الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود — قائد المملكة في عصر التحولات الكبرى

الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود — قائد المملكة في عصر التحولات الكبرى

الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود — قائد المملكة في عصر التحولات الكبرى

الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود — قائد المملكة في عصر التحولات الكبرى

في صفحات التاريخ العربي المعاصر، تبرز شخصية الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بوصفها واحدة من أبرز الشخصيات القيادية التي أسهمت في رسم ملامح المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المملكة العربية السعودية والمنطقة العربية برمّتها. فمنذ توليه مقاليد الحكم في يناير 2015، انطلقت المملكة في مسيرة إصلاحية شاملة لم تشهد لها مثيلاً في تاريخها الحديث، وذلك في ظل قيادة رجلٍ جمع بين ثقل التجربة ورصانة الحكمة وطموح المستقبل. إن الحديث عن الملك سلمان بن عبدالعزيز هو حديث عن مسيرة دولة وتحولات أمة ومشروع حضاري كبير يتشكّل أمام أعيننا يوماً بعد يوم.

أولاً: النشأة والتكوين

وُلد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام 1935م في مدينة الرياض، ليكون الخامس والعشرين من أبناء الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة. نشأ الملك سلمان في أحضان أسرة حاكمة وعريقة، غير أن ما ميّزه منذ صغره هو انكبابه على التعلم والقراءة، إذ التحق بمدرسة الأمراء في الرياض، تلك المدرسة التي تخرّج منها عدد من أبناء الأسرة المالكة، وفيها تلقّى أسس التعليم الديني والعلوم العربية والتاريخ والفقه الإسلامي.

عُرف الملك سلمان منذ شبابه بشغفه الاستثنائي بالكتب والمخطوطات والتاريخ الإسلامي، وهو ما جعله مرجعاً علمياً في هذا الشأن، حتى إن مكتبته الخاصة تُعدّ من أغنى المكتبات الخاصة في العالم العربي احتواءً للكتب النادرة والمخطوطات التاريخية. وقد أسهم هذا الثراء المعرفي في تشكيل وعيه السياسي ورؤيته الثاقبة لشؤون الدولة والمجتمع، فضلاً عن أنه منحه قدرة استثنائية على استحضار الدروس التاريخية وتوظيفها في صياغة القرارات الراهنة.

ثانياً: المسيرة الإدارية — أمير الرياض

لم يكن طريق الملك سلمان إلى العرش طريقاً مفروشاً بالورود دون عناء، بل كان محفوفاً بالمسؤوليات الضخمة التي أعدّته لمهام القيادة العليا. ففي عام 1954م، وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، تقلّد منصب أمير الرياض لفترة وجيزة، ثم عاد إليه في عام 1963م ليستمر فيه قرابة نصف قرن كامل، حتى عام 2011م، وهي من أطول فترات تولّي إمارة الرياض في تاريخ المملكة.

خلال تلك العقود الطويلة التي قضاها أميراً للرياض، شهدت العاصمة السعودية تحولات هائلة تحت إشرافه المباشر. فقد تحوّلت الرياض من مدينة صحراوية محدودة السكان والمساحة إلى عاصمة عالمية تعجّ بالحياة والنشاط الاقتصادي والثقافي، وأصبحت من أسرع المدن توسعاً وتطوراً على مستوى العالم. أشرف الملك سلمان على إنشاء آلاف المشاريع الإنمائية وشبكات الطرق والمستشفيات والمدارس والجامعات التي حوّلت وجه الرياض جذرياً.

كذلك أبدى الأمير سلمان في تلك المرحلة اهتماماً بالغاً بالشأن الإنساني والخيري، فأسّس عدداً من المؤسسات الخيرية وأشرف عليها، وكان لافتاً في مبادراته لدعم الأعمال الخيرية والإغاثية، لا سيما في أوقات الأزمات والكوارث. وقد رسّخ هذا الدور الإنساني صورته لدى الشعب السعودي بوصفه رجلاً قريباً من همومهم ومتفاعلاً مع قضاياهم.

ثالثاً: وزارة الدفاع وولاية العهد

في أعقاب وفاة الأمير سلطان بن عبدالعزيز في أكتوبر 2011م، عُيّن الأمير سلمان وزيراً للدفاع، ثم انتقل في نوفمبر 2011م إلى منصب ولي العهد خلفاً للأمير نايف بن عبدالعزيز إثر وفاته في يونيو 2012م. وقد جاء تعيينه ولياً للعهد في إطار تعزيز مؤسسة الدولة وضمان الاستمرارية القيادية، وهو ما أثبتته الأحداث اللاحقة.

خلال توليه حقيبة الدفاع، اهتم الأمير سلمان بتحديث المنظومة العسكرية وتطوير قدرات القوات المسلحة السعودية، وذلك في مرحلة بالغة الحساسية شهدت تحولات جيوسياسية عميقة في المنطقة في أعقاب ما عُرف بالربيع العربي. وقد أظهر في هذا المنصب كفاءة قيادية عالية وقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الحرجة.

رابعاً: تولّي مقاليد الحكم

في الثالث والعشرين من يناير 2015م، وإثر وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، آلت مقاليد الحكم إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز، ليصبح الملك السابع للمملكة العربية السعودية. وكانت خطواته الأولى كملك إعلاناً واضحاً عن رؤية قيادية جديدة وطموحة؛ فقد أجرى إصلاحات هيكلية في منظومة الحكم، وأعاد ترتيب الأولويات الاستراتيجية، وأوجد نهجاً جديداً في إدارة شؤون الدولة يوازن بين الاستمرارية والتجديد.

عيّن الملك سلمان نجله الأمير محمد بن سلمان وزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ثم رقّاه إلى منصب ولي العهد عام 2017م، في خطوة جاءت تعبيراً عن قناعته بضرورة ضخّ دماء شابة وطاقات جديدة في قيادة الدولة. وقد أسهم هذا الثنائي القيادي في صياغة مسيرة التحول التي تشهدها المملكة اليوم.

خامساً: رؤية 2030 — مشروع القرن

لا يمكن الحديث عن عهد الملك سلمان دون التوقف بإسهاب أمام المشروع الحضاري الأكبر في تاريخ المملكة الحديثة، وهو “رؤية 2030” التي أُعلن عنها في أبريل 2016م. هذا المشروع الذي يمثّل خارطة طريق شاملة لتحويل هيكل الاقتصاد السعودي من الاعتماد على النفط إلى الاعتماد على مصادر متنوعة، وبناء مجتمع حيوي ومزدهر وحكومة فاعلة.

تقوم رؤية 2030 على ثلاثة محاور رئيسية: أولها المجتمع الحيوي الذي يرتكز على الهوية الوطنية والانتماء الإسلامي وقيم العائلة، وثانيها الاقتصاد المزدهر الذي يهدف إلى الحدّ من الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل الوطني، وثالثها الحكومة الطموحة التي تسعى إلى تعزيز الكفاءة والشفافية والمساءلة.

على الصعيد الاقتصادي، أسفرت الرؤية عن خطط طموحة للتخصيص وجذب الاستثمار الأجنبي، وتطوير قطاعات التعدين والسياحة والترفيه والصناعات المتنوعة. وقد شهدت المملكة في إطار هذه الرؤية إطلاق مشاريع عملاقة من قبيل نيوم المدينة المستقبلية، ومشروع البحر الأحمر السياحي، ومشروع القدية الترفيهي، فضلاً عن الطرح العام الأولي لأسهم شركة أرامكو السعودية الذي حطّم أرقاماً قياسية عالمية.

سادساً: الإصلاحات الاجتماعية

شكّل عهد الملك سلمان منعطفاً تاريخياً في مسيرة الإصلاح الاجتماعي بالمملكة، إذ شهدت المملكة جملة من الإصلاحات التي كانت تُعدّ حتى وقت قريب من المحرّمات السياسية والاجتماعية. ففي عام 2018م، أُقرّ قيادة المرأة للسيارة ليُرفع تدريجياً الحظر المفروض عليها منذ عقود، ثم توالت الإصلاحات لتشمل حق المرأة في استخراج جواز السفر والسفر دون اشتراط إذن وليّ الأمر.

كما شهد هذا العهد توسيعاً ملموساً لمشاركة المرأة في سوق العمل، حتى بلغت نسبة مشاركتها في القوى العاملة مستويات قياسية غير مسبوقة. وانعكس ذلك على مختلف القطاعات بدءاً من التعليم مروراً بالصحة وانتهاءً بالقطاع الحكومي والقطاع الخاص. وأصبح من المألوف اليوم مشاهدة المرأة السعودية في مناصب قيادية رفيعة كانت حكراً على الرجل في السابق.

على صعيد الترفيه والثقافة، شهدت المملكة عودة دور السينما بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود، وإقامة حفلات موسيقية ومهرجانات فنية وفعاليات ترفيهية بصورة منتظمة، وكل ذلك في إطار من الضوابط التي تحفظ الهوية الإسلامية للمجتمع. وقد ساهمت هذه الإصلاحات في إيجاد منافذ جديدة لقطاع الترفيه واستيعاب شريحة الشباب التي تمثّل النسبة الغالبة من السكان.

سابعاً: السياسة الخارجية والموقف الإقليمي

على الصعيد الخارجي، واجه عهد الملك سلمان تحديات إقليمية بالغة التعقيد، كان في مقدمتها الصراع في اليمن حيث قادت المملكة تحالفاً عربياً للتدخل عسكرياً دعماً للحكومة الشرعية في مواجهة جماعة الحوثيين المدعومة من إيران. وقد جاء هذا التدخل الذي أُطلق عليه “عاصفة الحزم” في مارس 2015م تعبيراً عن عزم الملك سلمان على مواجهة التمدد الإيراني والحفاظ على الأمن الإقليمي.

وفي إطار السياسة الخارجية، سعت المملكة إلى تعزيز علاقاتها مع الدول الكبرى وتنويع شراكاتها الاستراتيجية، فيما حافظت على علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثّل الشريك الأمني الاستراتيجي الأول للمملكة. وقد التزمت المملكة في عهد الملك سلمان بدورها المحوري في منظمة أوبك وأوبك+ في الحفاظ على استقرار أسواق النفط العالمية، مما انعكس إيجاباً على الاقتصاد العالمي ككل.

وعلى صعيد القضية الفلسطينية، دأب الملك سلمان على التأكيد الراسخ على ثوابت الموقف العربي الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة بعاصمتها القدس الشريف، وقد جاءت تصريحاته في هذا الشأن في مختلف المناسبات تعبيراً صادقاً عن الثوابت الراسخة في السياسة السعودية.

ثامناً: الاهتمام بشؤون الحرمين الشريفين

يحمل الملك سلمان لقب “خادم الحرمين الشريفين”، وهو لقب يُعدّ من أجلّ الألقاب وأعظمها في الوجدان الإسلامي، إذ يعكس الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في رعاية أقدس البقاع الإسلامية. وفي إطار هذا الدور المقدس، اهتمت قيادة الملك سلمان بالمضيّ في مشاريع التوسعة والتطوير في الحرمين الشريفين؛ المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة.

وقد شهد عهده اهتماماً بالغاً بتيسير أداء فريضة الحج وتطوير منظومة الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين من شتى أصقاع الأرض، إذ استُثمرت مليارات الريالات في تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية التي تكفل للحجاج قضاء فريضتهم في يسر وأمان. كما أولت قيادته الدينية والعلمية عنايةً خاصةً بالحفاظ على القيم الإسلامية الوسطية وتعزيز الخطاب الديني المعتدل الرافض للتطرف والغلو بكل أشكاله.

تاسعاً: الاقتصاد السعودي في عهد الملك سلمان

على الرغم من التحديات الضخمة التي واجهها الاقتصاد السعودي في مرحلة تراجع أسعار النفط منتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، فإن الحكومة انتهجت نهجاً إصلاحياً جريئاً للحدّ من العجز في الميزانية وترشيد الإنفاق الحكومي. وأدت مساعي التنويع الاقتصادي المنطلقة من رؤية 2030 إلى نتائج ملموسة، لعلّ أبرزها نمو القطاعات غير النفطية وارتفاع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي بصورة ملحوظة.

كذلك شهد عهد الملك سلمان تنفيذ برامج التحويل الوطني التي تضمّنت إصلاحات هيكلية شاملة، منها برنامج السعودة الذي يهدف إلى توطين الوظائف وتعزيز مشاركة المواطنين في سوق العمل بالقطاع الخاص. وقد تطوّرت بيئة الأعمال تطوراً لافتاً مما انعكس في تحسّن ترتيب المملكة في مؤشرات التنافسية الدولية وسهولة ممارسة الأعمال.

ويُعدّ الطرح العام الأولي لأسهم أرامكو السعودية عام 2019م واحداً من أبرز الإنجازات الاقتصادية في هذا العهد، إذ حقّق أعلى طرح عام في تاريخ البورصات العالمية، مما أكّد الثقة الدولية الهائلة في الاقتصاد السعودي ومتانة مؤسساته.

عاشراً: الشخصية والقيم

على الصعيد الشخصي، يُوصف الملك سلمان بأنه إنسان من طراز فريد يجمع بين الجدية والدفء الإنساني، عُرف بحبه للقراءة والتاريخ والأدب، وبتذوقه الرفيع للشعر العربي الأصيل. وهو إنسان يؤمن بقيمة الزمن إيماناً راسخاً، معروف بدقته والتزامه في مواعيده وحرصه الشديد على الإنجاز الملموس لا الوعد المجرد.

تتميز شخصية الملك سلمان بالعدل والحزم في آنٍ واحد، فهو يقدر الرأي ويستشير ذوي الكفاءات والخبرات، غير أنه في المقابل رجل قرار حازم لا يتردد حين تقتضي المصلحة اتخاذ خطوات جريئة. وقد أظهر خلال عقود إمارته للرياض قدرة فائقة على إدارة النزاعات وحلّ الخلافات بالحكمة والروية، وهو ما اكسبه احترام الأسرة الحاكمة وثقة الشعب السعودي معاً.

كما يُعدّ الملك سلمان من الداعمين الكبار للعلم والمعرفة، ويُنسب إليه دعم عدد من المؤسسات الأكاديمية والثقافية والبحثية. وقد أبدى اهتماماً خاصاً بصون التراث الثقافي والحضاري للجزيرة العربية، وكان من الأوائل الذين نبّهوا إلى أهمية جمع المخطوطات والوثائق التاريخية وصونها.

حادي عشر: دوره في خدمة العالم الإسلامي

لم يكن دور الملك سلمان محصوراً في حدود بلاده، بل امتد أثره إلى العالم الإسلامي الأوسع. فعلى الصعيد الإنساني، قدمت المملكة تحت قيادته مساعدات إنسانية ضخمة للدول المنكوبة والشعوب المتضررة من الكوارث والنزاعات في شتى أرجاء العالم. وقد وفّرت المملكة من خلال مؤسساتها الخيرية الدولية ملايين الدولارات دعماً للاجئين والنازحين ومتضرري الأزمات الإنسانية في اليمن وسوريا وغيرها.

وفي إطار قيادته لمنظمة التعاون الإسلامي ودعمه لمؤسسات العالم الإسلامي، حرص الملك سلمان على تعزيز مبدأ الوحدة الإسلامية والتضامن بين الدول الإسلامية في مواجهة التحديات المشتركة. كما وقفت المملكة في عهده وقفة راسخة إلى جانب الشعوب الإسلامية المستضعفة في شتى أنحاء العالم، من جزر القمر إلى البوسنة إلى ميانمار وسواها.

ثاني عشر: التحديات والمواجهة

لم يخلُ عهد الملك سلمان من تحديات جسيمة، كان في مقدمتها الصراع المستمر في اليمن الذي استنزف موارد ضخمة وأثار جدلاً دولياً واسعاً. كذلك شكّلت العلاقة مع إيران وملفاتها الإقليمية الساخنة في العراق وسوريا ولبنان واليمن أزمة مستمرة تطلّبت إدارة دقيقة ومتأنية.

وعلى الصعيد الداخلي، تطلّب ضبط وتيرة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي مهارة قيادية فائقة لاحتواء ردود الفعل ومراعاة حساسية القطاعات المجتمعية المختلفة. وقد واجهت المملكة أيضاً تداعيات الحرب التجارية الدولية وتقلبات أسعار النفط التي ألقت بظلالها على الموازنة العامة للدولة.

غير أن ما ميّز هذه القيادة هو قدرتها على إدارة الأزمات بهدوء وإصرار، والتعامل مع التحديات بوصفها فرصاً للإصلاح لا عوائق للتقدم. وقد ظلّ الملك سلمان حاضراً بثقله القيادي في كل محطة فارقة، مؤكداً صورة الدولة التي تدير شؤونها بثبات وحكمة.

ثالث عشر: إسهاماته في استقرار المنطقة

شكّلت المملكة العربية السعودية تحت قيادة الملك سلمان ركيزة من أهم ركائز الاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، التي شهدت موجات متتالية من الاضطرابات والتحولات. وقد لعبت الرياض دور الوسيط والراعي في كثير من المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء النزاعات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتخاصمة.

كما شكّل دعم الملك سلمان لمسيرة التسوية السياسية في ليبيا والسودان وعدد من الدول العربية التي عاشت مراحل اضطراب، نموذجاً للدبلوماسية الناضجة التي تقدّم الحلول السياسية على خيارات المواجهة. وفي هذا السياق، أبدت المملكة رغبة حقيقية في المساهمة في إيجاد حلول ناجحة لأزمات المنطقة، انطلاقاً من إدراكها أن الاستقرار الإقليمي شرط لازم لإنجاح مسيرة التنمية الداخلية.

رابع عشر: مكانته لدى الشعب السعودي

تكشف الشواهد الميدانية والمعطيات المتاحة عن مكانة رفيعة يحظى بها الملك سلمان في قلوب أبناء شعبه. فهو في الوجدان الشعبي السعودي ليس مجرد ملك يجلس على العرش، بل هو رمز الأمان والاستقرار وصاحب المسيرة الإصلاحية التي أعادت للشباب السعودي الأمل في مستقبل مزدهر. وقد أسهمت الإصلاحات الاجتماعية في تعزيز الشعور بالفخر الوطني لدى شريحة الشباب التي تمثّل غالبية سكان المملكة.

كما أن السياسة الاجتماعية المنفتحة التي شهدتها المملكة في عهده قلّصت الهوة بين الأجيال ووحّدت المجتمع حول مشروع وطني تنموي مشترك يجعل كل مواطن شريكاً في صنع مستقبله وعطاءه، لا مجرد متلقٍّ سلبي لخدمات الدولة.

خاتمة

يبقى الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود شخصية استثنائية في تاريخ المملكة العربية السعودية والعالم العربي؛ رجلٌ صاغت فيه العقود الطويلة من الخبرة الإدارية والسياسية مزيجاً نادراً من الحكمة والشجاعة والبُعد الاستراتيجي. جاء إلى الحكم في مرحلة بالغة التعقيد، فكان له ما أراد: أن يحمل بيده مشعل التحديث دون أن يتخلى عن ثوابت الهوية، وأن يفتح أبواب الإصلاح دون أن يُفقد المجتمع توازنه، وأن يرسم مستقبلاً أكثر إشراقاً لأجيال السعودية القادمة.

إن المملكة العربية السعودية اليوم ليست هي المملكة التي استقبلت الملك سلمان على عرشها عام 2015م؛ فقد تغيّر فيها الكثير وتطوّر وتحوّل، وكل ذلك في خضمّ مرحلة عالمية مضطربة ومتقلبة. وهذا التحوّل الذي يشهده الجميع اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة رؤية قيادية واضحة وإرادة سياسية راسخة وإيمان عميق بأن هذه الأمة قادرة على أن تكون في مقدمة الأمم.

وفي نهاية المطاف، سيحكم التاريخ على الملك سلمان بما أنجزه في عهده لا بما وعد به، وما تشير إليه الشواهد الراهنة يوحي بأن هذه الصفحة من تاريخ المملكة ستبقى واحدة من أزهر صفحاته وأكثرها ثراءً وحيوية وعطاءً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *