قطاع السياحة في المملكة العربية السعودية

قطاع السياحة في المملكة العربية السعودية

قطاع السياحة في المملكة العربية السعودية

قطاع السياحة في المملكة العربية السعودية

من الانغلاق إلى الانفتاح: رحلة نحو وجهة عالمية

تقف المملكة العربية السعودية اليوم على أعتاب تحوّل تاريخي غير مسبوق، إذ تخوض رهاناً حضارياً كبيراً يرمي إلى تحويلها من دولة نفطية بامتياز إلى وجهة سياحية عالمية تستقطب ملايين الزوار من شتى أنحاء المعمورة. هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل جاء ثمرةً لرؤية استراتيجية طموحة تُعرف بـ”رؤية 2030″، التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2016، والتي جعلت من السياحة ركيزةً أساسية في مسيرة التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على عائدات النفط.

إن الحديث عن السياحة في المملكة العربية السعودية يعني الحديث عن بلد يمتلك من المقوّمات السياحية ما يكفي لمنافسة كبريات الوجهات العالمية؛ فهو يضمّ في أراضيه الواسعة الممتدة على أكثر من مليوني كيلومتر مربع، إرثاً حضارياً يمتد عبر آلاف السنين، ومواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وطبيعة خلابة تتنوع بين الصحراء الذهبية والجبال الخضراء والشواطئ الفيروزية. غير أن هذه الثروات ظلت حبيسة الغياب شبه التام عن الخريطة السياحية العالمية لعقود طويلة، بفعل سياسات الانغلاق وتقييد تأشيرات السياحة.

تسعى هذه المقالة إلى استعراض شامل لقطاع السياحة في المملكة العربية السعودية، من خلال تتبّع مساره التاريخي، وتحليل مقوّماته الجوهرية، وقراءة أبرز المشاريع العملاقة التي تُنفَّذ على أرض الواقع، والوقوف عند التحديات التي تعترض هذا المسار، والنظر في آفاق المستقبل التي ترسمها الخطط الاستراتيجية الطموحة.

أولاً: السياق التاريخي — متى فُتحت أبواب السياحة السعودية؟

لفهم الواقع السياحي الراهن في المملكة العربية السعودية، لا بدّ من العودة إلى الجذور التاريخية التي شكّلت ملامح هذا القطاع وأثّرت في مساره. فعلى مدى عقود، كانت المملكة تُعدّ وجهةً سياحية من نوع خاص جداً، إذ كان جُلّ الزيارات الوافدة إليها ذات طابع ديني بحت، يتمثّل في أداء فريضة الحج والعمرة، حيث تستقبل الأراضي المقدسة سنوياً ما يزيد على عشرة ملايين زائر قادمين من أصقاع الأرض للطواف بالكعبة المشرفة والسعي بين الصفا والمروة وزيارة المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة.

أما السياحة الترفيهية والثقافية، فقد ظلت شبه محظورة أو مقيّدة بصرامة حتى سنوات قريبة؛ إذ كانت تأشيرات السياحة لا تُمنح إلا في أضيق الحدود، وكانت قواعد اللباس والسلوك العام تُشكّل رادعاً أمام الزوار الأجانب. وكان الترفيه العام في المملكة يكاد يكون منعدماً، بعد أن أُغلقت دور السينما نحو عام 1980، ومُنعت الحفلات الموسيقية، وقُيّدت الفعاليات الرياضية الكبرى.

بيد أن عجلة التغيير بدأت تدور بوتيرة متسارعة منذ عام 2016، حين أعلنت الحكومة السعودية عزمها تحويل السياحة إلى محرك رئيسي للاقتصاد الوطني. ففي عام 2018، سُمح بإقامة الحفلات الموسيقية والفعاليات الترفيهية، وعادت دور السينما لتُفتح أبوابها بعد غياب طويل. وفي سبتمبر 2019، أعلنت المملكة عن منح تأشيرات السياحة السياحية لمواطني 49 دولة لأول مرة في تاريخها، وهو إجراء وُصف بأنه “نقطة تحول تاريخية” في مسيرة الانفتاح السعودي على العالم.

ثانياً: المقوّمات السياحية — ما الذي تملكه المملكة؟

1. الإرث الأثري والحضاري

تزخر المملكة العربية السعودية بكنوز أثرية وحضارية تُدهش المختصين وتُبهر الزوار. وتتصدّر هذه الكنوز مدينة العُلا في منطقة المدينة المنورة، التي تحتضن موقع الحِجر (المعروف بمدائن صالح)، وهو أول موقع سعودي يُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008. يُمثّل الحِجر حاضرة الأنباط الجنوبية، ويضمّ أكثر من مئة مقبرة منحوتة في الصخر بدقة مذهلة تُعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، مما يجعله منافساً جدياً لمدينة البتراء الأردنية الشهيرة.

وإلى جانب الحِجر، تشهد العُلا وجود آلاف المواقع الأثرية التي تعود إلى حضارات متعددة، من بينها الحضارة الدادانية واللحيانية، فضلاً عن نقوش صخرية وكتابات قديمة تُغطّي آلاف الكيلومترات. ولا تقل الدرعية أهمية تاريخية عن العُلا، إذ تُمثّل المسقط الأصلي لتأسيس الدولة السعودية الأولى في القرن الثامن عشر، وقد أُدرجت هي الأخرى على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتجري الآن أعمال ترميم واسعة لتحويلها إلى وجهة ثقافية وسياحية من الدرجة الأولى.

أما جدة التاريخية بأسواقها القديمة وبيوتها ذات الروشان المميّز، فقد نالت بدورها اعتراف اليونسكو بتسجيلها على قائمة التراث العالمي عام 2014، لتُشكّل نافذة حيّة على تاريخ التجارة والتنوع الثقافي في المدينة التي كانت بوابة الحجاز إلى العالم.

2. الطبيعة المتنوعة

لا تُقلّ الجغرافيا السعودية أهمية عن تاريخها؛ فالمملكة تمتلك تنوعاً طبيعياً نادراً يجمع بين:

  • الصحراء الكبرى: الربع الخالي الذي يُعدّ أكبر كتلة رملية متواصلة في العالم، وهو مقصد لعشاق السياحة الصحراوية وركوب الإبل وسفاري الرمال.
  • جبال عسير وتبوك: التي تتمتع بطقس معتدل في الصيف وأمطار وخضرة لافتة تختلف اختلافاً جذرياً عن الصورة النمطية للمملكة.
  • السواحل البحرية: بأكثر من 2600 كيلومتر على البحر الأحمر، وأكثر من 500 كيلومتر على الخليج العربي، وما تحتويه من شعاب مرجانية بكر وأسماك ملونة تجعل منها وجهة مثالية للغوص وركوب الأمواج.
  • واحات النخيل والعيون: كواحة الأحساء التي سُجّلت على قائمة التراث العالمي عام 2018 بوصفها أكبر واحة نخيل في العالم.

3. التراث غير المادي

إلى جانب المواقع والطبيعة، تمتلك المملكة رصيداً ثقافياً غير مادي بالغ الثراء، يشمل: فنون الأداء التقليدية كالعرضة السعودية، والمطبخ السعودي بتنوعه الإقليمي الغني، وفنون الخيل والصقارة التي تُعدّ الأخيرة مدرجة على قائمة التراث غير المادي لليونسكو، وصناعات يدوية تقليدية كالنسيج والتطريز والفخار.

ثالثاً: رؤية 2030 وقطاع السياحة — الأهداف والاستراتيجيات

تُولي رؤية 2030 اهتماماً استثنائياً لقطاع السياحة، إذ تضع له أهدافاً رقمية طموحة تكشف عن حجم الرهان على هذا القطاع. فقد حدّدت الرؤية هدفاً يقضي بأن تُسهم السياحة بما يصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، مقابل أقل من 3% في عام 2016، كما تستهدف الرؤية استقطاب 100 مليون زيارة سنوياً بحلول العام ذاته، وتوفير ما بين 500,000 ومليون فرصة عمل في القطاع السياحي.

ولتحقيق هذه الأهداف، أُسّست الهيئة السعودية للسياحة (المعروفة سابقاً بالهيئة السعودية للسياحة والتراث الوطني) بوصفها المظلة التنظيمية الرئيسية للقطاع، وخُصّصت لها ميزانيات ضخمة لتطوير البنية التحتية السياحية وتسويق الوجهة السعودية على المستوى الدولي. كما أُطلق صندوق الاستثمارات العامة -وهو أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم- العنان لاستثمارات عملاقة في المشاريع السياحية الكبرى.

ومن أبرز الإصلاحات التي طالت منظومة السياحة في إطار رؤية 2030:

  • تحرير نظام التأشيرات: وإطلاق تأشيرة سياحية إلكترونية تُمنح في دقائق لمواطني 49 دولة.
  • تطوير الترفيه: وإنشاء هيئة الترفيه المختصة بتنظيم الفعاليات والحفلات والمهرجانات.
  • الاستثمار في البنية التحتية: بما يشمل توسعة المطارات وشبكات النقل وبناء الفنادق.
  • برامج التأهيل والتدريب: لرفع كفاءة الكوادر البشرية في القطاع السياحي والضيافة.

رابعاً: المشاريع العملاقة — مستقبل ينبثق من الصحراء

شكّل إطار رؤية 2030 الأرضية التي انطلقت منها مشاريع سياحية ضخمة لم تشهد لها المنطقة مثيلاً من حيث الحجم والطموح:

1. نيوم — مدينة المستقبل

يُعدّ مشروع نيوم الأضخم والأكثر إثارة للجدل في قائمة المشاريع السعودية الكبرى. يقع المشروع في منطقة تبوك شمال غرب المملكة، ويمتد على مساحة تزيد على 26,000 كيلومتر مربع. يهدف المشروع إلى بناء مجمّع حضاري ومناطق سياحية متكاملة تعتمد اعتماداً كاملاً على الطاقة المتجددة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن أبرز مكوّنات نيوم: ذا لاين، المدينة الخطية التي يبلغ طولها 170 كيلومتراً وترتفع إلى 500 متر، وهي مصمّمة لاستيعاب تسعة ملايين نسمة دون سيارات أو طرق تقليدية. وتروجينا، المنتجع الجبلي المصمَّم للتزلج والرياضات الجبلية في بيئة خارج المألوف. وسينداﻻ، جزيرة سياحية فاخرة مطلّة على البحر الأحمر. رغم الانتقادات التي يواجهها المشروع على صعيد الجدوى الاقتصادية والتساؤلات حول موعد اكتماله، يظل نيوم تعبيراً صارخاً عن الطموح السعودي في رسم خريطة سياحية جديدة.

2. البحر الأحمر — لؤلؤة الوجهات الفاخرة

يُعدّ مشروع البحر الأحمر واحداً من أكثر المشاريع السياحية نضجاً على صعيد التنفيذ الفعلي. يقع المشروع على ساحل البحر الأحمر شمال غرب المملكة، ويمتد على مساحة تعادل مساحة بلجيكا تقريباً، ويضمّ أرخبيلاً من الجزر البكر والشعاب المرجانية والبيئات الطبيعية المتنوعة.

يستهدف المشروع قطاع السياحة الفاخرة المستدامة، إذ تُدار الأنشطة فيه وفق معايير بيئية صارمة تستهدف الحفاظ على النظم البيئية البحرية النادرة. وقد شرعت عدة فنادق فاخرة في استقبال الضيوف منذ عامَي 2023 و2024، فيما تواصل بقية المنشآت مسيرة التطوير.

3. القدية — عاصمة الترفيه

تقع مدينة القدية على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب الرياض، وتُطرح بوصفها “عاصمة الترفيه والرياضة والفنون” في المملكة. تشمل خطط المشروع مدينة ترفيهية ضخمة شبيهة بديزني لاند، وحلبة لسباقات الفورمولا 1، ومنتزهات ألعاب مائية، ومرافق رياضية متنوعة، ومراكز للفنون والثقافة. يستهدف المشروع أساساً السوق الداخلي السعودي فضلاً عن الزوار من دول الخليج والمنطقة العربية.

4. العُلا — تحف تاريخية في قلب الصحراء

تُعدّ العُلا من أنجح مشاريع السياحة الثقافية في المملكة حتى الآن، إذ شهدت قفزة نوعية في أعداد الزوار منذ إطلاق البرنامج الشامل لتطويرها. تُنظّم فيها سنوياً فعاليات ثقافية وفنية وموسيقية دولية مميّزة، من بينها موسم العُلا ومهرجان شتاء طنطورة، الذي يستقطب فنانين وجمهوراً من مختلف أنحاء العالم، في مشهد بديع يجمع الفن المعاصر بالأثر العريق.

خامساً: السياحة الدينية — الركيزة التاريخية الثابتة

لا يمكن الحديث عن السياحة في المملكة العربية السعودية دون التوقف عند السياحة الدينية، التي تظل الركيزة الأعمق أثراً والأرسخ جذوراً في المنظومة السياحية السعودية بأسرها. فمكة المكرمة والمدينة المنورة تحتضنان المسجد الحرام والمسجد النبوي، وهما أقدس بقعتين على وجه الأرض في الإسلام، مما يجعل المملكة وجهة لا بديل عنها لأكثر من مليار وثمانمئة مليون مسلم حول العالم.

يستقطب موسم الحج وحده نحو 2.5 مليون حاج سنوياً من شتى أصقاع الأرض، فيما تفوق أعداد المعتمرين على مدار العام اثني عشر مليون زائر، وهو رقم تسعى المملكة إلى رفعه إلى ثلاثين مليون معتمر بحلول عام 2030. وقد ضخّت الحكومة استثمارات ضخمة في تطوير البنية التحتية للمشاعر المقدسة وتحديث منظومة الخدمات المقدّمة للحجاج والمعتمرين، من توسعات للمسجد الحرام إلى أنظمة نقل متطورة وفنادق فارهة على مرمى حجر من الكعبة المشرفة.

وتتمتع السياحة الدينية بميزة فريدة تُميّزها عن سائر أشكال السياحة، إذ تنبع دوافعها من عمق الإيمان والمعتقد لا من مجرد الترفيه أو الفضول، مما يكفل لها استمرارية وزخماً دائمَين بصرف النظر عن التقلبات الاقتصادية أو تقلبات أسواق السفر العالمية.

سادساً: السياحة الداخلية — كنز مهمَل في طور الاكتشاف

لا تقلّ السياحة الداخلية أهمية عن السياحة الوافدة في الحسابات السياحية السعودية، بل إنها في مرحلة ما تُعدّ المحرّك الفعلي للقطاع في المرحلة الراهنة. فالمملكة تمتلك قاعدة سكانية شابة تتجاوز نسبة من هم دون الخامسة والثلاثين فيها 60% من إجمالي السكان البالغ نحو 36 مليون نسمة، وهو ما يُشكّل سوقاً سياحية داخلية واعدة تتوق إلى خيارات ترفيهية وسياحية متنوعة.

كان السعوديون تاريخياً يُنفقون مبالغ طائلة في رحلاتهم الخارجية، خاصة إلى مصر وتركيا وأوروبا والولايات المتحدة. غير أن التحولات التي شهدتها المملكة في مجال الترفيه والقطاع السياحي بدّلت كثيراً من هذه المعادلة، إذ باتت المناطق السياحية الداخلية تستقطب إقبالاً متزايداً من المواطنين السعودين. وتُسهم مواسم الصيف في المناطق الجبلية كأبها والطائف في استيعاب قطاع عريض من المصطافين السعوديين الذين دأبوا سابقاً على قضاء إجازاتهم في الخارج.

سابعاً: التحديات والعوائق — ما الذي يُعيق التحليق؟

على الرغم من الزخم الكبير الذي يشهده قطاع السياحة السعودية، ثمة تحديات جوهرية لا يمكن التغاضي عنها:

1. تحدي الصورة الذهنية

لا تزال الصورة الذهنية عن المملكة لدى كثير من الغربيين مثقلةً بحزمة من المفاهيم المسبقة المرتبطة بالقيود الاجتماعية والدينية. وقد تعرّضت المملكة لانتقادات دولية حادة على خلفية قضايا حقوقية بارزة، كان أبرزها مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة صناعة السياحة على التطور بمعزل عن المناخ السياسي والحقوقي العام.

2. البنية التحتية والكفاءات البشرية

تحتاج المملكة إلى استثمارات ضخمة في بنيتها التحتية السياحية خارج المدن الكبرى، كما تواجه نقصاً ملحوظاً في الكوادر المؤهلة في مجالَي الضيافة والإدارة السياحية. فبناء صناعة سياحية متكاملة يستلزم سنوات من التأهيل المؤسسي والتدريب المهني وبناء المنظومة التشريعية والتنظيمية المواكبة.

3. التعارض بين الانفتاح والهوية

يطرح الانفتاح السياحي تساؤلات عميقة حول حدود التوفيق بين متطلبات الجذب السياحي الدولي ومتطلبات الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للمجتمع السعودي. فبعض فئات المجتمع لا تزال تنظر بعين متحفظة إلى بعض المستجدات الترفيهية والاجتماعية المرافقة للانفتاح السياحي.

4. التنافسية الإقليمية والعالمية

تخوض المملكة منافسة شرسة مع وجهات سياحية إقليمية راسخة كدبي وأبوظبي وسلطنة عُمان والأردن ومصر، فضلاً عن المنافسة مع الوجهات العالمية التقليدية. وإقناع السائح العالمي باختيار المملكة وجهةً سياحية مفضّلة يستلزم تقديم تجربة تتجاوز في إبهارها ما تقدّمه هذه الوجهات المتمرسة.

5. الاعتماد الزائد على النفط في تمويل التحوّل

يُموَّل معظم الاستثمار في البنية التحتية السياحية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من عائدات النفط عبر صندوق الاستثمارات العامة، مما يعني أن تقلبات أسعار النفط قد تُلقي بظلالها على وتيرة تنفيذ هذه المشاريع واستدامتها.

ثامناً: المشهد الراهن — أرقام وحقائق

شهد قطاع السياحة السعودية نمواً لافتاً في السنوات الأخيرة، وإن كانت جائحة كوفيد-19 قد ألقت بظلالها الثقيلة على القطاع في عامَي 2020 و2021. ومع انقشاع غبار الجائحة، استعادت السياحة السعودية زخمها بوتيرة تفوق التوقعات، حيث سجّلت المملكة في عام 2023 استقبال نحو 100 مليون زيارة تشمل الزيارات السياحية والدينية والتجارية والترانزيت، وهو رقم بلغت به الرؤية هدفها المنشود قبل موعده المحدد بسبع سنوات كاملة، وإن كانت التساؤلات لا تزال مطروحة حول تعريف “الزيارة” المعتمد في هذا الإحصاء ودقته.

وعلى صعيد الإيرادات، ارتفع دخل السياحة الدولية ارتفاعاً ملحوظاً، في حين شهد قطاع الفنادق نمواً في نسب الإشغال، خاصة في الرياض وجدة والمناطق المجاورة للمشاعر المقدسة. كما شهدت أعداد شركات الطيران وخطوط الرحلات الجوية الوافدة إلى المملكة نمواً ملموساً، وإن كانت القدرة الاستيعابية الجوية لا تزال دون طموحات القطاع بفترات الذروة.

تاسعاً: الفرص المستقبلية — نحو وجهة سياحية رائدة

تزخر الساحة السياحية السعودية بفرص واعدة يمكن توظيفها لتسريع مسيرة النمو:

السياحة الرياضية: استضافت المملكة في السنوات الأخيرة فعاليات رياضية دولية كبرى، من سباقات الفورمولا 1 في جدة، وبطولات الملاكمة على الألقاب العالمية، وبطولات الغولف العالمية (LIV Golf)، ومباريات كرة القدم التي جُلبت فيها نجوم عالميون من أمثال كريستيانو رونالدو وكريم بنزمة للعب في الدوري السعودي للمحترفين. وتسعى المملكة إلى استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2034، وهو ما يعني استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرياضية والسياحية معاً.

سياحة الصحة والعافية: تتجه المملكة نحو استثمار طبيعتها المتنوعة وتراثها العلاجي التقليدي في استقطاب سياح الصحة والعافية، وهو قطاع يشهد نمواً عالمياً متسارعاً.

سياحة المؤتمرات والفعاليات: تمتلك المملكة بنية تحتية متطورة للمؤتمرات والمعارض والقمم الدولية، وهي قطاع ينمو بثبات ويستقطب زواراً عالي القيمة.

الاستدامة البيئية: تمثّل نماذج السياحة المستدامة فرصة ذهبية لأن تُقدّم المملكة نفسها بصورة مغايرة أمام جيل من السياح الواعين بيئياً، وهو ما تسعى إليه مشاريع كمشروع البحر الأحمر.

خاتمة

يقف قطاع السياحة السعودي اليوم على مفترق طرق حاسم في مسيرته نحو التحوّل. فمنذ أن أطلقت رؤية 2030 الشرارة الأولى لإعادة رسم ملامح هذا القطاع، قطعت المملكة شوطاً بعيداً في مسيرة الانفتاح السياحي، وجاءت بمشاريع طموحة وإصلاحات جريئة لم يكن كثيرون يتصوّرون حدوثها في هذا التوقيت. غير أن الطريق لا يزال طويلاً والتحديات لا تزال ماثلة، وثمة مسافة شاسعة بين الطموحات المُعلنة والواقع المُنجَز على أرض الميدان.

ومع ذلك، فإن ما تحقّق حتى الآن يُنبئ بمستقبل واعد إذا ما توافرت الإرادة المستمرة والإدارة الرشيدة والاستثمار المدروس في العنصر البشري قبل الحجر والبنيان. فالمملكة العربية السعودية تمتلك من المقوّمات السياحية ما يكفي لأن تحتل موقعاً متقدماً على الخريطة السياحية العالمية؛ تاريخ عريق، وطبيعة متنوعة، وموقع جغرافي استراتيجي في قلب العالم القديم، وثروة بشرية شابة طاقتها متجددة. يبقى السؤال: كيف ستُوظّف المملكة هذه الثروات لصياغة تجربة سياحية فريدة تستحضر عراقة الماضي وتستشرف آفاق المستقبل في آنٍ معاً؟

الأيام القادمة وحدها ستكشف الإجابة. لكن واحداً وأربعين مليون سائح يزورون ما كان حتى أمس قريب بلداً مغلقاً أمام السياحة — هذه وحدها أقوى دليل على أن ثمة قصة سياحية سعودية جديدة بدأت تُكتب فصولها بثقة ودأب.