المهرجانات الثقافية والموسمية في المملكة العربية السعودية
المهرجانات الثقافية والموسمية في المملكة العربية السعودية
المهرجانات الثقافية والموسمية في المملكة العربية السعودية
بلاد تُعيد اكتشاف نفسها
ثمة لحظات في تاريخ الأمم تكتسب فيها الاحتفالاتُ معنىً أعمق من مجرد الفرح والترفيه؛ تتحول فيها إلى إعلان هوية، وتأكيد وجود، وعقد ثقافي بين الأجيال. تعيش المملكة العربية السعودية اليوم إحدى هذه اللحظات النادرة، إذ تزدهر في أرجائها منظومة من المهرجانات الثقافية والموسمية غير مسبوقة في حجمها وتنوعها وعمقها.
لم يأتِ هذا الازدهار من فراغ. جذوره تمتد إلى ما هو أعمق من القرارات السياسية والخطط الاقتصادية؛ إنه عودة إلى أصل بشري راسخ. فالعرب في شبه الجزيرة عرفوا الموسم الاحتفالي منذ آلاف السنين: كانوا يتوافدون من كل فجّ عميق إلى أسواقهم الكبرى ليتبادلوا الشعر والتجارة والأخبار، وكانت المواسم الزراعية تستدعي الفرح وتستوجب الشكر، وكانت لكل قبيلة طقوسها التي تُعيد بها تعريف نفسها أمام الآخرين.
واليوم، في ظل رؤية 2030 التي أعادت رسم ملامح المملكة الثقافية والاجتماعية، تتجدد هذه الموروثات وتكتسب أشكالاً معاصرة لا تتخلى عن الجوهر بينما تتبنى لغة العصر. تتوزع المهرجانات على أقاليم المملكة الواسعة من أقصى شمالها الصخري إلى أقصى جنوبها الجبلي، ومن ساحلها الأحمر الغربي إلى خليجها الذهبي الشرقي، لتُشكّل معاً لوحة ثقافية متعددة الألوان والأصوات.
في هذه المقالة، نُقلّب تلك اللوحة صفحةً صفحة، ونتوقف عند أبرز محطاتها، مستكشفين ما تحمله من دلالات وما تُخبئه من روح.
أولاً: سوق عكاظ — ذاكرة اللغة وبرلمان الشعراء
قبل الإسلام بقرون، كانت ثمة ساحة يجتمع فيها العرب من كل قبيلة ومن كل أرض؛ ساحة لا تُحكم فيها السيوف بل تتصارع فيها القصائد. كان اسمها عكاظ، وكانت تقع في وادٍ بين الطائف ومكة المكرمة، وكانت أشبه ببرلمان للبيان العربي تجتمع فيه قريش وهوازن وثقيف وغيلان، ليتنافس شعراؤها أمام محكّمين ذائعي الصيت على لقب أفصح العرب وأجزلهم شعراً.
في عكاظ وقف امرؤ القيس يُلقي معلقته فأذهل القوم، وتحدّى النابغة الذبياني الجميع فنُصبت له خيمة حمراء ليجلس فيها قاضياً للشعراء. كانت عكاظ أكثر من سوق؛ كانت الذاكرة الحية للعرب، وخزّانهم الجمالي، وسجلّهم الإنساني.
اليوم، يُعاد إحياء هذه الذاكرة في شكل مهرجان سنوي يُنظَّم في الموقع التاريخي ذاته، تحت إشراف هيئات ثقافية تعي أن هذا الموروث ليس مجرد تراث أثري بل هو نبض حيّ لم ينطفئ. يستقطب مهرجان عكاظ شعراء من كل ربوع الوطن العربي وما وراءه، ويُقيم ندوات أدبية وفكرية تتناول الشعر العربي في أبعاده الكلاسيكية والمعاصرة، وتُنظَّم فيه مسابقات لشعر الفصحى تُشجع الأجيال الجديدة على التمسك بجمال لغتهم.
ما يجعل عكاظ فريداً بين المهرجانات هو هذا الإحساس بالاستمرارية العميقة؛ حين يُلقي شاعر شاب قصيدته في هذا الوادي، فإنه يُحسّ أن شيئاً ما لا يموت، وأن الخيط الرابط بينه وبين من سبقوه قبل ألف وخمسمائة سنة لم ينقطع. إنه مهرجان يُعيد لكل متذوق للعربية ثقته بأن لغته ليست متحفاً بل حديقة تتجدد كل موسم.
ثانياً: مهرجان الجنادرية — موسوعة تراثية تمشي على الأقدام
لو أراد أحدهم أن يُعرّف ضيفاً أجنبياً بالمملكة العربية السعودية في يوم واحد، لأخذه إلى الجنادرية. في هذه القرية التراثية التي تقع شمال شرق الرياض، تتجاور نماذج معمارية من كل منطقة من مناطق المملكة الثلاثة عشر، فيشعر الزائر أنه يمشي خلال مقطع طويل من كتاب جغرافي وإنساني في آنٍ معاً.
تأسس مهرجان الجنادرية عام 1985 بدعم من الحرس الوطني السعودي، وعلى مدى أربعة عقود كان الحدث الثقافي الأكبر في المملكة والأوسع انتشاراً في منطقة الخليج. يُقام المهرجان في ربيع كل عام ويمتد أسابيع عدة، تُقدَّم خلالها فعاليات تمسّ كل جانب من جوانب الهوية السعودية.
أبرز ما يُميز الجنادرية هو سوق الحرف التقليدية؛ حيث يجتمع الحرفيون من مختلف مناطق المملكة ليعرضوا إبداعاتهم التي ورثوها عن أجدادهم. هنا تجد صانع الخناجر من نجد يُشكّل الحديد والفضة بيديه، وأمامك نساجة السدو من الشرقية تنسج الخيوط بصبر لا يُقارن، وقريباً منهما نقّاشة المباخر من الحجاز تزيّن أعمالها بنقوش تحمل توقيع الذوق العربي الأصيل.
في الليالي، تشتعل الجنادرية بعروض الفنون الشعبية: العرضة النجدية بسيوفها المُضيئة وطبولها الرنّانة، والمزمار الحجازي بإيقاعاته السريعة وأقدامه الراقصة، وعروض الفروسية التي يُتقنها الفرسان ببراعة توقف الأنفاس. ولا تغيب مسابقات شعر النبط، تلك القصائد العامية التي تحمل خلاصة حكمة الجزيرة العربية وعاطفتها الدافئة.
الجنادرية في النهاية ليست مجرد مهرجان؛ إنها المكان الذي تلتقي فيه المملكة بنفسها، وتُعيد التعرف على تنوعها الذي طالما كان كنزاً مخفياً.
ثالثاً: موسم الرياض — عاصمة تُعلن نفسها للعالم
حين انطلق موسم الرياض للمرة الأولى عام 2019، أرسل رسالة واضحة إلى العالم: الرياض ليست مجرد مدينة إدارية وسياسية، بل هي عاصمة ترفيه وإبداع في طور التشكّل. وقد أثبتت الأعوام التالية أن هذه الرسالة لم تكن مجرد طموح بل خطة موضوعة بدقة تتحقق بثبات.
يمتد موسم الرياض من أكتوبر حتى فبراير، ليُلقي بظلاله على المدينة كلها في شكل أحياء ترفيهية كبرى تتوزع على مساحات جغرافية واسعة. ويتضمن طيفاً من الفعاليات يكاد يُغطي كل اهتمام بشري ممكن: حفلات موسيقية تجمع أكبر الأسماء العالمية والمحلية، وعروض كوميدية يُقدّمها نجوم سعوديون بدأوا يُثبتون وجودهم في خريطة الكوميديا العربية، ومعارض للفنون البصرية، ومهرجانات للطعام تستضيف أشهر مطاعم العالم جنباً إلى جنب مع عربات الأكل الشعبية السعودية، وبطولات في الألعاب الإلكترونية تجتذب الشباب بالآلاف.
لكن ما يجعل موسم الرياض يختلف عن مجرد نسخة خليجية من فعاليات عالمية هو اصراره على التجذّر في الهوية المحلية. خُصصت له أجنحة تحتفي بالموروث السعودي في كل تجلياته؛ من الأزياء التقليدية إلى الحرف اليدوية، ومن الأكلات الشعبية الأصيلة إلى قصص الحكواتيين الذين يُحيون فن السرد الشفهي في أجواء معاصرة.
من الناحية الاقتصادية، أسهم موسم الرياض في دفع عجلة السياحة الداخلية والخارجية بصورة لافتة، وخلق فرص عمل في قطاعات الترفيه والضيافة والإعلام والتقنية، مُثبتاً أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفاً بل ضرورة اقتصادية في عالم تتنافس فيه المدن على استقطاب المواهب والزوار.
رابعاً: موسم جدة — حيث التاريخ يتنفس مع البحر
جدة مدينة لها شخصية مركّبة لا تُشبه أي مدينة سعودية أخرى. بوابة مكة المكرمة عبر قرون من الحج، وميناء التجارة الذي كان يستقبل السفن من كل أصقاع العالم، وملتقى الثقافات الذي أفرز نسيجاً بشرياً فريداً يجمع أصول أفريقية وهندية ومصرية وحجازية في تشكيلة إنسانية لا تجدها في أي مكان آخر. هذه التعددية هي التي منحت جدة روحها الكوزموبوليتانية المتسامحة، وهي ما يتجلى في موسمها السنوي.
يستثمر موسم جدة موقعها الجغرافي الساحر على امتداد البحر الأحمر؛ إذ تُقام فعالياته المائية على الكورنيش الشهير، من سباقات الزوارق الكهربائية إلى عروض الألعاب النارية التي تُصبغ السماء ألواناً فوق مياه تبدو في تلك اللحظات كمرآة سحرية. ويتمدد الموسم نحو قلب المدينة القديمة، حيث تتحول أزقة البلد العتيقة المُصنَّفة تراثاً عالمياً لدى اليونسكو إلى مسارح مفتوحة تحت السماء.
تلك المباني ذات الروشان الخشبي، التي نجت بأعجوبة من مد الإسمنت وضغط العمران الحديث، تستعيد في أيام الموسم بهاءها القديم. يمشي الزائر في أزقتها الضيقة فيشعر أن الجدران تحكي قصصاً لم تُكتب بعد؛ قصص التجار القادمين من الهند وشرق أفريقيا، وقصص الحجاج الذين مرّوا من هنا في طريقهم إلى البيت الحرام، وقصص البنّاءين الذين نحتوا تلك الواجهات الخشبية المزخرفة بعناية صائغٍ يُشكّل الذهب.
يُولي موسم جدة الموسيقى والفنون الأدائية مكانة خاصة، إذ تُقام الحفلات في الهواء الطلق مع خلفية فضية من مياه البحر الأحمر، وتُستضاف الفرق المسرحية في أجواء تدمج الفن بالمكان دمجاً لا يُتيحه أي قاعة مغلقة في العالم.
خامساً: العُلا ومهرجان نوء — حيث الحجر يُكلّم الإنسان
لو اخترت مكاناً واحداً في المملكة العربية السعودية يُجسّد الجسر بين الحضارات عبر الأزمنة، لاخترت العُلا. في هذا الوادي الجيولوجي العظيم الواقع شمال غرب المملكة، تقف أمامك صخور الحجر الرملي الوردية والبرتقالية كأنها منحوتات نحتها عملاق بلا وجه، وفي ظلالها تقوم مدائن صالح (الحِجر) بأبراجها الجنائزية النبطية التي نافست في وقتها عظمة البترا الأردنية.
هنا، حيث دفن الأنباط ملوكهم في بيوت صخرية أبدية، وحيث مرّت قوافل اللبان والبخور في طريقها من جنوب الجزيرة إلى بلاد الشام ومصر وروما، أُسِّس مهرجان “نوء”؛ وهو تجربة ثقافية مختلفة لا تُشبه أي مهرجان آخر على الخريطة السعودية.
يدعو مهرجان نوء فنانين من كل أنحاء العالم ليخلقوا أعمالاً مستوحاة من روح العُلا وجغرافيتها وتاريخها. تشمل هذه الأعمال منشآت ضوئية تُسلّط على الصخور الضخمة فتحيّلها إلى لوحات متحركة، وعروض أداء تدور بين الأعمدة الأثرية، وتجهيزات صوتية تجعلك تُصغي إلى “صوت الصخر” في صمت الليل الصحراوي. إنه مهرجان يتحدى تعريف الفن ويدعو الإنسان إلى تجربة من المستحيل نسيانها.
ولا تقتصر فعاليات موسم العُلا على نوء؛ إذ تمتد لتشمل مهرجانات الفروسية في محيط الصخور العملاقة، وحفلات موسيقية في الهواء الطلق حيث النجوم أقرب مما تعوّدت، ورحلات أثرية مُوجَّهة تأخذك في عمق حضارات الثمود والأنباط ومعين وقبل ذلك. كذلك تُصنع في العُلا تجارب بالغة الخصوصية مثل ركوب الخيل عند الفجر في الوادي، وتناول إفطار فوق منصة صخرية يُطل على أفق لا ينتهي.
سادساً: مهرجان صيف أبها — حيث الطبيعة هي المهرجان
في مكان آخر من الوطن، حيث الجبال تُطل على الغيوم من فوق لا من تحت، ينبثق مهرجان صيف أبها ليُعلن أن المملكة ليست صحراء وحسب. منطقة عسير بتضاريسها الجبلية الخضراء وهوائها المعتدل وسكانها الذين يحملون في عروقهم ميراث حضارة جبلية عريقة، تمثل وجهاً آخر للمملكة لا يحظى دائماً بما يستحق من الضوء.
يُنظَّم مهرجان صيف أبها كل صيف خلال الفترة الأشد حرارة في المملكة، فيُشكّل ملاذاً طبيعياً للسعوديين والخليجيين الباحثين عن برودة المناخ والجمال الأخضر. لكنه قبل أن يكون وجهة سياحية، هو احتفاء بخصوصية ثقافية نادرة.
نساء عسير اشتُهرن بفن “قط العسيري”، وهو فن الزخرفة الجدارية التي تُعلّم فيه الأم ابنتها كيف تُحوّل جدار المنزل إلى لوحة فنية بالأصباغ الطبيعية والنقوش الهندسية والنباتية. هذا الفن أُدرج عام 2020 على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، وصار واحداً من رموز الهوية السعودية في الاحتفاليات الدولية. يُقيم مهرجان أبها ورش عمل تُعلّم هذا الفن للزوار، وتستضيف فنانات من المنطقة يُعدن رسم تلك الزخارف في الفضاء العام وسط ذهول المتفرجين.
ويحتل الطعام العسيري مكانة مرموقة في برنامج المهرجان؛ عسل السدر الجبلي الذهبي، والحنيذ المطهو في الأرض، والمطازيز والجريش، وغيرها من أطباق لا تجدها خارج هذا السياق الجغرافي المحدد. وترتفع أصوات الرقص الشعبي العسيري بإيقاعاته المميزة وأزيائه المُطرَّزة بعناية فائقة، لتُشكّل مع الجبال والغيوم خلفية لصورة لا تُنسى.
سابعاً: مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل — ملحمة الصحراء
ثمة مشهد لا تنساه متى رأيته: الآف الإبل تسير في صحراء شاسعة، فرادى وجماعات، بينما يتابعها ملاك يُدنون عيونهم ليتأملوا كل تفصيل في رسنٍ أو رقبة أو خطوة. هذا هو قلب مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل، الذي يُقام سنوياً بالقرب من الرياض ليُتوّج أجمل الإبل وأرشقها وفق معايير جمالية نقلتها الأجيال عبر مئات السنين.
الجمل في الوجدان العربي ليس حيواناً فحسب؛ إنه رفيق الرحلة في الصحراء القاسية، والمِيزان الاقتصادي الذي بُنيت عليه التجارة، والرمز الشعري الذي مُدح في آلاف القصائد من المعلقات إلى قصائد اليوم. لذلك فإن مهرجان الإبل ليس مجرد مسابقة بهجة وزينة؛ إنه احتفاء بهذا الرابط الأنثروبولوجي العميق بين الإنسان العربي ومعين بقائه التاريخي في أشد بيئات الأرض قسوة.
يتضمن المهرجان منافسات الجمال التي تُقيّم الإبل بمعايير دقيقة تشمل تناسق الجسد وحجم الرأس وشكل الأذنين وكثافة الرموش وحركة الأرجل. وتُوزَّع في المهرجان جوائز تتجاوز قيمتها مئة مليون ريال على الفائزين، مما يدل على أن هذه المسابقة ليست احتفالاً شعبياً عابراً بل حدث اقتصادي وثقافي بكل معنى الكلمة.
إلى جانب مسابقات الجمال، تُقام سباقات الهجن التي تستقطب الجماهير بأعداد كبيرة، ومنافسات شعر النبط التي يتغزل فيها الشعراء بالإبل في لغة لم تتغير جوهرياً منذ آلاف السنين.
ثامناً: مهرجان البحر الأحمر السينمائي — الفن السابع يجد وطناً
في مدينة لها تاريخ مديد في استقبال الغرباء وإيوائهم، وجد مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة موطنه المثالي. انطلق المهرجان عام 2021 ليُشكّل أحد أبرز أحداث الثقافة السينمائية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ويُقدّم دليلاً صريحاً على أن المملكة العربية السعودية أصبحت لاعباً حقيقياً في صناعة الأفلام والسينما.
يُقيم المهرجان في جدة التاريخية ضمن أجواء تجمع بين الكلاسيكية المعمارية والتقنية السينمائية الحديثة. يستضيف أفلاماً من العالم العربي ومن آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، مُسلّطاً الضوء على الأصوات الإبداعية المستقلة التي كثيراً ما تُفاجئ بالعمق والجرأة. ويُتيح للمخرجين السعوديين الشباب، الذين أصبحوا يُنتجون أفلاماً ذات مستوى يستحق الاعتراف الدولي، منصةً للحضور والتواصل مع صناع الأفلام من كل بقاع العالم.
ما يُضفي على مهرجان البحر الأحمر طابعه الخاص هو هذا التلاقي بين الموروث البصري المحلي والنظرة الإنسانية الكونية التي تميز الفن السينمائي في أفضل حالاته. الفيلم السعودي لم يعد غريباً في المشهد الدولي؛ بل إن بعض الأعمال السعودية الأخيرة نالت اهتماماً نقدياً وجماهيرياً يدل على أن هذه الصناعة في طور نضج حقيقي.
تاسعاً: المواسم الزراعية والمهرجانات الطبيعية
قد يُفاجأ من يرى المملكة صحراء قاحلة حين يعلم أنها تمتلك مواسم زراعية تتسم بثراء نادر. فالمملكة من أكبر مصدّري التمور في العالم، وفي موسم الحصاد يتحول قلب بعض المدن كالمدينة المنورة والأحساء والقصيم إلى مهرجانات حية تفوح فيها روائح التمر الرطب والعطش والسكري والخلاص.
يُنظَّم في هذه المناسبات فعاليات تعليمية ونسائية تُريك كيف يُقطف التمر من قمة النخلة بأساليب متوارثة لم يُلغها الحداثة، وكيف يُصنَّف ويُعبّأ ويُخزَّن وفق معارف توارثتها الأجيال عن أجيال. ومن النخيل إلى النحل، تشهد بعض مناطق الجنوب والشمال الغربي مهرجانات العسل التي تستضيف مُربّي النحل ليعرضوا ما جمعته خلاياهم من عسل السدر والأكاسيا والربيع.
ومن الطبيعة الجبلية في عسير إلى طبيعة الصحراء في الربع الخالي، بدأ المسؤولون ينظمون مهرجانات موسمية لمحبي الطبيعة تشمل رحلات المشي، وسباقات الجمال بين الكثبان الرملية، واستكشاف المحميات الطبيعية التي تضم ثروات بيئية تُرحّب بها المملكة اليوم كجزء أصيل من تراثها.
عاشراً: الرياضات التقليدية والمهرجانات الموسمية المرتبطة بها
لا تكتمل صورة المهرجانات الثقافية السعودية من دون الوقوف عند الرياضات التقليدية التي تُشكّل جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الاحتفالية في المملكة. الصقارة، تلك العلاقة الروحية بين الإنسان والطائر الجارح، نالت اعتراف اليونسكو بوصفها تراثاً إنسانياً غير مادياً مشتركاً بين دول الخليج. وتُقام لها مهرجانات موسمية تستعرض مهارات الصقارين في تدريب الصقور وإطلاقها وردّها، في مشهد يجمع الأداء الرياضي بالشعر الذي لا صوت له.
وفي الربيع، تنطلق الخيول وأصحابها في مهرجانات الفروسية التقليدية التي تُحيي ذاكرة العربي الذي عاش مع الخيل حياة مشتركة لا تنفصل. سباقات الهجن على الرمال، والسباقات الدراجية في الجبال، ومهرجانات الصيد بالسهام، كلها أنشطة باتت تُحتفى بها في سياق موسمي منظم يُعيد لها قيمتها الثقافية بدلاً من أن تترك للنسيان.
الأثر الاجتماعي والاقتصادي: ما وراء الاحتفال
ليست المهرجانات الثقافية السعودية، في جوهرها، مجرد فعاليات ترفيهية تملأ وقت الفراغ. إنها مشروع اجتماعي بالمعنى العميق للكلمة يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن السعودي وبلده، وبين المملكة والعالم من حولها.
على المستوى الاجتماعي، أسهمت هذه المهرجانات في تحويل الفضاء العام إلى مكان للقاء والمشاركة الجماعية. في مجتمع كان لفترة طويلة يُقيّد الأماكن الترفيهية العامة، غدت المهرجانات اليوم أماكن يلتقي فيها الشباب الذكور والإناث، ويتبادلون الآراء ويصنعون معاً ذوقاً جمالياً مشتركاً. هذا التحول لا تُقيّده الأرقام لكن يحسّه كل من يعيش اليوم في الرياض أو جدة أو أبها.
كذلك أسهمت في تمكين المرأة السعودية اقتصادياً وإبداعياً؛ فكثير من الفنانات والمصمّمات والمنظِّمات والموسيقيات اللواتي كنّ يعملن في الظل أو يُغادرن البلاد بحثاً عن فضاء يحتضن إبداعهن، وجدن في هذه المهرجانات منصة لا تقل أهمية عن أي منصة عالمية.
أما اقتصادياً، فقد ثبت أن المهرجانات الكبرى كموسم الرياض وجدة والعُلا تُولّد مليارات الريالات في شكل إيرادات سياحية وفرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتُسهم في بناء بنية تحتية ترفيهية وثقافية كانت المملكة تفتقر إليها افتقاراً شديداً. الرقم ليس مجرد حصيلة مالية؛ بل هو دليل على أن الاستثمار في الثقافة استثمار حقيقي لا مجرد إنفاق على البهجة.
خاتمة: الاحتفال فعل حضاري
حين يستمع إنسان إلى قصيدة في عكاظ، أو يُحدّق في منشأة ضوئية فوق صخور العُلا، أو يتأمل حرفية صانع السيف في الجنادرية، أو يُصغي إلى المزمار يشق ليل جدة القديمة، فإنه لا يحضر فعالية ترفيهية فحسب؛ بل يُشارك في فعل حضاري يقول إن هذه الأرض مسكونة بالمعنى، وإن هؤلاء الناس يحملون في دواخلهم حضارة لم تُودَع التاريخ بل لا تزال تتنفس.
المملكة العربية السعودية تخوض اليوم واحدة من أكثر رحلات التحول الثقافي إثارةً في العالم المعاصر. وفي قلب هذه الرحلة تقبع المهرجانات؛ ليست زينةً على الهامش بل نبضاً في الصميم. إنها الطريقة التي تُقول بها المملكة للعالم: نحن هنا، نحن أكثر مما تظنون، ونحن في طريقنا إلى ما لم يرَه أحد بعد.
ولعل هذا هو جوهر كل احتفال إنساني في كل زمان ومكان: أن يُؤكد الإنسان وجوده، وأن يُعلن أن الحياة تستحق أن تُحتفى بها.
اترك تعليقاً