الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا): نحو مستقبل رقمي واعد

الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا): نحو مستقبل رقمي واعد

الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا): نحو مستقبل رقمي واعد

الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا): نحو مستقبل رقمي واعد

في عالم يتسارع فيه التحول الرقمي بوتيرة غير مسبوقة، وتتنافس فيه الدول والشركات الكبرى على امتلاك ناصية البيانات والذكاء الاصطناعي، أدركت المملكة العربية السعودية مبكراً أن المعلومة هي النفط الجديد، وأن الاستثمار في تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي ليس ترفاً بل ضرورة استراتيجية لا غنى عنها. من هذا الإدراك العميق وُلدت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، المعروفة بـ”سدايا”، لتصبح المحرك الرئيسي لمسيرة التحول الرقمي في المملكة، والذراع التنفيذية لأهداف رؤية 2030 في قطاع التقنية والابتكار.

منذ تأسيسها عام 2019، لم تقتصر “سدايا” على كونها جهة حكومية تنظيمية، بل أضحت محوراً حقيقياً للتحول الوطني الشامل؛ تجمع بين التشريع والبنية التحتية وبناء القدرات البشرية وتطوير الحلول التقنية المتقدمة. وفي هذه المقالة، نستعرض بالتفصيل نشأة هذه الهيئة ورؤيتها وأهدافها الاستراتيجية، وأبرز مبادراتها وإنجازاتها، ودورها المحوري في رسم ملامح المستقبل الرقمي للمملكة العربية السعودية.

النشأة والتأسيس: قرار ملكي يرسم مساراً جديداً

تأسست الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” بموجب الأمر الملكي رقم (أ/471) الصادر في الثلاثين من أغسطس عام 2019م، لتكون بذلك من أوائل الجهات الحكومية المتخصصة في هذا المجال على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد جاء إنشاؤها استجابةً لحاجة ماسّة لتوحيد الجهود الوطنية المبعثرة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي تحت مظلة واحدة، وتحويلها من مبادرات متفرقة إلى منظومة وطنية متكاملة.

ترتبط “سدايا” تنظيمياً برئيس مجلس الوزراء مباشرةً، مما يعكس الأهمية القصوى التي توليها القيادة السعودية لهذا القطاع الحيوي، ويمنح الهيئة صلاحيات واسعة ومرونة عالية في اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية بالتنسيق مع مختلف الجهات الحكومية والقطاع الخاص.

تضم “سدايا” تحت مظلتها منظومة متكاملة من الكيانات والجهات المتخصصة، وفي مقدمتها: المركز الوطني للبيانات والسحابة الحكومية الذي يتولى إدارة البنية التحتية الرقمية للحكومة، والمركز الوطني للذكاء الاصطناعي المعني بتطوير الحلول الذكية وتطبيقاتها في القطاعات المختلفة، فضلاً عن مجموعة “sdaia” للخدمات الرقمية التي تعمل على تقديم الخدمات التقنية المتكاملة للمستفيدين من الجهات الحكومية والخاصة.

الرؤية والرسالة: بوصلة تقود نحو الريادة

تنطلق “سدايا” من رؤية طموحة تتمثل في جعل المملكة العربية السعودية ضمن دول الريادة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي. وهذه الرؤية ليست مجرد شعار يُرفع في المحافل، بل تتجسد في خطط عملية وأهداف قابلة للقياس، أبرزها الوصول إلى ضمن أعلى خمس عشرة دولة في مؤشرات الذكاء الاصطناعي العالمية.

أما رسالة الهيئة، فتتمحور حول “إطلاق القيمة الكامنة للبيانات باعتبارها ثروة وطنية لتحقيق طموحات رؤية 2030″، عبر تحديد التوجه الاستراتيجي للبيانات والذكاء الاصطناعي، والإشراف على تحقيقه من خلال حوكمة البيانات وتوفير الإمكانات اللازمة لها وتعزيزها بالابتكار المتواصل.

وتستند “سدايا” في مسيرتها إلى منظومة من القيم المؤسسية الراسخة، تشمل: الإنجاز والابتكار والأثر والثقة والتعاون. هذه القيم الخمس ليست مجرد كلمات معلقة على الجدران، بل تمثل الإطار الأخلاقي والمهني الذي تعمل في ظله الهيئة وتُقيّم من خلاله أداءها وتأثيرها.

الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي: خارطة طريق للمستقبل

تُعدّ الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي الوثيقةَ الأم التي تحكم مسيرة “سدايا” وتُرسم في ضوئها الأولويات والمبادرات. وقد حظيت هذه الاستراتيجية بالموافقة السامية الكريمة في عام 1441هـ، لتنطلق بعدها “سدايا” في تفعيل مبادراتها وبرامجها بالتنسيق مع مختلف الجهات الحكومية والخاصة.

تقوم هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية متكاملة:

أولاً: تلبية الاحتياجات الملحة وتمكين التحول الوطني. إذ تسعى الاستراتيجية إلى الاستجابة لاحتياجات القطاعات الوطنية المختلفة من تحول رقمي وفق أولويات رؤية 2030، سواء في القطاع الصحي أو التعليمي أو الصناعي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. وتعمل “سدايا” على توفير الأدوات والحلول الرقمية التي تُمكّن هذه القطاعات من تحسين كفاءتها واتخاذ قراراتها استناداً إلى البيانات بدلاً من التخمين.

ثانياً: بناء الأسس للميزة التنافسية. يتمثل هذا المحور في التخصص في مجالات محددة تمتلك فيها المملكة مزايا تنافسية حقيقية، وبناء منظومة اقتصادية جاذبة تضم بنية تحتية بمستوى عالمي، وبيئات اختبارية مناسبة، وحوكمة بيانات فاعلة، ومحفزات تجارية، ومبادرات مدعومة حكومياً، بمستويات متدنية من المعوقات النظامية.

ثالثاً: التنافس على المستوى الدولي. يستهدف هذا المحور الانضمام إلى الاقتصادات الرائدة التي تستفيد من البيانات والذكاء الاصطناعي، من خلال ترسيخ موقع المملكة كمركز عالمي لتمكين أفضل تقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي. كما تهدف الاستراتيجية إلى تطوير القوى العاملة ببناء مورد مستدام للكفاءات الوطنية في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي، وتمكين أكثر من عشرين ألف متخصص وخبير في هذا المجال الحيوي.

البنية التحتية الرقمية: الأساس الذي يُبنى عليه المستقبل

لا يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي وبيانات دون بنية تحتية رقمية متينة تشكّل العمود الفقري لكل هذه التحولات. وفي هذا السياق، تتولى “سدايا” عبر المركز الوطني للبيانات والسحابة الحكومية تقديم خدمات سحابية بأعلى المعايير والمواصفات للجهات الحكومية، مع تعظيم الموثوقية والمتانة التشغيلية والريادة في الأمن السيبراني.

وتضطلع “سدايا” بدور محوري في تعزيز منظومة بنك البيانات الوطني وتقديم التحليلات الداعمة لاتخاذ القرار، مما يُمكّن الجهات الحكومية من الوصول إلى بيانات دقيقة وموثوقة بشكل آمن ومنظم. وقد كان لهذه البنية التحتية الدور الفاعل في تطوير تطبيقات وطنية بارزة كتطبيق “توكلنا” الذي أطلقته “سدايا” إبان جائحة كوفيد-19، وأثبت كفاءة عالية في تنظيم التنقل ومتابعة الحالات الوبائية بشكل غير مسبوق على مستوى المنطقة.

الحوكمة وحماية البيانات: ضمانات للثقة الرقمية

إدراكاً منها بأن البيانات قوة ثنائية الحد يمكن أن تُستخدم للبناء أو الإضرار، تُولي “سدايا” اهتماماً بالغاً لحوكمة البيانات وحماية الخصوصية الشخصية. وفي هذا الإطار، تشرف الهيئة على تطبيق نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة العربية السعودية، وتعمل على سنّ اللوائح والتشريعات التي تضمن الاستخدام الأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتُعدّ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أحد الركائز الأساسية في فلسفة “سدايا”؛ إذ تحرص الهيئة على أن تكون تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تُطوَّر في المملكة مبنية على مبادئ الشفافية والمساءلة والعدالة وعدم التحيز، بما يكفل حقوق الأفراد ويصون كرامتهم في عالم رقمي متسارع التطور.

كذلك تعمل “سدايا” على توحيد المعايير الوطنية للبيانات وضمان جودتها وإتاحتها للجهات المصرح لها بصورة منظمة، من خلال بوابة البيانات الوطنية المفتوحة التي تُتيح مجموعات كبيرة من البيانات الحكومية للباحثين والمطورين والمستثمرين، مما يفتح آفاقاً واسعة للابتكار وريادة الأعمال القائمة على البيانات.

بناء القدرات البشرية: الاستثمار في رأس المال الحقيقي

تؤمن “سدايا” إيماناً راسخاً بأن التقنية وحدها لا تصنع نهضة، وأن الإنسان هو جوهر أي تحول حقيقي ومستدام. لذلك تُخصص الهيئة اهتماماً استثنائياً لبناء القدرات البشرية الوطنية في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، عبر منظومة متكاملة من البرامج والمبادرات.

أكاديمية سدايا هي المظلة التدريبية الرئيسية للهيئة، وتهدف إلى تدريب وتأهيل القدرات الوطنية في البيانات والذكاء الاصطناعي عبر برامج تدريبية احترافية بالتعاون مع أهم الشركاء محلياً وعالمياً، تلبيةً لاحتياجات سوق العمل وتعزيزاً لفرص المستقبل. وقد أسهمت الأكاديمية في تخريج آلاف المتخصصين والمحترفين في مجالات تحليل البيانات والتعلم الآلي ومعالجة اللغات الطبيعية والذكاء الاصطناعي التوليدي وغيرها.

مبادرة “مليون سعودي للذكاء الاصطناعي – سماي” تُمثّل أحد أبرز المبادرات المجتمعية التي أطلقتها “سدايا” بالتعاون مع وزارة التعليم ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وتستهدف تدريب مليون مواطن ومواطنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخداماتها وأخلاقياتها والأدوات اللازمة لدمجها في الأعمال والحياة اليومية. يُقدَّم البرنامج بالكامل مجاناً وباللغة العربية، ومنح شهادات معتمدة للمشاركين، ويستهدف جميع الفئات العمرية بصرف النظر عن مستوياتهم التعليمية أو خلفياتهم المهنية.

برنامج الابتعاث في الذكاء الاصطناعي يُمثّل جسراً نحو الريادة العالمية، إذ يهدف إلى ابتعاث الطلاب السعوديين المتميزين للدراسة في أفضل الجامعات العالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، لبناء جيل وطني يقود مستقبل التقنية ويساهم في الإنتاج المعرفي العالمي.

الأولمبياد الوطني “أذكى” يستهدف الطلاب الموهوبين في مجال الذكاء الاصطناعي، ويُشكّل منصة لاكتشاف المواهب الوطنية الناشئة وصقل مهاراتهم وتأهيلهم للمنافسة على المستوى الدولي.

الإنجازات والمواقع في المؤشرات العالمية: أرقام تتحدث

لم تكتفِ “سدايا” بصياغة الرؤى وإطلاق المبادرات، بل أثمرت جهودها عن إنجازات ملموسة يشهد لها المحافل الدولية. وفي عام 2024، واصلت المملكة العربية السعودية بقيادة “سدايا” تحقيق مراكز متقدمة في المؤشرات الدولية لمجال الذكاء الاصطناعي والبيانات.

على صعيد الإنجازات النوعية، طورت “سدايا” نموذجاً لغوياً ضخماً للغة العربية، أدرجته على منصة Hugging Face العالمية ليكون من أفضل النماذج التوليدية باللغة العربية على مستوى العالم، فضلاً عن إدراجه في منصة watsonx التابعة لشركة IBM خلال مؤتمر IBM Think 2024، مما يؤكد مكانة المملكة كقوة فاعلة في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي ودفع حدود التقنية.

ووفقاً لمؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2025، احتلت المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى عالمياً في تمكين المرأة في مجال الذكاء الاصطناعي، وحققت مراكز متقدمة في نمو الوظائف واستقطاب الكفاءات وتطوير النماذج الذكية الرائدة. كما أشاد تقرير منظمة “اليونيسكو” الدولي الصادر في ختام عام 2024 بمستوى جاهزية المملكة في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يُعكس التزام “سدايا” بالمعايير الدولية في مجال التنمية الرقمية.

كما حققت المملكة المركز الأول في استراتيجية الذكاء الاصطناعي، والبيانات الحكومية المفتوحة، ومسابقات الذكاء الاصطناعي للشباب في عدد من المحافل الدولية، وهو ما يعكس شمولية رؤية “سدايا” التي لا تقتصر على تطوير التقنية بل تمتد إلى بناء البيئة التشريعية والمعرفية والمجتمعية المحيطة بها.

قمة الذكاء الاصطناعي العالمية: المملكة مضيفاً للحوار الدولي

تُعدّ قمة الذكاء الاصطناعي العالمية، التي تنظمها “سدايا”، من أبرز الفعاليات التقنية الدولية التي تستضيفها المملكة العربية السعودية. وفي عام 2024، نظمت “سدايا” النسخة الثالثة من هذه القمة في مدينة الرياض، بمشاركة أكثر من 465 متحدثاً وشخصية عالمية من مئة دولة من مختلف أنحاء العالم.

وتمثل هذه القمة منصةً للحوار الجاد حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وتأثيراته الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وتتيح للمملكة تعزيز شراكاتها الدولية ووضع نفسها في قلب النقاشات الاستراتيجية العالمية المتعلقة بهذه التقنية الثورية. كما أسهمت القمة في استقطاب كبرى الشركات التقنية العالمية للاستثمار في المملكة والشراكة مع كياناتها المحلية.

المنتدى العالمي للمدن الذكية: نحو مدن أكثر إنسانية

في عام 2024، نظمت “سدايا” المنتدى العالمي للمدن الذكية، الأول من نوعه الذي يُنظم في المملكة العربية السعودية، تحت شعار “حياة أجود”، وشارك فيه صانعو السياسات الاقتصادية من أكثر من أربعين دولة حول العالم. وقد خرج المنتدى بعدد من التوصيات حول الحلول الرقمية المبتكرة لتحقيق أعلى مستويات التنمية في المدن الحضرية الحديثة.

وتتجلى في هذه الفعالية رؤية “سدايا” التكاملية التي تنظر إلى البيانات والذكاء الاصطناعي ليس كغاية في حد ذاتها، بل كوسيلة لتحسين جودة حياة الإنسان وتعزيز الاستدامة والرفاهية في المدن. وتشمل محاور اهتمام المنتدى معالجة مظاهر التشوه البصري في المدن، والحدّ من الازدحام المروري، والتخطيط العمراني الفعال الذي يستشرف احتياجات الحاضر والمستقبل.

تطبيق توكلنا: كيف أثبتت سدايا كفاءتها في الأزمات

لعل تطبيق “توكلنا” كان الاختبار الأكثر قسوة وأكثر شهرةً لقدرات “سدايا” على الاستجابة السريعة وتقديم حلول تقنية في ظروف الطوارئ. فعندما اجتاح فيروس كوفيد-19 العالم عام 2020، سارعت “سدايا” إلى تطوير هذا التطبيق الذي أصبح المنصة الرقمية الرسمية لإدارة تصاريح التنقل، ومتابعة نتائج الفحوصات، وإصدار شهادات التطعيم، وتنظيم الحجاج والمعتمرين.

ولم يقتصر نجاح “توكلنا” على حل مشكلة آنية، بل كشف عن قدرة “سدايا” على تطوير تطبيقات وطنية متكاملة وآمنة وقابلة للتوسع في فترة زمنية قياسية، وأثبت أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية ليس رفاهية بل ضرورة وجودية تُجنّب الدول الأزمات أو تُخففها حين تقع.

المشهد الإقليمي والدولي: سدايا مرجعاً للمنطقة

تجاوز أثر “سدايا” الحدود الوطنية ليصل إلى محيطها الإقليمي والدولي، إذ باتت الهيئة مرجعاً ومصدر إلهام لعدد من الدول العربية والنامية التي تسعى إلى بناء استراتيجياتها في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي. وتتعدد الاتفاقيات والمذكرات التي وقّعتها “سدايا” مع جهات دولية من أمريكا وأوروبا وآسيا وأفريقيا، في دلالة واضحة على مكانتها المتنامية كلاعب دولي رئيسي في هذا القطاع.

كما تُسهم “سدايا” في المنتديات والهيئات الدولية المعنية بوضع معايير الذكاء الاصطناعي وحوكمته، وهو ما يمنح المملكة العربية السعودية صوتاً مؤثراً في تشكيل الأطر التنظيمية الدولية لهذه التقنية التي تعيد رسم ملامح الاقتصاد والمجتمع العالميين.

التحديات والمسار إلى الأمام

على الرغم من الإنجازات الباهرة التي حققتها “سدايا” في وقت قياسي، يظل الطريق أمامها محفوفاً بتحديات جسيمة تستدعي تعاملاً استراتيجياً حكيماً. تتصدر هذه التحديات مسألة الفجوة في المهارات والكفاءات، إذ لا تزال الحاجة قائمة إلى أعداد أكبر بكثير من المتخصصين السعوديين في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، وهو ما تسعى مبادرات بناء القدرات إلى معالجته على المدى المتوسط والبعيد.

وتبرز كذلك تحديات تتعلق بحوكمة البيانات وضمان خصوصيتها في ظل التوسع المتسارع في جمعها ومعالجتها واستخدامها، مما يستلزم تطوير مستمر للأطر التشريعية واللوائح التنظيمية بما يواكب التطور التقني المتسارع. كما تتطلب الطبيعة الدينامية للذكاء الاصطناعي استثمارات ضخمة ومتواصلة في البحث والتطوير، لضمان عدم تراجع المملكة عن المواقع التنافسية التي حققتها.

على صعيد آخر، تُمثّل مسألة التوزان بين الانفتاح الرقمي ومتطلبات الأمن السيبراني تحدياً دائماً ومتطوراً، لا سيما مع تصاعد التهديدات الرقمية وأساليبها المتجددة على مستوى العالم. وتُدرك “سدايا” هذه التحديات وتعمل على معالجتها بمنهجية واضحة ورؤية بعيدة المدى.

الشراكات الاستراتيجية: قوة التحالفات في بناء الريادة

تؤمن “سدايا” بأن الريادة الحقيقية تُبنى من خلال التحالفات والشراكات الاستراتيجية، لا بمعزل عن المنظومة الدولية. وفي هذا الإطار، أرست الهيئة شراكات متينة مع كبرى شركات التقنية العالمية، من بينها غوغل وأمازون ومايكروسوفت وآي بي إم ونفيديا وغيرها، من أجل بناء بنية تحتية سحابية متطورة، وتطوير حلول ذكاء اصطناعي مُصمّمة لتلبية الاحتياجات الوطنية الخاصة.

وعلى الصعيد الأكاديمي، تتعاون “سدايا” مع عدد من أرفع الجامعات العالمية في مجالات البحث العلمي وتطوير المناهج التدريبية وتأهيل الكفاءات البشرية، مما يضمن انتقال أحدث المعارف والخبرات إلى الإنسان السعودي الذي سيكون في نهاية المطاف المحرك الحقيقي لهذا التحول.

كما تُعزز “سدايا” تعاونها مع الجامعات والمراكز البحثية السعودية، ولا سيما جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، وجامعة الملك عبد العزيز، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وغيرها من المؤسسات الأكاديمية الرائدة، في مسعى للربط الوثيق بين مخرجات البحث العلمي وتطبيقاته على أرض الواقع.

خاتمة: نحو غدٍ رقمي مزدهر

تُمثّل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” نموذجاً ملهماً يُجسّد كيف يمكن للإرادة الوطنية الصادقة، مقترنةً برؤية استراتيجية واضحة واستثمار حكيم في الإنسان والتقنية، أن تُحدث تحولاً جذرياً في مسار دولة خلال سنوات قليلة.

فمنذ تأسيسها عام 2019، استطاعت “سدايا” أن تضع المملكة العربية السعودية في قلب الخريطة العالمية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وأن تُحوّل التوجيهات الملكية والرؤية الوطنية إلى برامج ومبادرات ملموسة تُحدث فارقاً حقيقياً في حياة المواطنين وقدرة المؤسسات واستدامة الاقتصاد.

والأهم من ذلك كله أن “سدايا” أدركت منذ البداية أن الذكاء الاصطناعي ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو أداة لخدمة الإنسان وتحسين جودة حياته، وأن أي ذكاء اصطناعي يفتقر إلى بُعده الأخلاقي والإنساني لا يصمد أمام اختبارات الزمن. ومن هذا المنطلق الإنساني العميق تواصل “سدايا” مسيرتها نحو مستقبل رقمي يجمع بين التطور التقني والحكمة الإنسانية، ويُحقق لأبناء المملكة العربية السعودية وللعالم أجمع “حياة أجود”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *