كنوز مدفونة تحت الرمال: الآثار التاريخية غير المكتشفة في محافظة العلا
كنوز مدفونة تحت الرمال: الآثار التاريخية غير المكتشفة في محافظة العلا
كنوز مدفونة تحت الرمال: الآثار التاريخية غير المكتشفة في محافظة العلا
مدينة في قلب الزمن
في الشمال الغربي من المملكة العربية السعودية، حيث تلتقي الجبال الحمراء بالوديان الفسيحة والنخيل الباسق، تقع محافظة العلا؛ تلك البقعة الجغرافية التي تختزن في باطنها وعلى سطحها ذاكرةً بشرية امتدت عبر آلاف السنين. إنها ليست مجرد منطقة أثرية، بل هي كتاب مفتوح تُقرأ صفحاته على جدران الصخور وفي أعماق الأرض، وفي كل واد وكل ممر جبلي. غير أن هذا الكتاب لم تُقرأ منه سوى فصول قليلة، بينما تنتظر فصول أخرى لا تُحصى يدَ الباحث والأثري ليُميط اللثام عنها.
تمتد محافظة العلا على مساحة تقارب ثمانية وعشرين ألف كيلومتر مربع، وقد عُرفت قديماً بأسماء متعددة؛ فهي “ديدان” في نقوش اللحيانيين، و”الحِجر” في المصادر النبطية، وقد وردت في المصادر الإسلامية المبكرة باعتبارها ممراً رئيسياً على طريق الحج والتجارة. وعلى امتداد هذا التاريخ العريق، تراكمت الحضارات فوق بعضها: من الأنباط إلى اللحيانيين إلى الثموديين إلى الأنباط مجدداً، ثم الرومان والبيزنطيون والإسلاميون، وكل منهم ترك بصماته في هذه الأرض، وكثير من تلك البصمات لا يزال ينتظر من يكتشفه.
الإرث الأثري المعروف: نقطة انطلاق لا نقطة نهاية
لا يمكن الحديث عن الآثار غير المكتشفة دون استحضار ما هو معروف أصلاً، إذ يُشكّل المعروف الإطار الذي يُقدّر من خلاله حجم المجهول. فمدائن صالح، أو الحِجر، التي أُدرجت عام 2008 ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، تحتضن ما يزيد على مئة وإحدى عشرة مقبرة نبطية منحوتة في الصخر، بواجهاتها المزخرفة وكتاباتها الأرامية المتقنة. إلا أن الدراسات الأثرية تُشير إلى أن المكتشف لا يُمثّل سوى جزء يسير مما ينتظر الكشف في المنطقة الأوسع المحيطة بهذه المواقع المعروفة.
كذلك تبرز العلا القديمة بمبانيها الطينية العتيقة التي تمتد جذورها إلى ما قبل الإسلام، وتُعدّ من أقدم المدن المسكونة باستمرار في شبه الجزيرة العربية، إذ يُرجَّح أن الاستيطان البشري فيها يعود إلى ما يزيد على ألفي سنة قبل الميلاد. وبالقرب منها تقع خريبة، وهو الاسم الذي يُطلقه أهل المنطقة على موقع ديدان القديمة، حاضرة اللحيانيين التي كانت في يوم ما مركزاً حضارياً مهيباً. ومع ذلك، فإن عمليات التنقيب في هذه المواقع جميعها تبقى في بداياتها، ولم تتجاوز في أحسن أحوالها عشرة بالمئة من المساحة التي ينبغي أن تُغطى.
الحضارة اللحيانية: أسرار لم تُكشف بعد
تُعدّ الحضارة اللحيانية من أكثر الحضارات العربية القديمة غموضاً وإثارة في الوقت ذاته. قامت مملكة لحيان في الألفية الأولى قبل الميلاد في منطقة العلا وما جاورها، وخلّفت وراءها آلاف النقوش اللحيانية والمنحوتات الصخرية والتماثيل الأنثروبومورفية. ولكن على الرغم من وفرة الآثار السطحية، يظل الكثير مجهولاً عن هيكل هذه المملكة وعلاقاتها التجارية والدبلوماسية، بل وعن أصولها العرقية واللغوية.
في موقع خريبة تحديداً، حيث كانت تقع عاصمة اللحيانيين، أجرت البعثات الأثرية الفرنسية والسعودية المشتركة خلال السنوات الأخيرة تنقيبات مكثفة، وأسفرت عن اكتشافات مذهلة: تماثيل ضخمة لأسود يُرجَّح أنها زيّنت مداخل المعابد، ومذابح حجرية منقوشة، ومخازن كبيرة تكشف عن نشاط تجاري واسع النطاق. غير أن هذه الاكتشافات تُفتح أسئلة أكثر مما تُغلق: أين معبد الإله ذو غابة؟ أين قصر ملوك لحيان؟ وما الذي تخفيه الطبقات العميقة تحت المدينة المكشوفة؟
يُشير الباحثون إلى أن المدينة اللحيانية ربما كانت أكبر بكثير مما يظهر على السطح، وأن الجزء الأكبر منها قد يكون محمياً تحت طبقات من الرسوبيات الجيولوجية التي تراكمت عبر قرون. وقد أكدت صور الأقمار الاصطناعية الحديثة والدراسات الجيوفيزيائية وجود تشكيلات تحت الأرض قد تكون بقايا مبانٍ ومنشآت لم يتكشف لها وجود بعد.
الوادي المخفي: وادي القرى وأسراره الدفينة
يمتد وادي القرى جنوب محافظة العلا امتداداً يربطها بخيبر والمدينة المنورة، وكان في العصور القديمة والإسلامية المبكرة طريقاً حيوياً تسلكه القوافل التجارية وجيوش الفتح. وذُكر الوادي في المصادر الإسلامية باعتباره من أخصب بقاع الجزيرة العربية وأكثرها تنوعاً سكانياً، إذ أقامت فيه جاليات يهودية وعربية مسيحية وثنيّة إلى جانب القبائل العربية الأصيلة.
ولعل أكثر ما يُثير الفضول الأثري في هذا الوادي هو احتمال وجود مدن وقرى اندثرت كلياً دون أن يبقى منها أثر ظاهر. فالنصوص التاريخية تذكر مستوطنات عديدة في هذا الوادي لم يُعثر لها على أي أثر مادي حتى الآن. وتُشير الدراسات الجيولوجية إلى أن بعض مجاري الأودية القديمة قد تغيّرت مساراتها، مما أدى إلى طمر مستوطنات كاملة تحت رواسب الفيضانات. ويرى بعض الباحثين أن ما يُعثر عليه من أدوات حجرية وفخارية على امتداد الوادي يُلمح إلى وجود مستوطنات بشرية تعود إلى العصر الحجري الحديث، وهو ما يجعل المنطقة بالغة الأهمية في تتبع تطور الحضارة الإنسانية في الجزيرة العربية.
المدافن الملكية النبطية: ما وراء مدائن صالح
حين يُذكر الأنباط في سياق العلا، ينصرف الذهن فوراً إلى المقابر المنحوتة الشهيرة في مدائن صالح. بيد أن الواقع يكشف أن الوجود النبطي في المنطقة كان أوسع وأعمق بكثير مما تُمثله هذه المقابر. فقد أسس الأنباط في القرن الأول قبل الميلاد مركزاً تجارياً وإدارياً مهماً في العلا، وكانت الحِجر المحطة الرئيسية على طريق القوافل بين بترا في الشمال والجزيرة العربية في الجنوب.
ويُعتقد بوجود مقابر نبطية إضافية في المناطق الجبلية المحيطة بالمواقع المعروفة، لا سيما في سلاسل جبال الحِجر الشرقية التي لم تُجرَ فيها مسوحات شاملة بعد. فضلاً عن ذلك، تُشير بعض التقارير الأثرية إلى وجود نظام مائي نبطي متطور — من قنوات وخزانات وسدود صغيرة — قد تكون أجزاء منه لا تزال مدفونة في الأودية المجاورة. وكانت قدرة الأنباط الهندسية على إدارة المياه من أبرز سمات حضارتهم، وقد مكّنتهم من تحويل المناطق الجافة إلى مناطق صالحة للزراعة والإقامة.
ثمة كذلك ما يُعرف بـ”الديوان” النبطي في مدائن صالح؛ وهي قاعة اجتماعات منحوتة في الصخر تكشف عن حياة اجتماعية راقية. ويُرجَّح وجود منشآت مشابهة في مواقع أخرى لم تُكتشف بعد، مما قد يُعيد رسم صورتنا عن النظام الاجتماعي النبطي في هذه المنطقة.
النقوش الصخرية: أرشيف الإنسانية المنسي
لعل أكثر الإرث الأثري غير المكتشف في العلا إثارةً هو النقوش الصخرية المبثوثة في آلاف الكيلومترات المربعة من الجبال والوديان. فقد بلغ عدد النقوش الصخرية الموثقة حتى الآن في منطقة شمال غرب الجزيرة العربية بشكل عام عشرات الآلاف، غير أن الباحثين يُقدّرون أن ما لم يُوثَّق بعد قد يفوق هذا العدد بأضعاف مضاعفة.
هذه النقوش ليست مجرد رسوم وخربشات، بل هي سجل حضاري من طراز فريد. فبعضها يُمثّل كتابات إبداعية في اللغتين الثمودية واللحيانية، وبعضها نقوش دينية وتعويذية، وبعضها الآخر خرائط وإشارات طريق خلّفها التجار والمسافرون. ومن بين هذه النقوش قد تكمن نصوص تاريخية نادرة تُلقي الضوء على حوادث ووقائع لم تُذكر في أي مصدر مكتوب آخر.
وفي إطار مشروع “تراث العلا الصخري” الذي انطلق بالتعاون بين هيئة التراث السعودية والجانب الفرنسي، جرى توثيق آلاف النقوش الجديدة، وكشفت بعضها عن كلمات وتعابير لغوية لم تُعرف من قبل في اللغات العربية القديمة. ومما يُلفت النظر أن بعض النقوش تُشير إلى وجود طرق تجارية فرعية لم تكن معروفة سابقاً، مما يعني احتمال وجود مستوطنات ومحطات قوافل على طول هذه الطرق لم يُعثر عليها بعد.
الاستيطان ما قبل التاريخي: جذور أعمق مما نتصور
قبل الأنباط واللحيانيين بآلاف السنين، كانت منطقة العلا مسكونة بجماعات بشرية تركت آثارها في الأدوات الحجرية والمواقع المفتوحة على الهواء. فالدراسات الجيوأثرية الحديثة التي أجرتها فرق بحثية دولية متعددة أثبتت أن المنطقة مرت في الألفية الرابعة قبل الميلاد — وربما قبل ذلك — بفترات مناخية رطبة جعلتها خصبةً وصالحة لاستيطان بشري كثيف.
وقد عُثر في وادي عفال وبعض الأودية المجاورة على أدوات صوانية تعود إلى ما قبل التاريخ، وعلى بقايا معسكرات للصيادين والجامعين. بيد أن التنقيب الممنهج في هذه المواقع لم يتم بعد. وتُشير المسوحات الجوية المنجزة مؤخراً إلى وجود تشكيلات دائرية وأشكال هندسية منتظمة على سطح الأرض في بعض المناطق النائية، قد تكون بقايا تجمعات سكنية أو مواقع طقسية من عصور ما قبل التاريخ. وهذه ما يُعرف في علم الآثار بـ”المسالك” أو “الكيتس” وهي تشكيلات حجرية طويلة رُصدت بصور الأقمار الاصطناعية وتنتشر بكثافة في منطقة العلا وما جاورها، ولا يزال وظيفتها ومعناها لغزاً أثرياً لم يُحسم.
الطريق التجاري القديم: ما خفي كان أعظم
كانت محافظة العلا جزءاً لا يتجزأ من شبكة الطرق التجارية القديمة التي ربطت اليمن والجزيرة العربية بالشام ومصر وبلاد الرافدين. وقد اشتُهر طريق البخور الذي ذاع صيته في المصادر الكلاسيكية اليونانية والرومانية، وكانت الحجر (مدائن صالح) من أبرز محطاته الرئيسية. غير أن المحطات الثانوية والفرعية على هذا الطريق لا تزال في معظمها مجهولة الهوية من الناحية الأثرية.
وقد وثّق الباحثون مؤخراً وجود آبار قديمة وأحواض مياه منحوتة في الصخر على امتداد طرق القوافل الفرعية، وهي علامات دالة على وجود خانات ومنازل للمسافرين لم يُعثر على بقاياها المعمارية. كما أن الكميات الكبيرة من الفخار الأجنبي — اليوناني والروماني والأردني — التي عُثر عليها في مواقع متفرقة، تُلمح إلى حجم التبادل التجاري وإلى وجود تجار مقيمين من حضارات مختلفة، ما يُرجّح وجود أحياء تجارية كوسموبوليتانية لم يُكشف عنها بعد.
المعابد والمقدسات: أثر الروح في الحجر
من أكثر المجالات التي تنتظر الكشف في العلا المعابد والمواقع الدينية. فعلى الرغم من أن بعض المذابح والتماثيل اللحيانية والنبطية قد أُكتشف، إلا أن مجمعات المعابد الكاملة لا تزال مفقودة. فمعبد ذو غابة، الإله الرئيسي للحيانيين، ذُكر في نقوش عديدة لكن لم يُعثر على موقعه الدقيق بشكل حاسم. وكذلك معبد الإله اللحياني “هان أكتب” الذي يُشار إليه في النقوش الكثيرة.
أما في العهد النبطي، فقد عُرف الأنباط بتشييد معابدهم على قمم الجبال والأماكن المرتفعة، وهو ما يُعسّر الوصول إليها والكشف عنها. وقد عُثر في مدائن صالح على منحوتات تُمثّل كوات للآلهة منقورة في الصخر، لكن المعابد الكاملة التي كانت تُكمل هذا المشهد الديني تبقى غائبة عن سجل الاكتشافات.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن العلا ربما احتضنت مواقع دينية مشتركة بين ثقافات متعددة، إذ كان المسافرون من شتى الأمم يمرون بها ويُقيمون شعائرهم الدينية فيها، مما يعني احتمال وجود معابد وأضرحة تعكس تنوعاً دينياً وحضارياً لا نظير له في المنطقة.
ثورة التكنولوجيا الأثرية: أدوات الكشف الجديدة
ما كان يستغرق قروناً في العمل الأثري التقليدي أصبح اليوم ممكناً في سنوات معدودة، بفضل الثورة التكنولوجية في أساليب المسح والتنقيب. وقد استفادت محافظة العلا من هذه الثورة استفادة كبيرة، وأسهمت في إعادة رسم الخريطة الأثرية للمنطقة.
تقنية الـ”ليدار” (LIDAR) وهي تقنية الرادار الضوئي المحمول جواً، أتاحت رسم خرائط تفصيلية لسطح الأرض تكشف التشكيلات المخفية تحت طبقات التربة والنباتات. وقد كشفت عمليات المسح بهذه التقنية عن ملامح بنى معمارية لم يكن يُشك في وجودها من قبل. كما أن التصوير الحراري من الجو يُمكّن من رصد الفوارق الحرارية في التربة التي تُنبئ بوجود فراغات وأبنية مطمورة.
أما تقنيات الرادار الأرضي والتصوير الزلزالي، فقد أُستخدمت بنجاح في بعض المواقع لتحديد مواضع الغرف والممرات المدفونة دون الحاجة إلى الحفر. وقد أظهرت النتائج الأولية لهذه المسوحات أن ما هو مخفي يفوق بمراحل ما هو ظاهر، ليس في مدائن صالح فحسب، بل في المنطقة الواسعة المحيطة بها.
مشروع تطوير العلا: فرصة تاريخية
في عام 2017 أُعلن عن مشروع تطوير محافظة العلا الذي تُشرف عليه الهيئة الملكية لمحافظة العلا، وهو مشروع طموح يهدف إلى تحويل المنطقة إلى وجهة سياحية ثقافية عالمية. وقد أفضى هذا الإعلان إلى تصاعد حاد في وتيرة العمل الأثري، إذ انضمت بعثات دولية عديدة من فرنسا وبريطانيا وأستراليا وإيطاليا وغيرها إلى جانب الفرق السعودية.
ويُمثّل هذا المشروع فرصة تاريخية نادرة للكشف عن كنوز العلا الأثرية المدفونة، لكنه يُمثّل في الوقت ذاته تحدياً صعباً: كيف يمكن الموازنة بين سرعة التطوير ومتطلبات التنمية الاقتصادية من جهة، وضرورة الحماية الدقيقة للإرث الأثري الذي قد يتضرر إذا لم تُتخذ الاحتياطات الكافية من جهة أخرى؟
وقد أبدت الهيئة الملكية لمحافظة العلا التزاماً واضحاً بجعل العلم والأثر في قلب مشروع التطوير، وليس هامشاً جانبياً له. ومن أبرز ما تحقق حتى الآن إطلاق برنامج البعثات الأثرية الدولية الذي يُموّل عشرات المشاريع البحثية في آنٍ واحد، وإنشاء مركز الدراسات والبحوث التابع للهيئة الذي يُعدّ مرجعاً للباحثين من مختلف أنحاء العالم.
التحديات التي تعترض الاكتشاف
على الرغم من الزخم البحثي الكبير الذي تشهده العلا، تبقى ثمة تحديات جوهرية تُعيق عملية الاكتشاف الأثري الشامل. فمن الناحية الجغرافية، تتسم المنطقة بتضاريس وعرة وشُح في الموارد المائية، مما يجعل المسح الميداني الشامل مكلفاً وشاقاً. كما أن درجات الحرارة العالية في فصل الصيف تُقيّد مواسم الحفر في حدود ضيقة.
ومن الناحية العلمية، تُشكّل تعدد الطبقات الحضارية المتراكمة في موقع واحد تحدياً منهجياً حقيقياً؛ فالحفر في موقع ما يعني المرور عبر طبقات إسلامية ثم بيزنطية ثم نبطية ثم لحيانية ثم ثمودية، وكل طبقة تستوجب عناية خاصة ومنهجية مختلفة. والخطأ في هذه العملية يعني تدمير أثر لا يمكن استعادته.
وثمة تحدٍّ قانوني وإداري يتعلق بتنظيم حقوق النشر والبحث بين الجانب السعودي والبعثات الدولية، فضلاً عن مسائل التراخيص وحقوق الوصول إلى مناطق قد تكون ذات حساسية أمنية. وكل ذلك يُبطئ وتيرة العمل ويستلزم تعاوناً مؤسسياً محكماً.
الآفاق المستقبلية: ما قد تكشفه السنوات القادمة
يتفق معظم الأثريين العاملين في العلا على أن العقود القادمة ستشهد اكتشافات ذات أثر بالغ في فهمنا للتاريخ العربي القديم وتاريخ الحضارة الإنسانية بوجه عام. فإذا صحّت التقديرات بأن المكتشف لا يمثّل سوى جزء يسير من المجهول، فإننا نقف أمام احتمال اكتشاف مدن بأكملها، ومقابر ملكية، ومعابد ضخمة، وأرشيفات نصية مكتوبة على جلد أو ورق بردي أو ألواح طينية — وكل ذلك من شأنه إعادة كتابة صفحات من تاريخ المنطقة.
وربما يكون أعظم ما يمكن اكتشافه قاعدة بيانات نصية ولغوية تُمكّن من فك رموز اللغة اللحيانية بصورة أكثر شمولاً. فهذه اللغة التي لا تزال تُقاوم الفهم الكامل قد تحمل في طياتها معلومات تاريخية وأدبية ودينية لا يمكن تقدير قيمتها.
كما يظل احتمال العثور على مقابر ملكية لملوك لحيان أو كبار أثرياء الأنباط غير مسلوبة ومحتفظة بمحتوياتها الأصلية من أكبر إغراءات البحث الأثري في المنطقة. فمقابر الأثرياء في العالم القديم كانت دائماً مستودعاً للفنون والمعادن النفيسة والنصوص المكتوبة والمنتجات التجارية من أصقاع بعيدة.
خاتمة: العلا ليست منطقة أثرية، بل هي حضارة بأسرها
حين تقف أمام الكتل الصخرية الحمراء في العلا وتنظر إلى الأفق البعيد حيث تتلاشى الجبال في ضباب الحر، تستشعر ثقل التاريخ المتراكم فيها. هذه الأرض لم تكن يوماً هامشاً أو ممراً عابراً في تاريخ المنطقة، بل كانت مركزاً نابضاً بالحياة، وملتقىً للحضارات، وبوتقة اندمجت فيها ثقافات متنوعة لتُفرز حضارات أصيلة ذات طابع خاص.
ما لا يزال مجهولاً في العلا لا يُعدّ نقصاً في علمنا بقدر ما هو دعوة مفتوحة لأجيال من الباحثين والأثريين والمؤرخين. فكل حفرية جديدة، وكل نقش يُكتشف، وكل مبنى يُستخرج من أحضان الأرض يُضيف ورقة جديدة في كتاب التاريخ الإنساني الكبير. والعلا لا تزال تُمسك بأسرارها بيد راسخة، لكنها تُلمح في الوقت ذاته بعين شبه مفتوحة أن ثمة الكثير مما ينتظر من يكتشفه.
ولعل من أبلغ ما قاله أحد الأثريين البارزين الذين قضوا سنواتٍ يعملون في هذه الأرض المحباة: “كلما أجبنا عن سؤال في العلا، طرح علينا الحجر عشرة أسئلة جديدة”. وهذا هو جوهر العلا وسرّها الأعمق: أنها ليست مجرد موقع أثري، بل هي حضارة بأسرها لا تزال تنتظر أن تُقرأ.