الثورة الترفيهية في المملكة العربية السعودية: من الصمت إلى المسرح الكبير

الثورة الترفيهية في المملكة العربية السعودية: من الصمت إلى المسرح الكبير

الثورة الترفيهية في المملكة العربية السعودية: من الصمت إلى المسرح الكبير

الثورة الترفيهية في المملكة العربية السعودية: من الصمت إلى المسرح الكبير

لحظة فارقة في تاريخ مجتمع

في أكتوبر من عام 2017، وقف الأمير محمد بن سلمان أمام العالم في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” ليعلن عن رؤية جديدة للمملكة العربية السعودية؛ رؤية لا تتحدث عن النفط والغاز فحسب، بل عن الإنسان السعودي، عن حقه في الفرح، في الترفيه، في العيش بكامل أبعاد الحياة. لم يكن ذلك مجرد خطاب سياسي، بل كان إعلاناً عن نهاية حقبة وبداية أخرى. حقبة كان فيها السينما محظورة، والحفلات الموسيقية شبه معدومة، والفضاء العام يخلو من الدفء الجماعي الذي تمنحه التجارب الترفيهية المشتركة.

ما الذي تغيّر بعد عام 2017؟ الإجابة القصيرة هي: كل شيء تقريباً. أما الإجابة الحقيقية، فهي أعمق من ذلك وأكثر تعقيداً؛ إذ تتشابك فيها خيوط الاقتصاد والهوية والمجتمع والسياسة والثقافة في نسيج واحد لم تشهد المملكة مثيله في تاريخها الحديث.

الخلفية التاريخية: مملكة بلا دور سينما ولا حفلات

لفهم حجم التحول، لا بد من استحضار الصورة التي كانت عليها المملكة قبل عام 2017. كانت المملكة العربية السعودية واحدة من دول قليلة جداً في العالم تحظر السينما حظراً رسمياً؛ وهو حظر امتد لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً منذ مطلع الثمانينيات، حين أُغلقت دور العرض تحت ضغط التيار الديني المتشدد الذي كان يرى في السينما بوابة للفساد والانحلال الأخلاقي.

في غياب الترفيه العام، لجأ السعوديون إلى بدائل متعددة: السفر إلى الخارج كان الخيار الأول والأثير للطبقات الميسورة، إذ كانت البحرين والإمارات ومصر وغيرها وجهات لمن يريد الاستمتاع بما يحرمه وطنه. أما الطبقات الأدنى دخلاً فلم تكن محظوظة بهذه الحرية، فاكتفت بما تتيحه شاشة التلفزيون والتجمعات العائلية والأسواق الشعبية.

كانت الفعاليات الترفيهية العامة محدودة للغاية، وما وُجد منها كان إما في إطار الاحتفالات الوطنية أو الموسمية، أو ضمن حدود ضيقة لا تسمح بالاختلاط بين الجنسين. المرأة كانت مغيّبة عن الفضاء العام إلى حد بعيد، وحضورها في الفعاليات المختلطة كان مثار جدل وخطر اجتماعي.

هذا الواقع كان يُكلّف الاقتصاد السعودي غالياً؛ فقد قدّرت الدراسات أن السعوديين ينفقون مليارات الدولارات في الخارج على الترفيه والسياحة، في حين تظل هذه الأموال ضائعة على الاقتصاد الوطني.

رؤية 2030 ومحور الترفيه: لماذا الآن؟

جاءت رؤية 2030، التي أعلنها الأمير محمد بن سلمان في أبريل 2016، لتحدد ثلاثة محاور جوهرية لمستقبل المملكة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وكان قطاع الترفيه في قلب المحور الأول من هذه الثلاثية.

المنطق الاقتصادي واضح: المملكة التي تمتلك أكثر من ستين بالمئة من سكانها دون سن الثلاثين باتت أمام فرصة ذهبية؛ شباب متعطش للترفيه والإبداع والتعبير، وسوق داخلية ضخمة تتسع لكل ما يمكن تقديمه. بدلاً من أن تذهب أموال هؤلاء الشباب إلى دبي وبيروت وعواصم أوروبا، لماذا لا تُستثمر في داخل المملكة؟

لكن الأمر لم يكن اقتصادياً فقط. كان هناك بُعد أعمق: إعادة تشكيل هوية المجتمع السعودي في مرحلة ما بعد النفط. الدولة التي تريد أبناءها أن يبتكروا ويبدعوا ويُنتجوا، لا يمكنها حرمانهم من الفضاء الثقافي الذي تنمو فيه الإبداعية وتتفتح فيه العقول. الترفيه في هذا السياق ليس رفاهية، بل بنية تحتية ناعمة لاقتصاد المعرفة والإبداع.

وفي أكتوبر 2016، تأسست الهيئة العامة للترفيه، التي أُسنِدت رئاستها إلى تركي آل الشيخ، لتكون المحرك التنفيذي لهذه الرؤية. وبدأت الهيئة فوراً في ضخ الفعاليات والمبادرات بوتيرة لم يعهدها المجتمع السعودي من قبل.

السينما تعود بعد 35 عاماً: حدث تاريخي

في الثامن عشر من أبريل 2018، فتحت أبواب أول دار سينما رسمية في المملكة العربية السعودية منذ أكثر من ثلاثة عقود. كان الحدث في جدة، وكانت الفيلم الأول الذي عُرض هو “بلاك بانثر” في نسخته الإنجليزية، أمام جمهور مشحون بمشاعر التاريخ والانتظار.

لم يكن ذلك مجرد افتتاح دار سينما، بل كان إعلاناً رمزياً عن طي صفحة وبدء أخرى. صور الجمهور السعودي لتلك الليلة انتشرت في وسائل الإعلام العالمية؛ وجوه تعبر عن مشاعر متباينة بين الدهشة والفرح والحنين إلى شيء لم يختبره كثيرون من قبل.

التوسع في قطاع السينما جاء بعدها متسارعاً. دخلت كبرى شركات الترفيه العالمية السوق السعودية: AMC وVox Cinemas وCinépolis وغيرها. وحددت الهيئة العامة للترفيه هدفاً طموحاً: إنشاء أكثر من ثلاثمئة دار سينما تحتوي على ألفين وخمسمئة شاشة في كافة أرجاء المملكة بحلول عام 2030.

لكن الأمر لم يتوقف عند الأفلام الأجنبية. كان الرهان الأكبر على صناعة السينما السعودية ذاتها. وللمرة الأولى في التاريخ الحديث، بات المخرجون والكتّاب والممثلون السعوديون قادرين على العمل في بيئة رسمية ومعترف بها. ظهرت أفلام سعودية في المهرجانات الدولية، وبدأت أسماء جديدة تلمع في سماء الإخراج والتمثيل.

من أبرز ما أنتجته هذه المرحلة المبكرة: فيلم “نورة” للمخرج توفيق الزايدي، الذي فاز بجائزة في مهرجان كان عام 2024، وشكّل نقطة انعطاف حقيقية في الحضور السعودي على خريطة السينما العالمية.

الحفلات الموسيقية: من الممنوع إلى الملايين

ربما لا يوجد مجال آخر عبّر عن التحول بهذه الدراما والوضوح كما فعلته الحفلات الموسيقية. في عام 2017، أُقيمت أولى الحفلات الكبرى المختلطة في المملكة، وكانت تلك لحظة أشبه بالزلزال الاجتماعي الهادئ.

تبع ذلك سيل متدفق من الأسماء العالمية الكبرى التي حطّت رحالها في الرياض وجدة والدمام: ماريا كاري، وإنريكي إيغلسياس، وميريا كاري، وشيكيرا، وRicky Martin، وأسماء عربية عملاقة كنجوى كرم وعمرو دياب ووائل كفوري وكاظم الساهر. كانت تلك الحفلات تُقام في الهواء الطلق وفي القاعات الكبرى، بحضور جمهور مختلط من الرجال والنساء في مشهد كان يبدو مستحيلاً قبل سنوات قليلة.

مهرجان موسم الرياض، الذي انطلق عام 2019، صار نموذجاً يُحتذى به في تنظيم التجارب الترفيهية المتكاملة. لم يكن مجرد برنامج من الحفلات، بل كان مدينة ترفيهية منبثقة، تجمع الموسيقى والمسرح والمطاعم والمعارض والألعاب في فضاء واحد ضخم لأشهر متعاقبة.

ما بات يُعرف بـ”ليالي الموسم” أصبح توقعاً موسمياً لا حدثاً استثنائياً. الأرقام تتكلم: ملايين الزوار، ومليارات الريالات التي تُضخ في الاقتصاد المحلي، وآلاف فرص العمل التي تُستحدث في كل موسم.

الأثر الأعمق كان اجتماعياً: المرأة السعودية تجلس جنب الرجل السعودي في الصف نفسه، تصفق لنفس الفنان، تشارك في نفس التجربة. هذا المشهد، البسيط في ظاهره، كان يحمل دلالة ثورية في سياق المجتمع السعودي.

الرياضة كترفيه: ملاعب الطموح

لم تكن الرياضة بعيدة عن هذه الموجة. قرر صانعو القرار أن الرياضة ليست مجرد نشاط بدني، بل أداة للترفيه الجماهيري وللهوية الوطنية وللحضور الدولي.

نادي الهلال ونادي النصر باتا اسمين يُعرفان خارج حدود المملكة لا بسبب إنجازاتهما الكروية القديمة فحسب، بل بسبب قرار غير مسبوق: استقطاب نجوم كرة القدم العالميين. كريستيانو رونالدو جاء إلى النصر في يناير 2023، وكان وصوله حدثاً إعلامياً من الدرجة الأولى. تبعه نيمار إلى الهلال، ثم موسيمانيا التوقيعات التي شملت كريم بنزيمة وسادیو ماني وعدداً آخر من نجوم كرة القدم العالميين.

الدوري السعودي للمحترفين، الذي كان يُعدّ دورياً إقليمياً متواضع الحضور، بات فجأة يُتابعه ملايين حول العالم. البنية التحتية الرياضية واكبت ذلك: ملاعب جديدة، ومرافق تدريبية عالمية المستوى.

لكن الطموح تجاوز كرة القدم. المملكة استضافت نزالات الملاكمة الكبرى، حيث أُقيمت معارك تاريخية في ثقيل الوزن. بطولات الغولف والتنس وسباقات الفورمولا 1 وجدت طريقها إلى الأراضي السعودية. وفي المشهد الأكثر دراماتيكية: الفوز بحق استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2034، وهي نقطة وصول لمسيرة طويلة من بناء صورة المملكة كوجهة رياضية وترفيهية عالمية.

المرأة السعودية لم تكن غائبة عن هذه الصورة: للمرة الأولى سُمح لها بحضور المباريات في الملاعب عام 2018، ثم جاءت خطوات تدريجية نحو مشاركتها في الأنشطة الرياضية نفسها.

المسرح والفنون الأدائية: صحوة إبداعية

ما كان شبه غائب قبل 2017 في المملكة هو المسرح الاحترافي. كانت العروض المسرحية تجري في نطاق ضيق، تعليمي أو خيري في الغالب، ولا تحظى بالاعتراف الرسمي الكافي ولا بالبنية التحتية اللازمة.

مع الهيئة العامة للترفيه، انفتح الباب لموجة من العروض المسرحية العالمية. عروض برودواي وصلت إلى الرياض: “ليل طلال” و”البيت الصغير على السهل” وعروض استعراضية ضخمة لم يسبق للجمهور السعودي أن شاهدها في عقر داره. الفرق الروسية والبريطانية والأمريكية وجدت في المملكة جمهوراً جديداً متلهفاً.

على الصعيد المحلي، نشطت الفرق المسرحية السعودية. برامج دعم المواهب التي أطلقتها الهيئة خلقت مسارات مهنية جديدة للفنانين السعوديين في مجالات التمثيل والإخراج المسرحي وكتابة النصوص.

فنون الشارع أيضاً دخلت المشهد. المهرجانات الكبرى باتت تستضيف عروضاً للأكروبات والبهلوانيات والفنون البصرية في الفضاء المفتوح، مما أعطى الحياة العامة طابعاً مختلفاً يجمع بين العفوية والاحتراف.

السياحة الترفيهية: تحويل المملكة إلى وجهة

الترفيه والسياحة وجهان لعملة واحدة في رؤية 2030. المملكة التي لم تكن تستقطب السياح إلا لأغراض دينية (الحج والعمرة) أو للأعمال التجارية، وضعت هدفاً جريئاً: أن تكون من بين أكثر وجهات السياحة العالمية جذباً بحلول 2030.

مشاريع عملاقة تُبنى على هذه الأساس: نيوم ومكوّنها الأيقوني “ذا لاين”، وتروجينا ومشاريع البحر الأحمر والعُلا وأمالا. تصور أن تكون العُلا، بمواقعها الأثرية الاستثنائية وطبيعتها الجبلية الخلابة، مسرحاً لحفلات موسيقية يُؤديها كبار الفنانين في فضاء مفتوح تحت النجوم؛ هذا بالضبط ما حدث مع مهرجان العُلا الذي جمع بين التراث والحداثة في نموذج فريد.

الاستثمار في السياحة الترفيهية أفرز قطاعاً موازياً من الفنادق الفاخرة والمنتجعات والمطاعم الراقية. صنّاع الطعام والشراب في المملكة وجدوا أمامهم فرصاً لم تكن موجودة من قبل، مع توافد السياح الأجانب الذين يبحثون عن التجربة الكاملة.

الهوية والتراث: ترفيه من الجذور

ثمة بُعد يغيب عن كثير من التحليلات المتعلقة بالتحول الترفيهي السعودي: البُعد التراثي. في خضم الانفتاح على الترفيه الغربي والعالمي، جرى توازٍ حثيث في تعزيز الهوية السعودية الخاصة.

مهرجانات التراث، كمهرجان الجنادرية الذي اكتسب زخماً جديداً ومقاربة تحديثية، صارت تجمع بين عرض الموروث الثقافي الأصيل وأدوات العرض الحديثة. الموسيقى الشعبية والرقص التقليدي والحِرَف اليدوية وجدت فضاءات جديدة لا تحتفظ بها فقط، بل تقدمها للجيل الجديد بأسلوب جذاب وحيوي.

الاهتمام بالمأكولات السعودية جاء جزءاً من هذا التوجه. مهرجانات الطعام التي انتشرت في المدن السعودية لم تقتصر على المطبخ الدولي، بل احتفت بالمطبخ السعودي الأصيل وأعطته مكانة فخرية. الكبسة والجريش والمطازيز والهريس باتت تُقدَّم في سياقات احتفالية تُعلّمها للجيل الجديد وتُعرّفها للزائر الأجنبي.

هذا التوازن بين الانفتاح والأصالة هو ما يمنح التحول السعودي خصوصيته ويميزه عن نماذج تغريبية سطحية رآها العالم في تجارب مشابهة في مناطق مختلفة.

الإعلام الرقمي والترفيه التفاعلي

الجانب الذي ربما لا يُسلَّط عليه الضوء الكافي هو الثورة الرقمية الموازية في قطاع الترفيه السعودي. المملكة تحتل مكانة متقدمة جداً في معدلات استخدام منصات التواصل الاجتماعي وخدمات البث الرقمي.

يوتيوب والسناب شات ينتشران بمعدلات استخدام هي من بين الأعلى في العالم. المحتوى السعودي على هذه المنصات نما نمواً هائلاً بعد 2017؛ صُنّاع المحتوى السعوديون باتوا يحسبون حسابهم في خريطة المؤثرين العرب، ويتنافسون على ملايين المتابعين في كل أنحاء العالم العربي.

منصات البث المباشر مثل نتفليكس وشاهد وWeyyak وجدت في السوق السعودية أرضاً خصبة. الإنتاجات السعودية الأصيلة بدأت تجد طريقها إلى هذه المنصات: مسلسلات ودراما وبرامج كوميدية صُنعت في السعودية وللسعوديين، وبعضها نجح في اختراق الجمهور العربي الأوسع.

ألعاب الفيديو قطاع آخر يستحق الذكر. السعودية ضخت استثمارات ضخمة في هذا القطاع، سواء من خلال صندوق الاستثمارات العامة الذي يمتلك حصصاً في شركات ألعاب عالمية كبرى، أو من خلال استضافة بطولات الرياضات الإلكترونية (الإيسبورت) التي باتت تستقطب لاعبين من كل أنحاء العالم.

التحديات والانتقادات: صورة أكثر تعقيداً

أي حديث عن التحول الترفيهي في المملكة لن يكون أميناً إن تجاهل التحديات والانتقادات المحيطة به.

على الصعيد الاقتصادي، بعض المشاريع الضخمة واجه تأخيرات في التنفيذ وتحديات في الجدوى الاقتصادية. بناء قطاع ترفيه من الصفر يتطلب وقتاً أطول وتكلفة أعلى مما تتصوره الخطط الأولى في الغالب.

على صعيد الكوادر البشرية، الاندفاع السريع نحو الترفيه خلق نقصاً حاداً في الكوادر الوطنية المتخصصة. التنظيم والإنتاج والتسويق الترفيهي مهارات تحتاج إلى سنوات لبناء أجيال متمرسة فيها. حتى اليوم، يعتمد القطاع بشكل كبير على الخبرات الأجنبية في مستويات الإدارة العليا.

ثمة أيضاً سؤال الاستدامة على المدى البعيد: هل ما يُقام الآن هو ثقافة ترفيه راسخة أم مجرد موجة مدفوعة بإنفاق حكومي ضخم؟ بناء جمهور حقيقي يدفع من ماله الخاص ثمن تذاكر الفعاليات، ويُشكّل عادات ترفيهية مستدامة، هو التحدي الأصعب وإن كان التقدم فيه واضحاً.

أثر التحول على الهوية الاجتماعية

ما يبقى في نهاية المطاف هو السؤال العميق عن هوية. كيف يرى السعودي نفسه اليوم مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن؟

الجيل الذي وُلد في التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، يعيش اليوم واقعاً مختلفاً جذرياً. الشاب السعودي يمكنه الذهاب إلى السينما، وحضور الحفلات الموسيقية، والمشاركة في المهرجانات، والانتساب لفريق رياضي، وممارسة فنون أدائية. وعلى الضفة المقابلة، فتاة من الرياض أو جدة يمكنها اليوم أن تشكّل هويتها الثقافية في فضاء أوسع وأكثر تنوعاً مما كانت عليه الحال لأمها أو جدتها.

هذا التحول في الهوية هو ربما الأعمق والأبطأ في التجلي والأصعب في القياس. الترفيه ليس مجرد تسلية؛ هو الفضاء الذي تُصاغ فيه القيم الجماعية والأحلام المشتركة وصور الذات في المرآة. حين يتغير الترفيه، يتغير جزء عميق مما نسميه “الثقافة”.

نظرة إلى الأمام: المملكة عام 2030 ومعها

السنوات القادمة ستكون اختبار النضج لهذه التجربة. الطموحات كبيرة: أن يُسهم قطاع الترفيه في تنويع الاقتصاد السعودي وأن يرفع نصيبه من الناتج المحلي الإجمالي، وأن يجذب السياحة ويحتجز الإنفاق المحلي الذي كان يتسرب إلى الخارج، وأن يُبنى على صناعة إبداعية سعودية قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.

المؤشرات الأولى إيجابية. قطاع الترفيه والسياحة بدأ يُسجّل أرقاماً حقيقية على الميزان الاقتصادي. الفعاليات الكبرى تستقطب ملايين الزوار. السينما السعودية تطرق أبواب المهرجانات الدولية. الموهبة السعودية تجد مساراً مهنياً في الداخل.

لكن الأهم من الأرقام هو ما يصعب قياسه: ثقة شعب بأنه قادر على الاحتفاء بنفسه، وفرح جيل يرى بلده يتنفس على سعتها، ومستقبل لم يكن قابلاً للتصور قبل عقد واحد فقط من الزمن.

خاتمة: مشهد لم يكتمل بعد

التحول الترفيهي في المملكة العربية السعودية ليس قصة مكتملة الفصول. إنه مسرحية لا تزال تُعاد فصولها وتُكتب تفاصيلها يوماً بعد يوم. القطاع ما زال في طور البناء والتشكّل، والتحديات ما زالت قائمة، والأسئلة ما زالت مطروحة حول الاستدامة والعمق والأثر طويل المدى.

لكن ثمة شيء واضح لا يحتاج إلى جدل: ما شهدته المملكة منذ عام 2017 حتى اليوم هو أحد أسرع التحولات الثقافية وأكثرها جذرية في تاريخ أي مجتمع في العالم المعاصر. أن تذهب بلد من حظر السينما إلى استضافة أضخم الأحداث الترفيهية العالمية في أقل من عشر سنوات، ليس مجرد سياسة، بل هو إعادة تعريف لما يعنيه أن تكون سعودياً في عالم القرن الحادي والعشرين.

المشهد لم يكتمل بعد، لكن ملامحه باتت تتضح: مملكة تريد أن تكون من بين أكثر بلدان العالم حيوية، تُنتج ثقافتها الخاصة ولا تستوردها فقط، وتحتفل بنفسها أمام العالم دون أن تفقد ما يُميزها عن العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *