محمد بن سلمان: رجل التحولات الكبرى وصانع السعودية الجديدة
محمد بن سلمان: رجل التحولات الكبرى وصانع السعودية الجديدة
محمد بن سلمان: رجل التحولات الكبرى وصانع السعودية الجديدة
صعود نجم في سماء الخليج
في عالم السياسة الدولية المتشابك والمتقلب، نادراً ما يبرز قائد بالسرعة والحدة التي برز بها الأمير محمد بن سلمان آل سعود، ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء. منذ أن خطا أولى خطواته نحو دوائر القرار الحقيقي في المملكة العربية السعودية، وهو يُعيد تشكيل ملامح واحدة من أهم الدول في العالم الإسلامي والاقتصادي على حدٍّ سواء، وبوتيرة لم يألفها المراقبون في تاريخ المملكة الحديث.
وُلد الأمير محمد بن سلمان في الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1985م، وهو الابن الخامس للملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود من زوجته الأميرة فهدة بنت فلاح آل حثلين. نشأ في كنف أسرة حاكمة امتدت على رقعة أرض شاسعة تضم ثروات نفطية هائلة وثقلاً دينياً لا مثيل له بحكم احتضانها لأقدس البقاع الإسلامية. غير أن الرجل الذي يعرفه العالم اليوم باسم “MBS”، كما يُختصر اسمه في الصحافة الدولية، لم يكن مجرد وريثٍ لعرش عائلي، بل تحوّل ليكون قوةً محركة لتغييرات جذرية تطال كل جوانب المجتمع والاقتصاد والسياسة في المملكة.
الصعود إلى السلطة: مراحل متسارعة
لا يمكن فهم شخصية محمد بن سلمان وأسلوبه في الحكم دون استيعاب المسار الذي قطعه وصولاً إلى قمة السلطة في المملكة. فبعد تولّي والده الملك سلمان مقاليد الحكم في يناير 2015م، جاءت التعيينات بسرعة لافتة وبصورة كشفت عن نية واضحة في إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الأسرة الحاكمة.
في يناير 2015م، عُيِّن الأمير محمد بن سلمان وزيراً للدفاع، وهو منصب بالغ الحساسية يُعدّ من المناصب السيادية الكبرى في أي دولة. وفي أبريل من العام نفسه، صدر أمرٌ ملكي بتعيينه وليّاً لولي العهد، ليتقلد موقعاً بروتوكولياً ونفوذياً متقدماً جداً، وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره بعد. ثم جاء يونيو 2017م محطةً فارقة حين صدر مرسوم ملكي بتعيينه وليّاً للعهد خلفاً للأمير محمد بن نايف، ليصبح رسمياً الرجل الثاني في المملكة والخليفة المرتقب لوالده.
هذا الصعود المتسارع لم يكن محض صدفة أو مجاملة عائلية، بل جاء نتاجاً لشخصية تتمتع بطاقة عالية، وقدرة على اتخاذ القرار، وجرأة في المضي قُدُماً في مسارات كانت تُعدّ من المحظورات أو على أقل تقدير من الثوابت غير القابلة للمس. رصد المراقبون منذ الأيام الأولى لصعوده أنه يختلف عن النمط التقليدي للأمراء السعوديين في أسلوب إدارته للملفات وفي سرعة حسمه للقضايا.
رؤية 2030: الحلم الكبير لتنويع الاقتصاد
لا يمكن الحديث عن محمد بن سلمان دون التوقف مطوّلاً عند “رؤية 2030″، ذلك المشروع الاستراتيجي الطموح الذي أعلن عنه في أبريل 2016م، والذي بات عنواناً جامعاً لمجمل التحولات التي تشهدها المملكة على مختلف الأصعدة.
جاءت الرؤية كوثيقة إصلاح شاملة تهدف في جوهرها إلى تحرير الاقتصاد السعودي من الاعتماد المفرط على عائدات النفط، وإعادة هيكلة الدولة لتكون أكثر إنتاجية وتنافسية في عالم ما بعد النفط. ويقوم هذا المشروع على ثلاثة محاور رئيسية: بناء مجتمع حيوي، وتطوير اقتصاد مزدهر، وتشكيل أمة طموحة.
على صعيد الأرقام والأهداف المُعلنة، تسعى رؤية 2030 إلى رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 40% إلى 65%، وزيادة نسبة المرأة في سوق العمل من 17% إلى 30%، وتنمية عائدات السياحة الداخلية بشكل كبير، فضلاً عن تطوير قطاع الترفيه ليكون رافداً اقتصادياً حقيقياً بدلاً من أن يُعدّ ترفاً منبوذاً.
ومن أبرز المشاريع العملاقة المندرجة تحت مظلة رؤية 2030 مشروعُ نيوم، المدينة المستقبلية التي تُشيَّد في منطقة تبوك شمال غرب المملكة على مساحة تتجاوز 26 ألف كيلومتر مربع، وتنقسم إلى مناطق وأحياء مستقبلية متعددة أبرزها “ذا لاين”، المدينة الخطية التي تعتمد الطاقة النظيفة بالكامل. كذلك مشروع البحر الأحمر الذي يهدف إلى جعل المنطقة الساحلية الغربية للمملكة وجهةً سياحية عالمية فاخرة تنافس كبرى منتجعات العالم، ومشروع القدية الترفيهي القريب من الرياض الذي يُصوَّر بوصفه “عاصمة الترفيه” في المنطقة.
غير أن تحقيق هذه الرؤية يواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها إشكالية السرعة المطلوبة مقابل الجدوى الاقتصادية لبعض هذه المشاريع العملاقة، إضافة إلى التحديات المتعلقة بتوطين القطاعات المختلفة وبناء الكوادر البشرية المحلية المؤهلة لإدارتها.
الإصلاحات الاجتماعية: قفزة عبر العقود
ربما لا يوجد مجال تجلّت فيه بصمة محمد بن سلمان بوضوح أكثر من مجال الإصلاحات الاجتماعية. فقد اتسمت المملكة العربية السعودية تاريخياً بنظام اجتماعي متحفظ تحكمه قراءة دينية محافظة، وكانت أي خطوة تغييرية في هذا الملف تسير بحذر شديد وبخطى بطيئة. لكن ولي العهد غيّر هذه المعادلة برمّتها.
كانت قضية قيادة المرأة للسيارة من أبرز القضايا التي جذبت الاهتمام الدولي، وقد صدر القرار بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارات في يونيو 2018م، لينهي بذلك وضعاً استثنائياً كانت المملكة الدولة الوحيدة في العالم التي تعرفه. جاء هذا القرار في سياق سلسلة إصلاحات طالت جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية، شملت السماح بإقامة الفعاليات الترفيهية والحفلات الموسيقية في الأماكن العامة، وافتتاح دور السينما بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود، وتخفيف قيود نظام الولاية الذي كان يُلزم المرأة بالحصول على إذن وليّها الذكر لممارسة كثير من الأنشطة اليومية والحياتية.
على صعيد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المعروفة بـ”الشرطة الدينية” أو “المطوعين”، فقد جُرِّدت من صلاحيات الاعتقال التي كانت تتمتع بها، في خطوة غيّرت بشكل جذري المشهد الاجتماعي في الشوارع والمراكز التجارية السعودية. كذلك شهدت المملكة تحولات في المناهج الدراسية، إذ جرت مراجعة للمحتوى الديني الذي كان يُعدّ بالغ التشدد، وحُذفت منه مقاطع تُحرّض على التعصب أو على رفض الآخر.
هذه الإصلاحات الاجتماعية يراها أنصار ولي العهد جزءاً لا يتجزأ من مشروع التحديث الشامل للمجتمع السعودي، وأنها تعكس فهماً أعمق للإسلام بوصفه ديناً يسعى إلى يُسر المؤمنين لا عسرهم. في المقابل، يرى المنتقدون أن بعض هذه الإصلاحات جاءت انتقائية، وأنها لم تُرافقها ضمانات حقيقية لحرية التعبير والتنظيم السياسي.
ملف حقوق الإنسان: الجانب المثير للجدل
لا يمكن تناول سيرة محمد بن سلمان دون الوقوف عند الجانب الذي أثار ولا يزال يثير جدلاً واسعاً على المستوى الدولي، وهو ملف حقوق الإنسان. فبينما تُطلق الحكومة السعودية خطابها الإصلاحي وتُقدّم المملكة باعتبارها في طور التحديث الشامل، تواجه اتهامات جدية من منظمات دولية ومن حكومات عدة بشأن معاملة المعارضين والناشطين.
كانت قضية الصحفي جمال خاشقجي في أكتوبر 2018م، الحدثَ الذي أشعل أشد موجات الانتقاد الدولي حدةً. وجد خاشقجي، الكاتب والصحفي السعودي الذي كان يعمل لصالح صحيفة واشنطن بوست، حتفه داخل القنصلية السعودية في إسطنبول. وقد خلصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية في تقرير رُفعت عنه السرية عام 2021م إلى أن ولي العهد قد وافق على العملية التي أفضت إلى مقتله. نفت الحكومة السعودية أن يكون ولي العهد قد أصدر أمراً بالقتل، وأكدت أن القضية خضعت للقضاء السعودي وصدرت أحكام بشأنها.
وإلى جانب قضية خاشقجي، وجّهت منظمات حقوق الإنسان انتقادات لاعتقال عدد من الناشطين الحقوقيين والمدافعات عن حقوق المرأة، وهو أمر يراه المنتقدون مفارقةً صارخة في سياق الحديث عن توسيع حقوق المرأة في المجال الاجتماعي. كذلك شهدت الفترة ذاتها احتجازات في فندق ريتز كارلتون بالرياض عام 2017م، حين اعتُقل عشرات الأمراء والمسؤولين ورجال الأعمال في إطار ما وُصف بأنه حملة لمكافحة الفساد، وإن رأى فيها بعض المراقبين توطيداً للسلطة وإقصاءً للمنافسين المحتملين.
الحرب في اليمن: الملف الأثقل
في مارس 2015م، وبعد أسابيع قليلة من تولي الملك سلمان العرش، أعلن محمد بن سلمان بوصفه وزيراً للدفاع آنذاك بدءَ عملية “عاصفة الحزم” العسكرية في اليمن، مطلقاً بذلك تدخّلاً عسكرياً أثبت الزمن أنه كان بداية حرب طويلة ومكلفة.
الهدف المعلن للتدخل العسكري كان وقف تقدم الحوثيين وإعادة الشرعية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. غير أن الحرب مضت سنوات متعاقبة دون أن تُحسم عسكرياً، وتصاعد الثمن الإنساني ليُدرجها الأمم المتحدة ضمن أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. سقط آلاف المدنيين، ونزح الملايين، وانتشر الوباء والمجاعة في أجزاء واسعة من اليمن.
يُدافع ولي العهد عن التدخل بالقول إنه كان ضرورة أمنية لمنع ما يصفه بمحاولة إيران تمديد نفوذها عبر وكلائها الحوثيين على الحدود السعودية الجنوبية، وإن ترك اليمن في يد الحوثيين كان سيُشكّل تهديداً وجودياً مباشراً للأمن السعودي. يرى المنتقدون في المقابل أن إدارة الملف العسكري اتسمت بقصر النظر وبتقدير خاطئ لطبيعة الصراع اليمني وتعقيداته.
في السنوات الأخيرة، بدت ملامح مسار دبلوماسي يتشكّل تدريجياً، لا سيما في أعقاب التطبيع السعودي الإيراني الذي رعته الصين عام 2023م، مما رسم صورة مغايرة قليلاً عن طبيعة العلاقات الإقليمية.
السياسة الخارجية: رؤية جديدة لدور المملكة
على الصعيد الخارجي، حمل عهد محمد بن سلمان تحولات ملموسة في أسلوب الدبلوماسية السعودية. فبعد عقود من التحالفات الثابتة والسياسات الحذرة، باتت المملكة تنتهج سياسة خارجية أكثر نشاطاً وجرأة ومباشرة في التعبير عن مصالحها.
تجلّى ذلك في حصار قطر عام 2017م الذي فرضته المملكة بالتنسيق مع الإمارات والبحرين ومصر، قبل أن ينتهي بمصالحة عام 2021م. وتجلّى أيضاً في محاولة الحدّ من النفوذ الإيراني في المنطقة عبر جملة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية.
في المقابل، مثّل التطبيع السعودي-الإيراني الذي أُعلن عنه في مارس 2023م تحولاً لافتاً أثار دهشة المراقبين، إذ كسر نمطاً من التوتر الحاد الذي دام سنوات. كما كشف بجلاء عن إرادة الرياض في إدارة علاقاتها الإقليمية بمرونة براغماتية حين تقتضي الحاجة.
ولا تزال مفاوضات محتملة تجري في الكواليس حول إمكانية تطبيع سعودي-إسرائيلي، وهو ملف يراقبه العالم باهتمام بالغ، في ضوء ما أشعله الوضع في غزة منذ أكتوبر 2023م من تعقيدات جديدة على مسار التطبيع في المنطقة.
وعلى صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة، اتسم عهد محمد بن سلمان بعلاقة متذبذبة أحياناً ومتوترة في لحظات، لا سيما في مرحلة إدارة بايدن التي أعلنت في بدايتها رغبتها في مراجعة العلاقة مع الرياض. غير أن ثقل المصالح الاستراتيجية المشتركة أبقى العلاقة حاضرة ومؤثرة.
الاقتصاد: تحديات وإنجازات
على الرغم من الطموح الهائل الذي تعبّر عنه رؤية 2030، يواجه الاقتصاد السعودي جملةً من التحديات الهيكلية والمرحلية. فقطاع النفط لا يزال العمود الفقري للاقتصاد، وإن كانت حصة القطاع الخاص في الناتج المحلي قد شهدت نمواً ملحوظاً.
أطلق محمد بن سلمان برامج دعم متعددة لتشجيع الشباب السعودي على الانخراط في سوق العمل ضمن ما يُعرف بسياسات السعودة أو “نطاقات”، وقد أسفرت هذه الجهود عن ارتفاع ملموس في معدلات توظيف السعوديين في القطاع الخاص. كما شهد قطاع السياحة قفزة غير مسبوقة إذ بات المملكة تستقبل ملايين السياح الدوليين، في مقابل ما كان الوضع قبل سنوات معدودة حين كانت الرياضة مقتصرة عملياً على زوار الحج والعمرة.
الاستثمار في الرياضة كان من الأدوات التي استخدمتها المملكة لرسم صورة جديدة عنها على الساحة الدولية. استضافت المملكة بطولات الملاكمة العالمية الكبرى، وجلبت نجوم كرة القدم العالميين إلى دوري روشن السعودي، كما استضافت سباقات الفورمولا 1 ومسابقات الغولف والتنس الكبرى. يصف هذا النهج بعضُهم بـ”الغسيل الرياضي” بهدف صرف الأنظار عن انتقادات حقوق الإنسان، في حين يراه آخرون تحديثاً حقيقياً وانفتاحاً اجتماعياً على الرياضة والترفيه.
شخصية محمد بن سلمان: قراءة في الطباع والأسلوب
يرسم المقربون والمراقبون صورة لرجل يجمع بين الطموح الواسع والعقلية التحليلية والقدرة على العمل لساعات طويلة. يُقال إنه يُدار جلسات العمل حتى ساعات الفجر، ويشرف على تفاصيل المشاريع الكبرى بنفسه. يمتلك شغفاً بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ويرى في الثورة التقنية فرصةً تاريخية لا ينبغي إضاعتها.
على صعيد الخطاب، يتميز محمد بن سلمان بأسلوب صريح ومباشر في التعبير عن رؤاه، وقد أجرى مقابلات تلفزيونية نادرة مع كبار المحاورين كمقابلته مع توماس فريدمان في نيويورك تايمز وأخرى مع برنامج 60 دقيقة، عرض فيها رؤيته للمملكة ولمستقبل العالم الإسلامي والتطرف الديني.
كما يتسم بنزعة إلى مركزة القرار في يده مباشرةً، وهو ما يراه مؤيدوه ضرورة لإنجاح إصلاحات تحتاج إلى حسم وسرعة، في حين يرى فيه المنتقدون إضعافاً للمؤسسات وتهميشاً للتعددية داخل الأسرة الحاكمة.
التأثير الديني: مواجهة التطرف أم تحييد الدين؟
أحد الملفات الأكثر دلالة في عهد محمد بن سلمان هو تعامله مع الملف الديني. فقد صنّف نفسه ومنذ البداية خصماً للتطرف والتشدد، وأطلق خطاباً إسلامياً “معتدلاً” يُقدّمه باعتباره الإسلام الأصيل الذي جرى تشويهه في عقود ما بعد الصحوة الإسلامية. وأعاد من خلال ذلك ترتيب علاقة الدولة بالمؤسسة الدينية الرسمية، مُحجِّماً نفوذ التيارات المحافظة وموسّعاً صلاحيات الدولة في مواجهة أي مرجعية دينية مستقلة.
هذا التحول يراه الليبراليون داخل المملكة خطوةً نحو تحديث مزدهر، في حين يقلق منه التقليديون والمحافظون الذين يرون أن إقصاء الصوت الديني المستقل يُفرغ الهوية الوطنية من مضمونها. أما المراقبون الدوليون فينقسمون بين من يرى أن الإصلاح الديني شرط ضروري لمكافحة الإرهاب وتحديث المجتمع، وبين من يخشى أن يُوظَّف هذا الخطاب أداةً لتحييد أي صوت معارض باسم الحفاظ على “الإسلام الوسطي”.
العلاقة مع الجيل الجديد
ربما يكون الإنجاز الأقل قياساً لكنه الأوسع تأثيراً هو قدرة محمد بن سلمان على إعادة استيعاب الطاقات الشبابية السعودية المتعلقة داخل المملكة. فمن يتجول في الرياض أو جدة اليوم يرى مشهداً اجتماعياً مختلفاً بوضوح عمّا كان قبل عقد. الشباب يرتادون المقاهي، والشابات يعملن في قطاعات كانت حكراً على الرجال، وفعاليات الترفيه والرياضة تُقام على مدار العام.
الجيل الذي كان يسعى إلى السفر خارج المملكة بحثاً عن فضاء اجتماعي أرحب بات يجد في بلده مساحةً من التنفّس الاجتماعي لم تكن موجودة. غير أن هذا الانفتاح الاجتماعي لا يُقابله انفتاح سياسي مماثل، إذ لا يزال الفضاء السياسي مُقيَّداً ولا مجال فيه للأحزاب أو للمعارضة المنظمة.
محمد بن سلمان والعالم: صورة دولية متشعبة
تتباين الصورة التي يُرسمها العالم لمحمد بن سلمان تبايناً حاداً. ففي الدول الغربية، حيث تتصدر منظمات حقوق الإنسان المشهد الإعلامي، كثيراً ما تُقدّمه وسائل الإعلام بوصفه حاكماً مطلقاً يجمع بين الطموح الإصلاحي والقمع الداخلي. في المقابل، في دول الجنوب العالمي وبين كثير من المواطنين السعوديين، يحظى بشعبية واسعة باعتباره الرجل الذي أعاد للمملكة مكانةً دولية وفتح أفقاً جديداً للمواطن العادي.
شركاؤه الاقتصاديون الدوليون من مستثمرين وحكومات يُقيّمون علاقتهم معه وفق حسابات المصلحة البراغماتية، فهو يُمثّل دولةً تحتل موقعاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه، ويُشرف على صندوق الثروة السيادية السعودي “صندوق الاستثمارات العامة” الذي يملك أصولاً تتجاوز 700 مليار دولار ويمتد بأذرعه في مختلف القطاعات والجغرافيات.
الخلاصة: رجل في مفترق الطريق
يبقى محمد بن سلمان شخصيةً تاريخية إشكالية بامتياز؛ إذ يجمع في شخصه تناقضات ضخمة: إصلاحي يُحجّم المعارضين، ومُحدِّث يُعيد رسم الهوية الاجتماعية دون السماح بالتعددية السياسية، وطموح يرى في المملكة قوة عالمية قادرة على قيادة عالم ما بعد النفط، بينما يُخصّص حصة كبيرة من الثروة النفطية لتمويل نقلة نوعية هائلة.
إن مآل هذه التجربة لن تكشفه السنوات القريبة فقط، بل ستُحدده عقود. هل ستنجح رؤية 2030 في تحويل المملكة إلى اقتصاد متنوع وحيوي؟ هل ستُرسي الإصلاحات الاجتماعية نهجاً أكثر انفتاحاً يشمل الحقوق السياسية أيضاً؟ هل ستستقر اليمن وتُفضي التسوية الدبلوماسية إلى سلام دائم؟
ما هو محقق اليوم هو أن محمد بن سلمان غيّر المملكة تغييراً عميقاً، وأن المملكة بتغيّرها تُؤثر في محيطها الإقليمي والإسلامي والعالمي. رجلٌ في سن الأربعين يمسك بزمام إحدى أغنى الدول في العالم وأكثرها تأثيراً في الجيوسياسة الدولية، ومدى ما يصنعه بهذا الزمام سيكتبه التاريخ بأحرف تتباين درجات ألوانها بين السواد والبياض.
اترك تعليقاً