السينما السعودية: العودة الكبرى إلى الشاشة

السينما السعودية: العودة الكبرى إلى الشاشة

السينما السعودية: العودة الكبرى إلى الشاشة

السينما السعودية: العودة الكبرى إلى الشاشة

صمت طال أكثر من ثلاثة عقود

في مساء الثاني والعشرين من ديسمبر عام 2017، أعلنت المملكة العربية السعودية عن قرار تاريخي غيّر وجه الترفيه في البلاد إلى الأبد: رفع الحظر عن دور السينما التجارية بعد غياب دام أكثر من خمسة وثلاثين عاماً. لم يكن ذلك مجرد قرار إداري أو تعديل تنظيمي عابر، بل كان إعلاناً عن ولادة جديدة، وفتحاً لباب طالما كان موصداً في وجه الفن السابع، وبداية لمرحلة لم تكن تتخيلها الأجيال التي نشأت في ظل الحظر.

السينما في المملكة العربية السعودية ليست قصة بدأت عام 2018 حين فُتحت أولى دور العرض الحديثة. إنها في الحقيقة قصة أعمق وأقدم، تمتد جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي حين كانت شاشات العرض تضيء بعض المدن السعودية، قبل أن تُطفأ تلك الأنوار في مطلع الثمانينيات تحت وطأة الضغوط الاجتماعية والدينية المتشددة التي اجتاحت المنطقة في أعقاب الثورة الإيرانية وحادثة الجهيمان. ما جرى بعد ذلك كان صمتاً رسمياً طويلاً، لكنه لم يكن صمتاً شاملاً، إذ ظل الإبداع السينمائي يعيش خارج الأضواء، في السفارات الأجنبية، وفي التجمعات الخاصة، وفي نفوس مخرجين وكتّاب شبان يحلمون برؤية أعمالهم على شاشة كبيرة.

هذه المقالة رحلة في عمق تلك الحكاية المتشابكة: من الجذور التاريخية إلى القرار التاريخي، ومن أولى الأفلام إلى أحدث الإنتاجات، ومن التحديات الجمّة إلى الآفاق الواسعة التي تنتظر صناعة سينمائية تولد من جديد في قلب الجزيرة العربية.

الجذور المنسية: السينما السعودية قبل الحظر

قبل أن يُسدل الستار على دور العرض في المملكة، كانت ثمة بدايات حقيقية جديرة بالتأمل. في مدينة جدة، وفي الرياض، وفي بعض المدن الساحلية، كانت تعمل دور سينما تستقطب جمهوراً متشوقاً لمشاهدة الأفلام المصرية والأمريكية. كانت تلك الفترة تعكس انفتاحاً نسبياً ميّز حقبة الخمسينيات والستينيات، حين كانت المملكة تخطو خطواتها الأولى نحو التحديث، وكان الملك سعود ومن بعده الملك فيصل يُشيدان مؤسسات الدولة الحديثة.

غير أن الأمر لم يكن يسيراً في أي وقت. السينما كانت دائماً محل جدل في المجتمع السعودي المحافظ. لم تكن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المعروفة بالمطوعين، لتمر بصمت على ما تعدّه إغراءً وفساداً. بيد أن الموجة الأكبر جاءت مطلع الثمانينيات، حين تصاعدت حدة التيارات الدينية المحافظة، وحين أحدثت حادثة الاستيلاء على الحرم المكي عام 1979 زلزالاً في البنية الاجتماعية والسياسية للمملكة، دفعت الحكومة إلى تقديم تنازلات كبيرة للتيار الديني، كان أبرزها إغلاق دور السينما التجارية.

لكن الإبداع لا يموت بقرار. في تلك السنوات العجاف، واصل مبدعون سعوديون شغفهم بالصورة المتحركة. بعضهم درس في الخارج وعاد بحلم يبحث عن أرض. وبعضهم صنع أفلاماً قصيرة ووثائقية لا تُعرض في دور السينما بل تُشارك في المهرجانات الدولية. أفلام مثل “كيف الحال” للمخرج إياد الخزيز التي صدرت عام 2006، وأفلام المخرجة هيفاء المنصور التي صارت رمزاً للسينما السعودية المستقلة، كانت تُثبت أن الموهبة موجودة وأن الرغبة في التعبير حاضرة، حتى حين تكون الشاشات الكبيرة غائبة.

هيفاء المنصور: رائدة وسط الصحراء

لا يمكن الحديث عن السينما السعودية دون الوقوف عند اسم هيفاء المنصور، المخرجة التي تحدّت المستحيل وكتبت صفحة مضيئة في تاريخ الفن السعودي والعربي معاً. وُلدت في الأحساء وترعرعت في بيئة لم تكن تبدو فيها السينما حلماً واقعياً، لكنها لم تتخلَّ عن شغفها.

في عام 2012، أنجزت المنصور تحفتها “وجدة”، أول فيلم روائي طويل يُصوَّر كلياً داخل المملكة العربية السعودية. الفيلم يحكي قصة فتاة صغيرة تحلم بامتلاك دراجة هوائية في مجتمع يرى في ذلك خروجاً عن المألوف. بساطة الحكاية لا تحجب عمقها؛ فالدراجة ليست مجرد وسيلة مواصلات، بل رمز للحرية والاستقلالية والرغبة في الحركة في عالم يفرض القيود على المرأة. الفيلم جمع بين الواقعية الاجتماعية والدفء الإنساني، وحصل على جوائز دولية عديدة، وكان مرشحاً لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي.

ما يجعل تجربة المنصور استثنائية ليس فقط الفيلم نفسه، بل الطريقة التي صُنع بها. كانت تُخرّج من سيارة متوقفة في الشارع عبر الراديو اللاسلكي، لأن الاختلاط بالطاقم الذكوري في الأماكن العامة لم يكن مقبولاً اجتماعياً. صورة المخرجة التي تُشاهد عملها من وراء زجاج السيارة صارت رمزاً صارخاً للعوائق التي تواجهها المرأة المبدعة، وفي الوقت ذاته رمزاً لإصرارها على الوجود والتعبير رغم كل شيء.

هيفاء المنصور لم تتوقف عند “وجدة”. انتقلت إلى هوليوود وأخرجت “ماري شيلي” عام 2017 و”المهلة الأخيرة” عام 2019، مثبتةً أن المخرجة السعودية قادرة على التعامل مع الصناعة العالمية بثقة واقتدار. وحين فُتحت دور السينما في المملكة، كانت هي أحد وجوه تلك العودة الكبيرة، عودة الابنة إلى وطنها الذي بات أخيراً يستطيع مشاهدة ما صنعته.

القرار التاريخي: عام 2018 وما بعده

حين أعلنت المملكة العربية السعودية في أواخر عام 2017 رفع الحظر عن دور السينما، كان ذلك جزءاً من مشروع رؤية 2030 الطموح الذي أطلقه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. الرؤية لا تتعلق فقط بالاقتصاد وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، بل تتضمن بُعداً ثقافياً واجتماعياً واسعاً يستهدف تحويل المملكة إلى مجتمع أكثر انفتاحاً ومشاركةً في الحضارة الإنسانية.

في الرابع عشر من أبريل 2018، كان الحدث الذي طال انتظاره: عُرض فيلم “بلاك بانثر” في أول دار عرض تجارية تفتح أبوابها في الرياض منذ أكثر من ثلاثة عقود. كان الجمهور المتحمس يملأ القاعة، وكانت الدموع تسبق الفرح في عيون كثيرين ممن نشأوا في ظل الحظر وحلموا بهذه اللحظة. ذلك اليوم لم يكن مجرد افتتاح دار سينما، بل كان إشارة البدء لتحول ثقافي عميق.

سرعان ما توالت الانفتاحات. شركة AMC الأمريكية العملاقة كانت أول الشركات الكبرى التي دخلت السوق السعودية، تلتها سلسلة Vox Cinemas الإقليمية وغيرها. خطط طموحة أُعلن عنها: بناء مئات دور السينما في مختلف أنحاء المملكة بحلول عام 2030، وجذب استثمارات بمليارات الدولارات في قطاع الترفيه. هيئة الأفلام السعودية أُسست عام 2020 لتكون الجهة المنظمة والداعمة لصناعة السينما، وأُطلق معها برنامج دعم الأفلام السعودية الذي يُقدم حوافز مالية للمنتجين.

الأرقام تحكي قصة النمو بوضوح: من صفر دور عرض في بداية 2018 إلى أكثر من خمسمائة قاعة عرض بحلول منتصف العقد، مع مستهدف يصل إلى أكثر من ستمائة دار سينما بحلول 2030. السوق السعودية باتت تُعد من أسرع الأسواق نمواً في العالم في قطاع الترفيه السينمائي.

مهرجان البحر الأحمر السينمائي: منصة للطموح

أحد أبرز المعالم في مسيرة السينما السعودية الجديدة هو مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي الذي أُطلق في مدينة جدة عام 2021. المهرجان لم يأتِ كحدث ترفيهي عابر، بل جاء كإعلان عن رغبة سعودية جادة في الانخراط في المشهد السينمائي العالمي والمساهمة فيه لا مجرد الاستهلاك منه.

يستقطب المهرجان أفلاماً من جميع أنحاء العالم، ويفتح أبوابه أمام المواهب العربية والأفريقية والآسيوية بشكل خاص، مُؤكداً هويته كمنصة جنوب-جنوب تقف في مواجهة الهيمنة الغربية التقليدية على المشهد السينمائي الدولي. في دوراته المتعاقبة، استضاف نجوماً عالميين من هوليوود وبوليوود وشاشات العالم، وأضحى حضوراً ثقافياً بارزاً لا يمكن تجاهله على خريطة المهرجانات الدولية.

ما يُميز مهرجان البحر الأحمر أيضاً التزامه بدعم المواهب السعودية والعربية الشابة عبر ورش عمل وبرامج تدريبية وجوائز مخصصة للأعمال الأولى. هذا البُعد التعليمي والتنموي يجعله أكثر من مجرد حفل جوائز؛ إنه مشتل للمواهب ومختبر للأفكار التي ستُشكل سينما المنطقة في السنوات المقبلة.

الأفلام السعودية: من التجارب إلى الطموح

في ظل هذا المناخ الجديد، بدأت تتشكل ملامح سينما سعودية حقيقية بأصوات متعددة وقصص متنوعة. الأفلام التي أُنتجت منذ 2018 تحمل سمات مشتركة: الجرأة في تناول القضايا الاجتماعية، والتأرجح بين الحداثة والموروث، والبحث عن هوية سردية تخص المجتمع السعودي دون أن تنغلق عليه.

فيلم “نورة” للمخرج توفيق الزايدي الذي عُرض في مهرجان كان عام 2024 يمثّل نضجاً لافتاً في السينما السعودية. القصة تدور في أرياف المملكة في ثمانينيات القرن الماضي، حين يصل معلم شاب إلى قرية نائية ويلتقي بفتاة تحمل في داخلها روحاً فنية مقيّدة. الفيلم يستحضر مرحلة مفصلية في تاريخ المملكة بعيون إنسانية حانية، دون خطاب مباشر أو رسائل مُعلبة. حصوله على جائزة النظرة المعينة في كان كان اعترافاً دولياً بأن السينما السعودية باتت تُنتج أعمالاً بمستوى عالمي.

فيلم “مندوب الليل” للمخرج علي الكلثمي عام 2023 قدّم تجربة مختلفة تماماً: فيلم أكشن كوميدي يسير في الشوارع الليلية للرياض، ويتناول ضغوط العمل والعلاقات الأسرية بأسلوب خفيف وسريع الإيقاع. نجاحه الجماهيري في المملكة وحصوله على إشادات نقدية دولية أثبت أن الجمهور السعودي يريد أن يرى نفسه على الشاشة، وأن السينما المحلية قادرة على المنافسة.

وفي سياق آخر، تتواصل الأفلام الوثائقية التي تسبر أغوار المجتمع السعودي وتُضيء جوانب منه ظلت مجهولة. أفلام تتناول الموسيقى التقليدية، والحرف اليدوية، والأماكن المندثرة، والتحولات الاجتماعية الكبيرة – كل ذلك يُشكل ذاكرة بصرية لمجتمع في لحظة تحوّل استثنائية.

التحديات: بين الحلم والواقع

الحماس المشروع لا ينبغي أن يحجب التحديات الحقيقية التي تواجه السينما السعودية في مرحلة تأسيسها. الطريق ليست مفروشة بالورد، والعقبات متعددة الأوجه.

أولى هذه التحديات هي شُح الكوادر المتخصصة. بناء صناعة سينمائية من شبه الصفر يتطلب آلاف المتخصصين: مخرجين ومصورين وكتّاب سيناريو ومهندسي صوت وخبراء مؤثرات بصرية ومديري إنتاج. التعليم السينمائي في المملكة لا يزال في بداياته، وإن كانت الجامعات والمعاهد الجديدة بدأت تُطلق برامج متخصصة، ويعود كثيرون من الدراسة في الخارج بخبرات متنوعة. لكن بناء منظومة تعليمية متكاملة يحتاج سنوات وربما عقوداً.

التحدي الثاني يتعلق بالمحتوى والرقابة. السؤال الذي يتردد دائماً في أروقة صناعة الأفلام هو: ما الذي يمكن قوله وما الذي يجب تجنّبه؟ الخطوط ليست دائماً واضحة، والحذر الذاتي الذي نشأ على مدى عقود لا يختفي بقرار رسمي. صنّاع الأفلام السعوديون يعملون في مساحة تتسع تدريجياً لكنها تظل محكومة بحساسيات اجتماعية وقيم راسخة تحتاج إلى التعامل معها ببراعة لا مواجهتها بصدامية.

ثالث التحديات هو المنافسة الضارية من المحتوى الأجنبي. الجمهور السعودي الذي أمضى عقوداً يتغذى على هوليوود وبوليوود والدراما المصرية واللبنانية ومنصات البث الرقمية، يملك ذائقة مُشبعة ومتطلبة. إقناعه باختيار الفيلم السعودي بدلاً من الإنتاج العالمي المصقول يستوجب أن تكون الأعمال المحلية بمستوى احترافي عالٍ وبقصص مُقنعة.

ولا يمكن إغفال التحدي المتعلق بتمويل الإنتاج. الأفلام الكبيرة باهظة التكلفة، والدعم الحكومي – رغم أهميته – لا يكفي وحده. بناء قطاع خاص حيوي من منتجين مستقلين واستوديوهات تجارية وصناديق استثمار سينمائي يأخذ وقته، وكثير من صنّاع الأفلام الطموحين لا يزالون يعانون لتأمين التمويل اللازم لتحقيق أحلامهم.

المرأة في السينما السعودية: حضور متنامٍ

أحد أكثر جوانب المشهد السينمائي السعودي الجديد إثارةً للاهتمام هو الحضور المتنامي للمرأة في مختلف أدوار الصناعة. قبل سنوات قليلة، كان هذا الحضور شبه معدوم على المستوى الرسمي العلني. اليوم، تقف نساء سعوديات خلف الكاميرا وأمامها، يكتبن السيناريوهات وينتجن الأفلام ويُمثّلن في أعمال تُعرض على مستوى عالمي.

هذا التحول ليس منفصلاً عن التحولات الاجتماعية الأشمل التي تشهدها المملكة: حق قيادة السيارة الذي حصلت عليه المرأة عام 2018، وانفتاح سوق العمل أمامها في قطاعات كانت حكراً على الرجال، والحضور الكبير لها في قطاع الترفيه بعد رفع الحظر عن الحفلات الموسيقية والفعاليات المختلطة. السينما جزء من هذا المشهد الأشمل، وليست ظاهرة معزولة.

المخرجات الشابات اللواتي يبرزن اليوم يحملن رؤى مغايرة وأصواتاً أصيلة. يُعبّرن عن تجارب المرأة السعودية في لحظة تاريخية فريدة، بين الموروث والتجديد، بين الهوية الراسخة والأفق المفتوح. أعمالهن لا تُؤرخ فقط لمرحلة بل تُشارك في صنعها.

العلاقة مع هوليوود والسينما العالمية

السينما السعودية لا تنمو في فراغ، بل في علاقة تفاعل مستمر مع الإنتاج العالمي. شركة “نيوم” المشروع العملاق للمدينة المستقبلية، وشركة “MBC Studios” إحدى أكبر شركات الإنتاج في المنطقة، وصندوق الاستثمارات العامة الذي ضخّ أموالاً في قطاع الترفيه العالمي – كل هذه الجهات تجعل المملكة لاعباً اقتصادياً مؤثراً في صناعة الترفيه العالمية، لا مجرد مستهلك للمحتوى.

تصوير أفلام هوليوودية في المواقع السعودية بات واقعاً ملموساً. مناظر العُلا الأثرية الساحرة جذبت مخرجين عالميين لا يُصدّقون ما تقدمه هذه البيئة من مشاهد فريدة. المملكة تُقدم حوافز ضريبية للإنتاجات الأجنبية التي تُصوّر على أراضيها، في محاولة لبناء بنية تحتية إنتاجية واسعة وتنقل الخبرات لكوادرها المحلية.

في الوقت ذاته، يُتابع المخرجون السعوديون الشباب المهرجانات الكبرى في كان وفينيسيا وبرلين وتورنتو، لا كزوار فقط بل كمشاركين بأعمالهم. هذا الحضور في المنتدى السينمائي العالمي يُشكّل هويتهم ويوسّع آفاقهم، ويُثبت أن السينما السعودية قادرة على محاورة العالم بلغته الجمالية والفكرية دون أن تتخلى عن خصوصيتها.

الهوية السردية: ما القصة التي تريد السينما السعودية روايتها؟

السؤال الأعمق الذي يواجه السينما السعودية الناشئة هو سؤال الهوية السردية: من نحن؟ وماذا نريد أن نقول؟ ومن هو المتفرج الذي نخاطبه؟

السينما في أي مكان من العالم ليست فقط ترفيهاً، بل هي مرآة يرى فيها المجتمع نفسه، وأداة يُساءل بها تاريخه، ومختبر يُجرب فيه أسئلة الهوية والانتماء والمصير. السينما السعودية مدعوّة اليوم لأداء هذا الدور الكبير في لحظة تاريخية يتحول فيها المجتمع بسرعة لافتة.

هناك إغراء سهل يتمثل في تقليد النماذج الناجحة: قصص الرعب والأكشن والكوميديا الهجينة التي تضمن جمهوراً. وهذا الإغراء مشروع لأن الصناعة تحتاج إلى إيرادات. لكن السينما الباقية في الذاكرة هي تلك التي تجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة: ماذا كان يعني أن تكبر في المملكة في السبعينيات؟ ما الذي خسره ذلك الجيل حين أُغلقت دور السينما؟ كيف ينظر العمال المهاجرون إلى هذا البلد الذي أمضوا فيه أعمارهم؟ ما الذي تحمله ذاكرة البادية والصحراء والبحر الأحمر من قصص لم تُحكَ بعد؟

المخرجون السعوديون الذين يُجيبون على هذه الأسئلة بصدق وبصيرة هم الذين سيُقدمون إسهاماً حقيقياً في تراث السينما العالمية، لا مجرد منتج محلي للاستهلاك الداخلي.

الجمهور الجديد: جيل يكتشف الشاشة الكبيرة

لا يكتمل الحديث عن السينما دون الحديث عن الجمهور. وفي المملكة العربية السعودية، ثمة ظاهرة فريدة: جمهور ضخم من الشباب الذين يدخلون دور السينما لأول مرة في حياتهم، يكتشفون ما للشاشة الكبيرة من سحر لا يُقارن بشاشة الهاتف أو التلفاز.

هذا الجمهور يتشكّل ذوقه في الوقت الراهن، وما يُشاهده الآن سيُشكّل معاييره ورغباته لعقود. إنه جمهور مُتصل بالعالم عبر منصات البث ووسائل التواصل الاجتماعي، يعرف كيف تبدو الأفلام العالمية الجيدة، ويريد من سينماه المحلية ما لا يقل عنها جودةً مع ما يضيف إليها أصالةً وقربا.

المثير للاهتمام أيضاً أن دور السينما في المملكة أصبحت أماكن اجتماعية مختلطة حيث يجلس الرجال والنساء جنباً إلى جنب – وهو ما كان حتى عهد قريب غير متصور في الفضاء العام السعودي. هذه الدور تُعيد رسم طبيعة التفاعل الاجتماعي، وتُوسّع مساحة اللقاء المشترك بين الجنسين، بكل ما يحمله ذلك من دلالات على التحول الاجتماعي العميق.

آفاق المستقبل: إلى أين تسير السينما السعودية؟

النظر إلى المستقبل القريب يكشف عن آفاق واسعة وتساؤلات مفتوحة. برامج الدعم الحكومي ستواصل ضخ الموارد في الصناعة. الكوادر المُدرَّبة ستتراكم وتنضج. استوديوهات الإنتاج ستتأسس وتتوسع. جمهور أكثر اعتياداً على السينما سيُشكّل قاعدة راسخة.

لكن النضج الحقيقي للسينما السعودية يتوقف على عوامل تتجاوز الموارد المادية. يتوقف على الجرأة في التناول والصدق في التعبير وحرية الاستفسار الفني. يتوقف على وجود بيئة نقدية حيّة تُحاسب الأعمال وتُقيّمها بمعايير جمالية وفكرية صارمة. يتوقف على صنّاع أفلام يُؤمنون بأن مهمتهم ليست تقديم صورة جميلة للواقع بل استكشاف حقيقته بكل تعقيداتها.

ما يُبشّر بالخير هو أن الأصوات الإبداعية موجودة وتتنامى. جيل جديد من المخرجين والكتّاب والممثلين السعوديين ينمو في حضن صناعة ناشئة، يحملون طاقة وفضولاً وثقافة بصرية لأسلافهم لم يتسنّ لهم ذلك. إنهم يقفون على أكتاف رائدات مثل هيفاء المنصور ومخرجين مثل توفيق الزايدي وعلي الكلثمي، ويتطلعون إلى أفق لا حدود له.

خاتمة: شاشة تضيء من جديد

كتب المخرج الإيطالي الكبير فيديريكو فيلّيني ذات يوم: “السينما هي اختراع بلا مستقبل”، وكان يسخر طبعاً، لأن السينما أثبتت أن مستقبلها لا ينتهي ما دام الإنسان يحمل في داخله حكايات يريد مشاركتها.

في المملكة العربية السعودية، الشاشة التي أُطفئت ذات يوم تضيء من جديد، وهذه المرة ببريق أقوى. العودة الكبيرة للسينما السعودية ليست عودة إلى ما كان، بل نقطة انطلاق نحو ما يمكن أن يكون. صناعة سينمائية تنبت في بيئة ذات إرث ثقافي غني وشباب طموح ودولة تضخ في هذا المشروع الحضاري طاقة وموارد ضخمة لديها كل الأسباب لكي تنجح.

الأفلام القادمة ستحكي عن الصحراء والبحر، عن الأجداد الرحّالة والأحفاد المدنيين، عن نساء يكسرن القيود ورجال يتصالحون مع هشاشتهم، عن تناقضات مجتمع يتحول بسرعة البرق وعمق الجذور. ستكون سينما يصنعها أبناء هذه الأرض ليتحدثوا إلى العالم بصوتهم الخاص، بلغة الصورة التي لا تحتاج ترجمة حين تكون صادقة.

وحين تُطفأ الأضواء في قاعة العرض، ويلتفت الجمهور إلى الشاشة منتظراً بداية الفيلم، لا يحدث شيء عادي. يحدث شيء أشبه بالسحر: حكاية تبدأ، وعالم ينفتح، وروح تجد نفسها في مرآة الفن. وهذا بالضبط ما كانت السينما السعودية تنتظره طويلاً، وما باتت تصنعه أخيراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *