أبرز الاقتصاديين السعوديين: رواد صنعوا مسيرة التنمية
أبرز الاقتصاديين السعوديين: رواد صنعوا مسيرة التنمية
شهد الاقتصاد السعودي على مدار العقود الماضية تحولات جوهرية عميقة، انتقل خلالها من اقتصاد يعتمد اعتماداً شبه كلي على عائدات النفط إلى اقتصاد يسعى بخطى متسارعة نحو التنويع والتحديث والانفتاح على الأسواق العالمية. وقد كان وراء هذه التحولات الكبرى نخبة من الاقتصاديين والمفكرين والمسؤولين الذين أمضوا حياتهم المهنية في دراسة الواقع الاقتصادي السعودي وتشخيص إشكالياته واقتراح الحلول الناجعة لمعالجتها. هؤلاء الرجال والنساء لم يكونوا مجرد أكاديميين منعزلين في أبراجهم العلمية، بل كانوا في الغالب جسراً حيوياً بين النظرية الاقتصادية والتطبيق الفعلي على أرض الواقع، إذ جمعوا بين الخبرة الأكاديمية الرصينة والممارسة التنفيذية في مراكز القرار.
تتناول هذه المقالة أبرز الاقتصاديين السعوديين الذين أسهموا في رسم ملامح المشهد الاقتصادي للمملكة العربية السعودية، سواء من خلال مناصبهم القيادية في الحكومة، أو من خلال إسهاماتهم الفكرية والبحثية، أو من خلال دورهم في صياغة السياسات الاقتصادية الكبرى التي وجّهت مسيرة التنمية الوطنية. ولا تدّعي هذه المقالة الإحاطة الشاملة بكل اقتصادي سعودي بارز، بل تسعى إلى تسليط الضوء على أبرز الأسماء التي تركت بصمات واضحة وأثراً ملموساً في مسيرة الاقتصاد الوطني.
أولاً: محمد أبا الخيل — معماري المالية العامة السعودية
يُعدّ محمد أبا الخيل من أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بالمالية العامة للمملكة العربية السعودية خلال مرحلة بالغة الأهمية من تاريخها الاقتصادي. شغل منصب وزير المالية والاقتصاد الوطني لفترة مطوّلة امتدت من عام 1975 حتى عام 1995، وهي فترة شهدت فيها المملكة طفرة نفطية غير مسبوقة في أوائل الثمانينيات، تلاها تراجع حاد في أسعار النفط أواخر تلك الحقبة، ثم مرحلة إعادة ضبط المالية العامة وترشيد الإنفاق.
تميّز أبا الخيل بقدرة فائقة على إدارة دفة المالية الحكومية في ظل تقلبات أسعار النفط الحادة، إذ أشرف على وضع خطط التنمية الوطنية المتعاقبة التي سعت إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وضرورة الحفاظ على الاستقرار المالي. وقد كان يؤمن إيماناً راسخاً بضرورة توظيف العائدات النفطية في بناء البنية التحتية وتوسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، بدلاً من إهدارها في الاستهلاك الآني.
ومن أبرز إسهاماته أنه أدار ملف الموازنة العامة في سنوات العجز المالي التي أعقبت انهيار أسعار النفط عام 1986، وكان من أوائل من دعا إلى ترشيد الإنفاق الحكومي وتعزيز الإيرادات غير النفطية كوسيلة لتأمين الاستدامة المالية بعيداً عن التقلبات الريعية.
ثانياً: إبراهيم العساف — الحارس الأمين للاستقرار المالي
ربما لا يوجد اسم ارتبط بالاقتصاد السعودي في العقود الأخيرة ارتباطاً أوثق من اسم إبراهيم عبدالعزيز العساف، الذي تقلّد حقيبة وزارة المالية على مدى نحو ربع قرن، بين عامَي 1996 و2016، في واحدة من أطول فترات تولي منصب وزاري في تاريخ المملكة الحديث. وخلال هذه الفترة الاستثنائية الطويلة، قاد الرجل الاقتصاد السعودي عبر محطات شديدة التباين، من انخفاض حاد في أسعار النفط إلى طفرة غير مسبوقة في العائدات النفطية.
حصل العساف على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كولورادو الأمريكية، وجمع بين الخلفية الأكاديمية الرصينة والخبرة التنفيذية الميدانية التي اكتسبها عبر مراحل متعاقبة في الجهاز الحكومي. وقد اشتُهر بنهجه المحافظ الحذر في إدارة الموارد المالية للدولة، إذ آمن بأهمية بناء الاحتياطيات المالية في سنوات الوفرة النفطية لمواجهة سنوات الشح، على غرار الحكمة التي تجسّدها قصة يوسف عليه السلام في استراتيجية التخزين الاستباقي.
في عهده، تضاعفت الاحتياطيات الأجنبية للمملكة تضاعفاً لافتاً، وبلغت في أوجّها ما يزيد على سبعمئة مليار دولار. كما أشرف على إصلاحات هيكلية مهمة في منظومة الميزانية العامة، وعمل على تعزيز الشفافية المالية وتطوير منظومة الرقابة والمحاسبة الحكومية. وفي عام 2019، تم تعيينه وزيراً للخارجية، تقديراً لكفاءته التفاوضية وعلاقاته الدولية الواسعة.
ثالثاً: محمد الجاسر — صانع السياسة النقدية
في مجال السياسة النقدية، يبرز اسم محمد الجاسر بوصفه أحد أبرز الاقتصاديين السعوديين في هذا الحقل الدقيق والبالغ الأهمية. تولّى رئاسة مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) التي تُعدّ البنك المركزي الفعلي للمملكة، لفترتين متباعدتين، وهو ما أتاح له فرصة مواكبة تطورات الاقتصاد السعودي على امتداد عقود متعاقبة.
يحمل الجاسر شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة جونز هوبكنز الأمريكية الشهيرة، وعمل لسنوات في صندوق النقد الدولي قبل عودته إلى العمل في المؤسسات الاقتصادية السعودية. وقد أتاحت له هذه التجربة الدولية الثرية أفقاً فكرياً واسعاً ورؤية مقارنة عميقة لمشكلات الاقتصادات النامية والمصدِّرة للنفط.
اشتُهر الجاسر بمواقفه الداعية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني والحد من الاعتماد على النفط، وذلك قبل أن يصبح هذا التوجه سياسة رسمية راسخة للدولة. كما دعا مراراً إلى تطوير القطاع المالي وتعميق الأسواق الرأسمالية المحلية كركيزة أساسية لدعم التنويع الاقتصادي وتوفير مصادر تمويل بديلة لمشاريع التنمية. وتميّز في فترة رئاسته بسياسة نقدية متحفظة ومتزنة حافظت على الاستقرار النقدي للريال السعودي وعلى سلامة المنظومة المصرفية.
رابعاً: خالد العبدلي — رائد الاقتصاد الإسلامي
يمثّل خالد بن عبدالله العبدلي نموذجاً مختلفاً للاقتصادي السعودي، إذ وجّه اهتمامه الأكاديمي والبحثي نحو الاقتصاد الإسلامي والتمويل الإسلامي، وهو حقل معرفي تكتسب فيه المملكة العربية السعودية أهمية مرجعية خاصة نظراً لمكانتها الدينية والحضارية. أسهم العبدلي في تطوير النظرية الاقتصادية الإسلامية وتوطينها في الواقع التطبيقي، من خلال الجمع بين المرجعية الشرعية والتحليل الاقتصادي الحديث.
ويمثّل هذا التوجه الأكاديمي مدرسة فكرية نابعة من قناعة راسخة بأن الاقتصاد الإسلامي ليس مجرد نظرية فلسفية، بل منظومة متكاملة قادرة على تقديم حلول عملية للإشكاليات الاقتصادية المعاصرة، من إشكاليات العدالة التوزيعية والتنمية المستدامة، إلى ضوابط الدين والاستثمار والمخاطرة. وقد أسهمت جهوده وجهود أمثاله في ترسيخ مكانة المملكة مركزاً أكاديمياً رائداً في حقل الاقتصاد الإسلامي وعلم المصارف الإسلامية.
خامساً: محمد بن سليمان الجفري — صوت التنمية المستدامة
يُعدّ الاقتصادي محمد الجفري من الأصوات السعودية البارزة التي تناولت قضايا التنمية الاقتصادية بنظرة نقدية جريئة واستراتيجية بعيدة المدى. تعمّق الجفري في تحليل إشكالية التنمية الاقتصادية المستدامة في دول الخليج العربي، وأولى اهتماماً خاصاً لتشخيص أمراض الاعتماد المفرط على الريع النفطي، ومقترحات الانتقال إلى نموذج تنموي أكثر تنوعاً ومتانة وقدرة على الاستمرار في مرحلة ما بعد النفط.
ومن أبرز إسهاماته الفكرية تحليله المعمّق لظاهرة التوظيف الحكومي المفرط وأثره السلبي على الإنتاجية الاقتصادية وتنافسية القطاع الخاص، فضلاً عن دراسته للعلاقة الجدلية بين الريع النفطي والبنى الاجتماعية والسياسية للمجتمعات الخليجية. كما أسهم في الدعوة إلى الاستثمار المنهجي في رأس المال البشري وتطوير التعليم والتدريب التقني بوصفهما الرهان الحقيقي للمستقبل الاقتصادي للمنطقة.
سادساً: إحسان بوحليقة — المحلل الاستراتيجي
يمثّل إحسان بوحليقة نموذجاً مثيراً للاهتمام للاقتصادي الذي يجمع بين الخبرة الأكاديمية العميقة والعمل السياسي والبحثي. عمل في مراكز البحث الاقتصادي الحكومية، وفي هيئات دولية بارزة كصندوق النقد الدولي، إضافة إلى انخراطه في النقاش العام حول قضايا الاقتصاد السعودي عبر مقالاته وتصريحاته ومداخلاته في المنابر الإعلامية والأكاديمية.
تتميّز كتاباته بالجرأة التحليلية في مناقشة الإشكاليات الهيكلية للاقتصاد السعودي، من بينها: محدودية الإنتاجية، وضعف التنوع الاقتصادي، وإشكاليات سوق العمل وقضية السعودة، والاعتماد المفرط على العمالة الأجنبية. وقد دعا بوحليقة إلى ضرورة إصلاح منظومة دعم الطاقة قبل أن تتحول إلى سياسة رسمية، وهو ما يدل على رهافة حدسه الاقتصادي وإدراكه المبكر للتحديات الهيكلية القادمة.
سابعاً: فهد بن جمعة — صوت القطاع الخاص
لا يمكن الحديث عن الاقتصاد السعودي دون الإشارة إلى فهد بن جمعة، الذي يُعدّ من أبرز الأصوات الاقتصادية المعبّرة عن قطاع الأعمال ورجال الصناعة والتجارة في المملكة. وقد تميّز بن جمعة بقدرته الفائقة على ترجمة المفاهيم الاقتصادية المجردة إلى لغة عملية مفهومة يستوعبها صانعو القرار ورجال الأعمال والرأي العام على حد سواء.
اشتُهر بدفاعه المستمر عن توسيع دور القطاع الخاص ومنحه مساحة أكبر من الحرية الاقتصادية، وتبنّيه لأفكار إصلاح البيئة التنظيمية وتبسيط الإجراءات الإدارية بهدف تحسين مناخ الأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد السعودي. كما كان من المدافعين عن تطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص كآلية ناجعة لتمويل مشاريع البنية التحتية وتعزيز كفاءة الخدمات العامة.
ثامناً: سامي الحسين — مهندس سوق الأوراق المالية
ارتبط اسم سامي الحسين ارتباطاً وثيقاً بتطوير سوق الأوراق المالية السعودية (تداول)، إذ أسهم بدور محوري في وضع لبنات البنية التحتية للسوق المالي السعودي وتأهيله للانضمام إلى مصاف الأسواق الناشئة المعترف بها دولياً. يجسّد الحسين نموذج الاقتصادي المالي المتخصص الذي يتقاطع عمله مع قطاع الأوراق المالية والاستثمار المؤسسي وتطوير أسواق رأس المال.
ومن أبرز إنجازاته في هذا الحقل: الإشراف على إصلاحات السوق المالية التي مهّدت الطريق لانفتاح تداول على المستثمرين الأجانب، وهي خطوة نوعية كانت تُعدّ في وقت من الأوقات من المحظورات السياسية. كما أسهم في تطوير أدوات الاستثمار المتاحة في السوق السعودية وتنويعها، وتعزيز معايير الإفصاح والحوكمة بما يضمن ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.
تاسعاً: محمد القحطاني — الاقتصادي الأكاديمي الناقد
يمثّل محمد القحطاني، الأستاذ في جامعة الملك سعود، نموذجاً للمثقف الاقتصادي الجامعي الذي يؤثر في المشهد الاقتصادي ليس من خلال المنصب التنفيذي، بل من خلال الفكر النقدي والكلمة الجريئة والبحث الأكاديمي الرصين. اشتُهر القحطاني بمناقشة قضايا السياسة الاقتصادية بجرأة نادرة، ولم يتحاشَ في كثير من الأحيان انتقاد السياسات الاقتصادية التي يراها قاصرة أو مضللة.
تناول في كتاباته ودراساته موضوعات دقيقة وحساسة كإشكاليات التوزيع والعدالة الاقتصادية، ونقد التركيبة الريعية للاقتصاد السعودي وتداعياتها الاجتماعية والسياسية على المدى البعيد. وقد أدى دوره الأكاديمي النقدي في رفد النقاش العام وتعميق الوعي الاقتصادي لدى الأجيال الشابة من الاقتصاديين والمثقفين السعوديين وظيفة لا غنى عنها في أي مجتمع يسعى إلى التطور والإصلاح.
عاشراً: محمد بن سلمان كقائد اقتصادي — رؤية 2030
وإن كان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رجلاً سياسياً بالدرجة الأولى، فإن دوره في رسم التوجه الاقتصادي للمملكة في مرحلة ما بعد النفط يستوجب الإشارة إليه في أي سرد جاد للمشهد الاقتصادي السعودي المعاصر. إذ أطلق رؤية 2030 عام 2016، وهي خطة تحول استراتيجي شاملة تُعدّ الأجرأ والأشمل في تاريخ المملكة، وتهدف إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على النفط من خلال تطوير قطاعات واعدة متعددة كالسياحة والترفيه والصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.
تحمل رؤية 2030 في طياتها قناعات اقتصادية جوهرية تنبع من تشخيص دقيق للإشكاليات الهيكلية للاقتصاد السعودي، في مقدمتها: هيمنة القطاع العام، ومحدودية إسهام القطاع الخاص، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب السعودي، وضعف التنوع الاقتصادي. ولتنفيذ هذه الرؤية، تم إنشاء هياكل حوكمة اقتصادية جديدة وطرح حزمة إصلاحات هيكلية واسعة النطاق، كان من أبرزها رفع الدعم الحكومي عن الطاقة والمياه، وفرض ضريبة القيمة المضافة، وطرح حصة من شركة أرامكو للاكتتاب العام.
حادي عشر: محمد الياسر — الحارس الأمين لصندوق الثروة السيادية
يعمل محمد الياسر بوصفه رئيساً لصندوق الاستثمارات العامة، أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم من حيث الحجم المستهدف والطموح الاستراتيجي. وعلى الرغم من أنه يُعدّ مديراً تنفيذياً أكثر من كونه اقتصادياً أكاديمياً بالمعنى الدقيق، فإن دوره في توجيه الاستثمارات الاستراتيجية للصندوق وتنويع محفظته عالمياً ومحلياً يجعله شخصية محورية في المشهد الاقتصادي السعودي المعاصر.
تحت قيادته، تحول صندوق الاستثمارات العامة من صندوق شبه محلي هادئ وغير فاعل إلى لاعب استثماري عالمي من الطراز الأول، يضخ مئات المليارات من الدولارات في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية والترفيه والرياضة، في أسواق تمتد من وادي السيليكون إلى طوكيو ولندن وغيرها من المراكز الاقتصادية الكبرى. ويُعدّ هذا التحول النوعي مجسِّداً لطموح الرؤية في تحويل النفط من مجرد ثروة مستخرجة تُباع خاماً إلى رأس مال استثماري نشط يُنمَّى ويُكاثَر.
ثاني عشر: عايد الجهني والاقتصاديات الإقليمية
تجدر الإشارة كذلك إلى مساهمات الاقتصاديين السعوديين الذين وجّهوا اهتمامهم نحو التنمية الإقليمية والاقتصادية داخل المملكة، بدلاً من التركيز الحصري على الاقتصاد الكلي الوطني. ومن هؤلاء من تناولوا الفوارق التنموية بين المناطق السعودية المختلفة، ودراسة إمكانات التنمية في المناطق الأقل حظاً من النمو، ومسائل التخطيط العمراني والتنمية الريفية والأمن الغذائي.
هذه المقاربة الإقليمية للتنمية الاقتصادية تُسهم في كشف جوانب من المشهد الاقتصادي السعودي كثيراً ما تغيب عن الأضواء الإعلامية والأكاديمية التي تتمركز في الغالب حول الاقتصاد الكلي للمملكة والبترودولار، وهي إسهامات لا تقل في قيمتها عن الأبحاث الكلية.
ثالث عشر: الصقعبي والرشيد — أصوات اقتصاد العمل
تُعدّ قضايا سوق العمل من القضايا الاقتصادية الأكثر تعقيداً وحساسية في المملكة العربية السعودية، نظراً للتركيبة السكانية الفريدة التي تجمع بين نسبة عالية من الشباب السعودي ونسبة كبيرة من العمالة الوافدة في سوق العمل. وقد تصدى لهذه الإشكالية الدقيقة عدد من الاقتصاديين المتخصصين في اقتصاديات العمل، ممن درسوا عوامل تفضيل الشباب السعودي للعمل الحكومي على الخاص، وتداعيات التوسع في توظيف العمالة الأجنبية على الأجور ومستويات الإنتاجية، ومحدودية فاعلية برامج السعودة وإشكالياتها التطبيقية.
تُقدم هذه الدراسات المتخصصة في اقتصاديات العمل صورة أكثر عمقاً ودقة للتحديات الاقتصادية التي تواجهها المملكة، وتتجاوز التحليلات الكلية المجردة إلى فهم ميكروإيكونومي للسلوك الفردي ودوافعه في سوق العمل.
رابع عشر: اقتصاديات الطاقة والتنويع
لا يمكن إغفال إسهامات الاقتصاديين السعوديين المتخصصين في اقتصاديات الطاقة، وهو حقل تحتل فيه المملكة مكانة محورية بوصفها أكبر مصدّر للنفط في العالم وعضواً مؤسساً ومؤثراً في منظمة أوبك. يتناول هؤلاء الاقتصاديون قضايا بالغة الأهمية كتحديد سعر النفط وآليات السوق العالمية، والتخطيط الاستراتيجي لمرحلة التحول الطاقوي نحو مصادر الطاقة المتجددة، وحسابات العلاقة الجدلية بين تنمية الطاقة وتنويع الاقتصاد وتعزيز الاستدامة البيئية.وقد أسهمت شركة أرامكو السعودية بدورها في تخريج جيل من الاقتصاديين والتقنيين الذين يفهمون العلاقة المعقدة بين قطاع الطاقة والاقتصاد الكلي، وهو فهم ضروري للتخطيط الاستراتيجي في مرحلة التحولات الكبرى التي تشهدها أسواق الطاقة عالمياً.
خاتمة: الإرث الاقتصادي والتحديات المستقبلية
يكشف استعراض مسيرة أبرز الاقتصاديين السعوديين عن نمط لافت يتمثّل في أن تأثيرهم الأعمق والأكثر ديمومة جاء في الغالب من داخل منظومة الدولة لا من خارجها. وهذا يعكس طبيعة الاقتصاد السعودي الذي لا يزال تهيمن عليه الدولة وتوجّه مساراته الكبرى، في ظل غياب نسبي لتقليد أكاديمي نقدي مستقل مشابه لما هو موجود في الدول ذات التقاليد الليبرالية الراسخة.
غير أن المشهد بدأ يتحول ببطء ولكن بثبات. إذ بات يظهر على الساحة الاقتصادية السعودية جيل جديد من الاقتصاديين الشباب المتسلحين بشهادات أكاديمية رفيعة من أعرق الجامعات الغربية، والمسلحين بأدوات التحليل الحديثة والتفكير النقدي المستقل. هؤلاء يشاركون في النقاش العام عبر منصات التواصل الاجتماعي والمقالات العلمية المحكّمة والمنتديات الاقتصادية، ويطرحون رؤى وأفكاراً تتجاوز الخطاب الرسمي المعتاد.
كما تشكّل رؤية 2030 اختباراً حقيقياً وتاريخياً لكل ما أنتجه المفكرون الاقتصاديون السعوديون من أفكار حول ضرورة التنويع والإصلاح الهيكلي والانتقال من النموذج الريعي إلى نموذج الاقتصاد المنتج. فإن نجحت هذه الرؤية في تحقيق أهدافها الطموحة وتجاوز الانتقال نحو ما بعد النفط بنجاح، فإن ذلك سيُشكّل إسهاماً تنموياً استثنائياً يستحق الدراسة والتأمل على المستوى الدولي وليس المحلي وحسب.
إن الاقتصاديين السعوديين، على اختلاف توجهاتهم وتخصصاتهم وأساليب عملهم، يمثّلون في مجموعهم الذاكرة الاقتصادية للمملكة والضمير النقدي لمسيرتها التنموية والأدوات الفكرية اللازمة لبناء مستقبلها. وفي عالم يشهد تحولات اقتصادية متسارعة غير مسبوقة، لم يعد دور الاقتصادي ترفاً فكرياً أو زينة أكاديمية، بل بات ضرورة وطنية لا غنى عنها لأي مجتمع يريد أن يصنع مستقبله بيده.
اترك تعليقاً