات التقنية المالية تجربة نماذج أعمالها المبتكرة في بيئة محكومة دون اشتراط الترخيص المسبق. وتمنح هذه البيئة الشركاتِ مهلةً تجريبية تمتد ستة أشهر قابلة للتجديد، مما يتيح لها التحقق من جدوى منتجاتها واختبار استجابة السوق قبل الدخول في مسار الترخيص الرسمي الأطول.
وفي خطوة لافتة، أعلن البنك المركزي تصاريح لشركات تقنية مالية بمزاولة المصرفية المفتوحة والتمويل من نظير إلى نظير (P2P)، مما فتح الباب أمام نماذج أعمال جديدة كانت في السابق حكراً على البنوك التقليدية.
هيئة السوق المالية: شريك الابتكار
لم تكتفِ هيئة السوق المالية بدورها الرقابي التقليدي، بل أنشأت هي الأخرى مختبراً للتقنية المالية خاصاً بها يُعنى بالمنتجات والخدمات المرتبطة بنشاط الأوراق المالية. ويستقبل هذا المختبر متقدمين من داخل المملكة وخارجها، مما يجعل السوق السعودية وجهةً جاذبة للشركات الدولية الراغبة في اختبار حلولها الابتكارية.
إطار المصرفية المفتوحة: باب الشراكات الجديدة
أطلق البنك المركزي السعودي إطار المصرفية المفتوحة (Open Banking Framework) عام 2022، وهو منظومة تتيح لشركات الفينتك الوصول إلى بيانات العملاء المصرفية (بموافقتهم) عبر واجهات برمجية آمنة (APIs). وقد فتح هذا الإطار آفاقاً جديدة للشراكة بين البنوك التقليدية والشركات التقنية الناشئة، وأسهم في ظهور جيل جديد من الخدمات المالية المدمجة والمخصصة.
برنامج “مكّن”: حاضنة الشركات الناشئة
في ديسمبر 2023، دشّن محافظ البنك المركزي السعودي ورئيس مجلس هيئة السوق المالية معاً برنامج “مكّن فينتك”، وهو مبادرة مشتركة تستهدف تمكين 150 شركة تقنية مالية ناشئة عبر دعمها بالتدريب والإرشاد والتمويل وتيسير مسارات الترخيص. ويُعدّ هذا البرنامج تجسيداً عملياً لالتزام المملكة بتطوير منظومة شركات الفينتك من مراحلها الأولى.
رابعاً: أبرز الفاعلين في المشهد — من الرواد إلى النجوم الصاعدة
الخدمات المصرفية الرقمية: ثورة في القطاع البنكي
ربما كان الحدث الأكثر إثارةً في مسيرة الفينتك السعودي خلال الفترة الأخيرة هو انطلاق عمليات البنوك الرقمية الخالصة. فقد حصل بنك STC Bank وبنك D360 على تراخيص بنكية رقمية من البنك المركزي السعودي، وانطلق STC Bank في عملياته الكاملة في يناير 2025 بعد مرحلة تجريبية امتدت تسعة أشهر. وقد جاء هذا البنك تحولاً طبيعياً من خدمة المحفظة الإلكترونية “STC Pay” التي أطلقتها شركة الاتصالات السعودية عام 2018، وسرعان ما راكمت قاعدة عملاء تبلغ نحو 1.5 مليون مستخدم.
وأسهم دخول هذه البنوك الرقمية في دفع البنوك التقليدية إلى تسريع تحولها الرقمي بشكل ملحوظ، حتى تجاوزت نسبة الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول 90% بين العملاء النشطين.
قطاع المدفوعات: قلب النبض الرقمي
يمثل قطاع المدفوعات القلب النابض لمنظومة الفينتك السعودية، وتهيمن عليه شركات نجحت في تحويل الهواتف الذكية إلى محافظ مالية متكاملة. وإلى جانب STC Pay التي تتصدر سوق التحويلات من شخص إلى آخر بمعالجة أكثر من 30 مليار ريال سعودي من المعاملات في 2024، تبرز شركات مثل HyperPay وGeidea وهلا بوصفها لاعبين محوريين في قطاع المدفوعات الرقمية.
وقد أسهم انتشار أنظمة مثل Apple Pay وsamsungPay وSTC Pay في تحقيق هذا التحول الكبير نحو مجتمع أقل اعتماداً على النقد، حيث باتت غالبية الشراء اليومي تتم عبر الهاتف المحمول أو البطاقات الإلكترونية.
الاقتصاد المفتوح ورأس المال: تمارة ولندو ولين تكنولوجيز
ثمة شركات ناشئة سعودية تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى علامات راسخة في مشهد الفينتك الإقليمي والعالمي:
تمارة (Tamara): واحدة من أبرز شركات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً” (BNPL) في المنطقة، نجحت في بناء شراكات مع آلاف التجار وجذب ملايين المستخدمين الذين يُفضّلون تقسيم مدفوعاتهم دون فوائد.
لندو (Lendo): متخصصة في تمويل فواتير الشركات الصغيرة والمتوسطة، وقد نجحت في تأمين خط ائتماني بقيمة 690 مليون دولار من بنك JPMorgan لتوسيع نشاطها في هذا القطاع الحيوي.
لين تكنولوجيز (Lean Technologies): إحدى أبرز شركات البنية التحتية للمصرفية المفتوحة، تتيح الشركات الناشئة وكبار اللاعبين ربط تطبيقاتهم بالبيانات المصرفية بطريقة آمنة وموحدة.
قطاع التأمين التقني (إنشورتك)
لا تقتصر ثورة الفينتك على المصرفية والمدفوعات، إذ يشهد قطاع التأمين التقني (InsurTech) نمواً واعداً. وتقدم شركات الفينتك في هذا المجال حلول تأمين رقمية تتميز بانخفاض تكاليفها وسهولة الوصول إليها، مما يجعل التأمين ممكناً لشرائح أوسع من السكان لم تكن تصل إليها المنتجات التقليدية.
التمويل الجماعي والاستثمار
فتحت منصات التمويل الجماعي القائمة على حقوق الملكية (Equity Crowdfunding) آفاقاً استثمارية جديدة، إذ باتت تتيح للمستثمرين من الأفراد المشاركة في تمويل الشركات الخاصة الناشئة مقابل حصص ملكية، مما يُديمقراطي الاستثمار ويوسع قاعدة المشاركين في دورة رأس المال الجريء.
خامساً: قطاع الخدمات المالية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة
يُعدّ تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من أكثر القطاعات التي يُغيّر فيها الفينتك قواعد اللعبة في المملكة العربية السعودية. فتاريخياً، عانت هذه المؤسسات من صعوبة الحصول على التمويل البنكي التقليدي بسبب متطلباته الصارمة من ضمانات ووثائق وسجلات مالية مفصّلة. جاءت شركات الفينتك لتملأ هذا الفراغ من خلال نماذج تمويل مبتكرة تستند إلى تحليل البيانات الرقمية لتقييم الجدارة الائتمانية.
وتسعى الحكومة السعودية إلى رفع نسبة تمويل البنوك للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من 6% إلى 20% بحلول عام 2030، وهو هدف طموح تلعب فيه شركات الفينتك دوراً محورياً. وتشمل الحلول المبتكرة في هذا المجال: منصات تمويل الفواتير، وتطبيقات إدارة التدفق النقدي، وحلول الرواتب الرقمية، وخدمات الصرف الأجنبي للشركات المصدّرة.
سادساً: التمويل الإسلامي والفينتك الشرعي — تقاطع خاص بالسعودية
لا يمكن الحديث عن الفينتك في المملكة العربية السعودية دون التطرق إلى بُعده الإسلامي. فالمملكة وبوصفها مهداً للإسلام، يتمتع نظامها المالي بخصوصية شرعية تفرض على كل منتج مالي أن يكون متوافقاً مع أحكام الشريعة الإسلامية. وقد تحوّل هذا التحدي إلى فرصة، إذ نشأ ما يُعرف بـ”الفينتك الإسلامي” أو “الإسلاموتك”، وهو مجال ناشئ يدمج التكنولوجيا المالية مع ضوابط الفقه الإسلامي.
ومن أبرز تجليات هذا المجال: تطبيقات الاستثمار المتوافقة مع أحكام الشريعة (كالمرابحة والمضاربة والمشاركة)، ومنصات التمويل الإسلامي للمشاريع الصغيرة، وتطبيقات الزكاة والصدقة الرقمية التي تيسّر أداء الواجبات المالية الدينية بشكل إلكتروني. كذلك يتطور مجال الصكوك الرقمية التي تُصدر وتُتداول بشكل رقمي، مما يفتح باب الاستثمار في الأوراق المالية الإسلامية أمام شريحة أوسع من المستثمرين.
سابعاً: التحديات — عقبات على طريق النضج
على الرغم من الزخم الكبير الذي يشهده القطاع، فإنه يواجه جملة من التحديات التي يجب التعامل معها بشكل استراتيجي لضمان الاستدامة والنمو.
تحديات الكوادر البشرية
يعاني قطاع التقنية المالية، كغيره من القطاعات التقنية المتخصصة، من ندرة الكفاءات المتخصصة التي تجمع بين خبرة المال ومهارات التقنية. فمصممو منتجات الفينتك ومحللو البيانات المالية والمطورون المتخصصون في الأمن المالي ليسوا متوفرين بالأعداد التي يحتاجها السوق. ويستدعي هذا الواقع استثماراً مضاعفاً في التعليم والتدريب والشراكات مع الجامعات والمعاهد التقنية.
الأمن السيبراني وحماية البيانات
مع تصاعد الاعتماد على الخدمات المالية الرقمية، تتصاعد معه المخاطر السيبرانية. فالمؤسسات المالية الرقمية هي هدف دائم لمنفذي الهجمات الإلكترونية، ومن ثمّ تصبح الاستثمارات في الأمن السيبراني التزاماً وجودياً لا خياراً. كما تطرح مسألة حماية بيانات العملاء في ظل نماذج المصرفية المفتوحة تساؤلات جدية حول حدود مشاركة المعلومات وضمانات خصوصية المستخدم.
المنافسة مع البنوك التقليدية
لا تقف البنوك التقليدية مكتوفة الأيدي أمام هذه الموجة؛ فهي تستثمر بكثافة في تحويلها الرقمي وتُطلق تطبيقاتها وخدماتها المتطورة، مستعيلةً بقواعد عملاء ضخمة وثقة راسخة وملاءة مالية هائلة. وهذا يضع شركات الفينتك الناشئة في منافسة شرسة مع لاعبين راسخين يمتلكون موارد هائلة.
ثقة المستهلك وشمول مناطق الهامش
على الرغم من الانتشار الواسع للهواتف الذكية، لا تزال هناك فجوات في الثقة الرقمية لدى شرائح معينة من السكان، خاصةً في المناطق الأقل حضارة والفئات الأكبر سناً. كما أن المقيمين الأجانب الذين يشكّلون نسبة كبيرة من سكان المملكة يواجهون أحياناً قيوداً في الوصول إلى بعض الخدمات المالية الرقمية.
التوازن التنظيمي
تواجه الجهات التنظيمية تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين تحفيز الابتكار من جهة والحفاظ على الاستقرار المالي وحماية المستهلك من جهة أخرى. فالتنظيم المفرط يخنق الإبداع، بينما التساهل المفرط يعرّض النظام المالي لمخاطر غير محسوبة.
ثامناً: الفينتك وأثره الاجتماعي — أبعاد تتجاوز الربح
لا يمكن قصر قراءة قطاع الفينتك على الأرقام الاقتصادية وحدها، إذ يمتد أثره ليمس حياة الناس اليومية بأبعاد اجتماعية بالغة الأهمية.
الشمول المالي
يمثل الشمول المالي أحد أبرز الإنجازات التي يمكن نسبتها إلى ثورة الفينتك. فبفضل المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع والخدمات المصرفية الرقمية، بات بإمكان شرائح واسعة كانت بعيدة عن المنظومة المالية الرسمية — كصغار التجار والعمالة الوافدة وسكان المناطق النائية — الوصول إلى خدمات ائتمانية وادخارية وتحويل الأموال بسهولة ويسر.
تمكين المرأة اقتصادياً
أسهم الفينتك بشكل ملحوظ في تعزيز الاستقلالية الاقتصادية للمرأة السعودية، التي شهدت قدرتها على العمل وإدارة أعمالها تحولاً جذرياً في ظل رؤية 2030. فتطبيقات إدارة الأعمال والتسهيلات الائتمانية والمتاجر الإلكترونية منحت المرأة أدوات قوية لبناء مشاريعها وتنميتها من المنزل أو أي مكان آخر.
تحويلات العمالة الوافدة
تمثل تحويلات العمالة الوافدة جزءاً كبيراً من المعاملات المالية في المملكة، وقد أسهمت شركات الفينتك المتخصصة في تخفيض تكاليف هذه التحويلات بشكل ملحوظ وتسريع عمليات الإرسال، مما يعود بالنفع المباشر على ملايين العمال والأسر التي تعتمد عليهم.
تاسعاً: المملكة ضمن خارطة الفينتك الإقليمية والعالمية
تتنافس المملكة العربية السعودية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً دبي وأبوظبي، على لقب العاصمة الإقليمية للفينتك. وإذا كانت الإمارات تتقدم في بعض مؤشرات البيئة التنظيمية التي تسمح بنظم مالية أكثر تجريباً كالعملات المشفرة، فإن المملكة تتميز بحجمها السكاني الأكبر وقوة اقتصادها وعمق سوقها الداخلي.
وقد أدرك المستثمرون الدوليون هذه الفرصة، فتدفقت استثمارات رأس المال الجريء نحو الشركات الناشئة السعودية في قطاع الفينتك بأرقام قياسية. ويبقى مؤتمر “فينتك 24” الذي انطلق عام 2024 بالرياض رمزاً للطموح السعودي في أن تكون الرياض وجهةً عالمية للتقنية المالية، إذ يستضيف المؤتمر كبار صانعي القرار والمستثمرين والمبتكرين من مختلف أرجاء العالم.
عاشراً: المستقبل — آفاق واسعة أمام القطاع
يبدو المستقبل واعداً للفينتك السعودي، مدعوماً بعوامل هيكلية وسياقية قوية. فالدولة تواصل استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، وتتوسع مدن المستقبل كنيوم لتكون أرضاً تجريبية حقيقية لأكثر الحلول المالية ابتكاراً. كما تكتسب تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة حضوراً متصاعداً في تطبيقات الفينتك السعودية، سواء في نمذجة المخاطر أو تخصيص الخدمات أو اكتشاف الاحتيال.
ومن المرتقب أن تشهد السنوات القليلة المقبلة طفرة في قطاع الذهب والمعادن الرقمية والسندات والصكوك المرمّزة (Tokenized Assets)، وهي مجالات تتقاطع فيها التقنية المالية مع تقنية البلوكتشين. كذلك يُتوقع أن تتوسع حلول التأمين الرقمي والثروة الرقمية (WealthTech) لتلبية احتياجات جيل جديد من المستثمرين الشباب.
وبعيداً عن التوقعات النظرية، ثمة مؤشر ملموس يكشف عن جدية التوجه: ففي عام 2025، تجاوزت المملكة أهدافها المرسومة في عدة مؤشرات للفينتك، مما يعني أن القطاع ينمو بوتيرة تفوق ما خطط له المخططون أنفسهم.
خاتمة: ملامح مملكة مالية جديدة
في غضون عقد واحد، انتقلت المملكة العربية السعودية من مجتمع يعتمد على النقد في غالبية معاملاته إلى دولة رائدة في المدفوعات الرقمية على المستوى الإقليمي. هذا التحول لم يكن محض حظ، بل كان حصيلة رؤية واضحة، وإرادة سياسية راسخة، وانخراط فعّال من القطاع الخاص، وثقافة شبابية متحمسة للتغيير.
قطاع الفينتك السعودي لم يعد مجرد قطاع ناشئ بحاجة إلى الرعاية؛ بل أصبح ركيزةً فاعلة في الاقتصاد الرقمي الوطني، تُؤثر في مسيرة البنوك وشركات التأمين وأسواق المال وحتى طريقة إدارة الأعمال الصغيرة. والمعادلة التي نجحت المملكة في بناؤها — جمع الإرادة الحكومية بالبيئة التنظيمية الحاضنة ورأس المال الجريء والكفاءات التقنية — هي ما يمنح هذا القطاع زخمه المستدام وتنافسيته الحقيقية.
تبقى التحديات قائمة، ولكن في ظل البنية التحتية المتطورة وسياسات تنظيمية مرنة وطموح لا يهدأ، يبدو أن المملكة ماضية بخطى واثقة نحو أن تكون أحد أهم مراكز التقنية المالية في العالم بحلول عام 2030 وما بعده. فالسؤال لم يعد “هل ستنجح المملكة في بناء منظومة فينتك متكاملة؟” بل أصبح: “كم من الوقت يلزم لتصبح الرياض عاصمةً عالمية للتقنية المالية؟”
اترك تعليقاً