دور المرأة في المشهد التعليمي في المملكة العربية السعودية
دور المرأة في المشهد التعليمي في المملكة العربية السعودية
دور المرأة في المشهد التعليمي في المملكة العربية السعودية
فجر التغيير في أرض الجزيرة
في قلب شبه الجزيرة العربية، حيث تمتد الرمال الذهبية على مسافات شاسعة وترتفع ناطحات السحاب في أفق الرياض وجدة والدمام، تجري رياح التحول بقوة لا تهدأ. ولعل أبرز مجالات هذا التحول وأعمقها أثرًا في النسيج الاجتماعي هو ما شهده قطاع التعليم من إعادة هيكلة جذرية، وضعت المرأة في مركزه الدافئ بعد عقود من التهميش أو التقييد. فالمشهد التعليمي في المملكة العربية السعودية اليوم ليس ما كان عليه بالأمس، والمرأة السعودية ليست مجرد متلقية للتعليم بعد الآن، بل باتت صانعته ومشكّلته ومستقبله.
إن الحديث عن دور المرأة في التعليم السعودي حديثٌ متشعب الجذور، يمتد من التاريخ إلى الحاضر ومن السياسة إلى الثقافة، ومن الأرقام الجافة إلى القصص الإنسانية المعيشة. وللإحاطة بهذا الدور إحاطةً حقيقية، لا بد من استحضار السياق التاريخي الذي نبت فيه، ورصد التحولات التي طرأت عليه، وقراءة الواقع الراهن بأدوات نقدية تتجاوز الإطراء المجاني والانتقاد المغالي على حدٍّ سواء.
الجذور التاريخية: من البدايات المتحفظة إلى الإرساء المؤسسي
لم يكن تعليم المرأة في المملكة العربية السعودية وليد رؤية 2030، بل تعود بداياته إلى أواسط القرن الماضي. ففي عام 1960م، افتُتحت أولى مدارس البنات الحكومية في المملكة، وهو حدث لم يمر دون جدل اجتماعي حاد في تلك الحقبة. كانت ثمة أصوات ترى في تعليم المرأة خروجًا عن المألوف، بل اعتراضًا على ما يُظن أنه الموروث الديني والاجتماعي. غير أن الدولة مضت في مسارها، وإن اتسم ذلك المسار في البداية بالحذر والتحفظ.
في تلك المرحلة التأسيسية، كان تعليم البنات يقع تحت إشراف “الرئاسة العامة لتعليم البنات”، وهو كيان مستقل عن وزارة التربية والتعليم التي كانت تشرف على تعليم الذكور. هذا الفصل المؤسسي عكس بوضوح النظرة السائدة إلى تعليم المرأة باعتباره شأنًا خاصًا يستلزم وصاية مختلفة. ومع ذلك، لم يمنع هذا الهيكل البيروقراطي الفتيات من التدفق إلى المدارس، وكانت نسب الالتحاق تتصاعد عقدًا بعد عقد.
وفي عام 2002م، دُمجت الرئاسة العامة لتعليم البنات في وزارة التربية والتعليم، وكان ذلك علامة فارقة تعني رسميًا أن تعليم الفتيات لم يعد استثناءً يحتاج إلى هيئة موازية، بل بات ركيزةً أصيلة في منظومة التعليم الوطني. وجاء هذا الدمج في أعقاب أحداث أليمة، في مقدمتها حريق مدرسة البنات في مكة المكرمة عام 2002م الذي أشعل نقاشًا مجتمعيًا واسعًا حول بيئة التعليم وظروفه للفتيات.
رؤية 2030: منعطف تاريخي في مسيرة التعليم النسائي
مثّل إطلاق رؤية المملكة العربية السعودية 2030 في أبريل 2016م نقطة تحول جذرية في مقاربة التعليم برمته، وفي تعليم المرأة تحديدًا. فقد وضعت الرؤية تنمية رأس المال البشري في صدارة أولوياتها، وأدركت أن استبعاد نصف المجتمع من سوق العمل والحياة العامة هو ضربٌ من الإسراف في الطاقات البشرية لا يليق بدولة تطمح إلى التنويع الاقتصادي والنهوض المعرفي.
وفي هذا السياق، جاءت جملة من الإصلاحات التعليمية التي خصّت المرأة بنصيب وافر. فقد رُفعت القيود عن كثير من التخصصات الأكاديمية التي كانت حكرًا على الذكور، كالهندسة والطيران والعلوم العسكرية وبعض التخصصات الطبية المتقدمة. وباتت المرأة السعودية قادرة على الالتحاق ببرامج الدكتوراه في مجالات لم تكن متاحة لها من قبل، سواء في الجامعات المحلية أو في الابتعاث الخارجي الذي وصل عدد المبتعثات فيه إلى أرقام غير مسبوقة.
كذلك شهدت هذه المرحلة انفتاحًا على التعليم المختلط في بعض السياقات الأكاديمية، ولا سيما في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست” التي أسست منذ تأسيسها لبيئة بحثية مختلطة، وأصبحت نموذجًا رائدًا للتعاون الأكاديمي بين الجنسين على أرض المملكة.
الأرقام تتكلم: حضور المرأة في المشهد التعليمي
الأرقام في سياق تعليم المرأة السعودية ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي شواهد على مسيرة شق بها الواقع طريقه بصبر وإصرار. ففي المرحلة الجامعية، تتجاوز نسبة الطالبات في كثير من الجامعات السعودية نسبة الطلاب الذكور، إذ تتراوح هذه النسبة بين 55% و60% في عدد من المؤسسات الأكاديمية. وهذا التفوق العددي ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج الطموح المتراكم لأجيال من النساء اللواتي وجدن في التعليم منفذًا للتعبير عن الذات وتحقيق الطموح.
وفي مجال البحث العلمي، يزداد حضور المرأة السعودية باطّراد. فقد أسهمت باحثات سعوديات في أبحاث منشورة في مجلات علمية محكّمة ذات أثر دولي، وفي مجالات متنوعة تشمل العلوم الطبية والبيولوجيا الجزيئية والهندسة الكيميائية والعلوم الاجتماعية. بل إن عددًا من الباحثات السعوديات صنّفهن مؤشر “ستانفورد” للعلماء الأكثر استشهادًا بأبحاثهم ضمن الأفضل على مستوى العالم.
أما في مرحلة التعليم قبل الجامعي، فإن نسب التحصيل الدراسي للبنات في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة تتساوى مع نظيراتها لدى الذكور، بل تتفوق عليها أحيانًا في المرحلة الثانوية. وهذا التفوق التحصيلي يطرح تساؤلات جدية حول ثنائية العلاقة بين البنية الاجتماعية والتحصيل الأكاديمي، إذ يبدو أن الفتيات اللواتي يجدن في التعليم ملاذًا من القيود الاجتماعية يضخن في أدائهن الأكاديمي طاقةً إضافية لا يستهان بها.
المرأة معلمةً وأستاذةً: من المتعلِّمة إلى المعلِّمة
إذا كانت المرأة في السياق السعودي قد بدأت رحلتها في المشهد التعليمي متعلمةً تستقبل المعرفة، فإنها اليوم تقف بثبات في موقع المُعلِّمة التي تمنح المعرفة وتُشكّلها. والحديث هنا لا يقتصر على معلمات المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وإن كانت هذه الفئة تمثل ركيزة أساسية في جسم التعليم السعودي، بل يشمل أيضًا الأستاذات الجامعيات والباحثات وقيادات التعليم الإداري.
ففي المدارس الحكومية، تمثل المعلمات نسبةً كبيرة من إجمالي الكادر التعليمي، لا سيما في مدارس البنات التي تلتزم بالتعليم الأحادي الجنس. وفيما يخص الجامعات، باتت الأستاذات الجامعيات يحتللن مناصب أكاديمية متقدمة، من مستوى المحاضرة إلى الأستاذية الكاملة ورئاسة الأقسام والكليات. وفي هذا السياق، أسهمت جامعات كجامعة الملك عبدالعزيز وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن -التي تُعد أكبر جامعة نسائية في العالم- في توفير بيئة أكاديمية حاضنة للكفاءات النسائية وراعية لها.
ومن اللافت أن جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن تحتضن اليوم ما يزيد على ستين ألف طالبة، وتضم في أروقتها عشرات التخصصات العلمية والإنسانية والصحية، فضلًا عن برامج الدراسات العليا. وهي بذلك ليست مجرد مؤسسة أكاديمية، بل معلمٌ حضاري يعكس مدى ما وصله الطموح التعليمي النسائي في المملكة.
التعليم التقني والمهني: الكسر التدريجي للقوالب
تاريخيًا، ارتبط التعليم التقني والمهني في الأذهان الاجتماعية السعودية بالذكور، فيما كانت المرأة تُوجَّه نحو التخصصات الإنسانية أو التعليمية أو الصحية الضيقة. بيد أن هذه القوالب النمطية أخذت تتصدع تدريجيًا في السنوات الأخيرة. فقد باتت المرأة السعودية تلتحق ببرامج التدريب التقني في مجالات كتقنية المعلومات والتصميم الجرافيكي والهندسة الكيميائية وحتى الطيران.
وقد أسهمت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني في فتح أبوابها أمام الفتيات في عدد متزايد من التخصصات، وأنشأت كليات تقنية نسائية في مناطق متعددة من المملكة. وجاء هذا التوجه منسجمًا مع هدف رؤية 2030 الرامي إلى رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى 30%، وهو هدف لا يتحقق دون تأهيل تقني ومهني يتجاوز حدود التخصصات التقليدية.
كذلك تجدر الإشارة إلى الازدهار الملحوظ في مجال ريادة الأعمال النسائية، إذ بات كثيرٌ من النساء السعوديات يلتحقن بالحاضنات الريادية والمسرّعات الابتكارية، ويؤسسن شركاتهن الناشئة في قطاعات التقنية والتجارة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني. وهذا التوجه الريادي لا يُغذَّى إلا بتعليم متين وتدريب مهني هادف.
التعليم الإلكتروني: فضاء موازٍ فتح أبوابه للمرأة
إذا كانت البنية التحتية الجغرافية وتقاليد الفصل قد شكّلت في حقب سابقة قيودًا فعلية على وصول المرأة إلى التعليم، فإن الثورة الرقمية وصعود التعليم الإلكتروني قد أعادا رسم خريطة هذا الوصول بشكل جذري. فالمرأة السعودية في أعماق المناطق الريفية النائية باتت قادرة اليوم على متابعة محاضرات جامعية، والتسجيل في دورات تدريبية احترافية، والحصول على شهادات معتمدة دوليًا، كل ذلك عبر شاشة هاتفها أو حاسوبها.
وقد أثبتت جائحة كوفيد-19 بصورة غير متوقعة أن التعليم عن بُعد قادر على الصمود والنماء حتى في أشد الظروف قسوة. فحين أُغلقت المدارس والجامعات في أول 2020م، انتقل التعليم إلى الفضاء الرقمي بسرعة لافتة، وأبدت الطالبات السعوديات قدرةً عالية على التكيف مع هذا التحول. بل إن بعض الدراسات أشارت إلى أن الطالبات في المرحلة الجامعية أظهرن مستوى مشاركة أعلى في بيئات التعلم الافتراضي مقارنةً بالتعلم التقليدي.
وفي هذا الإطار، نمت منصات التعليم الإلكتروني السعودية والعربية نموًا ملحوظًا، وغدت منصات كـ”رواق” و”أبشر التعليمية” و”إدراك” بيئاتٍ تعليميةً فاعلة تستقطب ملايين المتعلمين من بينهم شريحة واسعة من النساء في مختلف مراحل العمر.
التحديات القائمة: قراءة موضوعية دون مواربة
لا تكتمل قراءة المشهد دون الإقرار بالتحديات التي لا تزال قائمة، فالتحفظ على بعض التخصصات والتردد في بعض البيئات الاجتماعية لم يختفيا بقرار أو مرسوم. ففي بعض المجتمعات المحافظة، لا تزال ثمة ضغوط اجتماعية وأسرية تحول دون التحاق الفتيات بتخصصات بعينها أو بمؤسسات أكاديمية في مدن بعيدة عن ذويهن.
وعلى صعيد آخر، لا يزال سقف التمثيل النسائي في المناصب القيادية الأكاديمية العليا أدنى مما ينبغي، فنسبة النساء في مناصب رؤساء الجامعات وعمداء الكليات ومديري الأقسام في الجامعات المختلطة لا تعكس بصورة عادلة ثقلهن العددي والأكاديمي. وهذه فجوة هيكلية تتجاوز الإرادة الفردية وتحتاج إلى سياسات واضحة تكفل تمثيلًا قياديًا عادلًا.
كذلك يبقى التوافق بين التعليم وسوق العمل قضيةً محوريةً لم تُحلّ بالكامل بعد. فعلى الرغم من ارتفاع المستوى التعليمي للمرأة، لا تزال نسبة بطالة النساء من حاملات الشهادات الجامعية مرتفعة نسبيًا مقارنةً بالرجال، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، وحول طبيعة البيئة الوظيفية وما إذا كانت تهيئ فعلًا لاستيعاب الكفاءات النسائية المؤهلة.
ولا يمكن إغفال التحدي الثقافي الذي يتمثل في ضغوط التنميط الاجتماعي التي تُضيّق على المرأة دائرة الاختيار المهني والأكاديمي. فالمجتمع السعودي -كسائر المجتمعات- لا يتحول بصرامة القوانين ولا بسرعة القرارات، بل يتحول ببطء وعبر مسار طويل من التفاوض المتواصل بين القيم الراسخة والتطلعات الجديدة.
المرأة وقيادة المؤسسات التعليمية
في السنوات الأخيرة، برزت نساء سعوديات في مواقع قيادية بارزة داخل المنظومة التعليمية، وهو ما كان يبدو ضربًا من المستحيل قبل عقدين من الزمن. فقد شغلت نساء مناصب قيادية في وزارة التعليم السعودية، بما في ذلك مناصب وكيلات وزارة ومشرفات عامات ومديرات إدارات رئيسية. وفي المشهد الجامعي، قدمت جامعة الأميرة نورة نموذجًا استثنائيًا لقيادة نسائية كاملة تدير مؤسسة أكاديمية بمعايير دولية.
وعلى صعيد التعليم الخاص، حجزت النساء السعوديات لأنفسهن مكانًا لافتًا في قيادة المدارس الخاصة ومؤسسات التدريب الأهلي. وكثيرًا ما تجمع هذه القيادات بين الكفاءة الأكاديمية العالية والخبرة العملية المتراكمة، مما جعل المؤسسات التي يقدنها تتميز بمستوى أداء لافت.
غير أن المشهد يستحق تأملًا نقديًا: ما زال الفضاء المختلط المؤسسي يفرز أحيانًا حالة من التحفظ حين يتعلق الأمر بتعيين امرأة في قيادة مؤسسة تعليمية تضم طلابًا وطالبات على حد سواء. هذا التحفظ يعكس في جوهره حالة انتقالية لم تكتمل بعد، ومجتمعًا يسير نحو التحول بخطى واثقة وإن ظلت متفاوتة السرعة.
المناهج وإعادة التشكيل: المرأة في المحتوى التعليمي
لا يمكن الحديث عن دور المرأة في المشهد التعليمي دون الإشارة إلى مسألة حضورها في المناهج ذاتها. فلسنوات طويلة، عكست الكتب المدرسية السعودية صورة نمطية للمرأة تحصر دورها في المحيط الأسري وتُغفل حضورها في الفضاء العام والمهني. وقد شكّل ذلك بُعدًا رمزيًا في منظومة التعليم أعمق تأثيرًا مما تبدو عليه ظاهرًا.
ومع موجة إصلاح المناهج التي انطلقت بجدية في أعقاب رؤية 2030، بات الاهتمام أكبر بتضمين صور أكثر تنوعًا وتوازنًا للمرأة في الكتب المدرسية، وبإبراز دورها الإنتاجي والمهني والعلمي. وعلى الرغم من أن هذا الإصلاح لا يزال في طور التشكّل ولم يبلغ غايته القصوى، فإن التوجه العام يسير نحو مناهج تعليمية أكثر انعكاسًا للمشاركة النسائية الفعلية في المجتمع.
ومن النماذج اللافتة في هذا الصدد إدراج مادة “التربية الوطنية” لمضامين تتعلق بمشاركة المرأة في بناء الوطن، وتضمين بعض المواد الدراسية لقصص نجاح نسائية في مجالات العلوم والريادة والفن. وهذا الحضور الرمزي في المحتوى التعليمي وإن بدا بسيطًا، فإن تأثيره التراكمي في تشكيل تصورات الأجيال الصاعدة لا يُستهان به.
الابتعاث الخارجي: نافذة الانفتاح المعرفي
أسهم برنامج الابتعاث الخارجي السعودي “برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث” إسهامًا عميقًا في تحويل الخريطة التعليمية النسائية. فمنذ انطلاق البرنامج عام 2005م، ابتُعثت عشرات الآلاف من الطالبات السعوديات إلى جامعات أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا وغيرها من الدول، لينهلن من العلم في أرقى مؤسساته الأكاديمية.
وقد رجعت هؤلاء المبتعثات حاملاتٍ ليس فقط شهاداتهن الأكاديمية، بل أيضًا رؤىً متجددةً ومنهجياتٍ بحثيةً وانفتاحًا فكريًا أثرى المشهد التعليمي المحلي. وكثيراتٌ منهن التحقن بمسيرتهن المهنية في الجامعات والمراكز البحثية ومؤسسات صنع القرار، وحملن معهن عدوى الطموح لأجيال جديدة من الطالبات.
لكن الابتعاث الخارجي أثار في الوقت ذاته نقاشات جدية حول الفجوة المعرفية والقيمية بين البيئة الأكاديمية الغربية والسياق الاجتماعي السعودي. وتواجه المبتعثة العائدة أحيانًا تحديات معقدة في التوفيق بين ما اكتسبته من فكر وأسلوب حياة في الخارج وبين التوقعات الاجتماعية في الداخل. وهذا التوتر الخلاق، وإن كان مرهقًا أحيانًا، يُغذّي في الوقت ذاته نقاشًا مجتمعيًا حيًا وضروريًا.
شهادات من الميدان: أصوات النساء في المشهد التعليمي
ثمة أصوات لا تُسمع كفايةً في التحليلات الرسمية والتقارير الأكاديمية: أصوات النساء أنفسهن، في الفصول والمختبرات وقاعات التدريس والمكاتب الجامعية.
المعلمة في إحدى المدارس الحكومية بالرياض تصف كيف أن مهنتها لم تكن خيارها الأول لكنها أصبحت هويتها الكاملة، وكيف تشعر بأنها تزرع في طالباتها بذور حلم لم تستطع هي ذاتها تحقيقه كاملًا. الأستاذة الجامعية في جامعة الملك عبدالعزيز تُشير إلى الفرق الهائل بين الجيل الذي بدأت فيه مسيرتها الأكاديمية والجيل الحالي من الطالبات في الجرأة والطموح والوضوح في الهدف. وطالبة الدكتوراه في هندسة الروبوتيات تتحدث عن الوحدة الأحيانية التي تشعر بها كونها واحدة من ثلاث نساء في قسمها، وعن العزيمة التي تستمدها من وعيها بأنها تفتح بابًا لمن سيأتين بعدها.
هذه الأصوات المتنوعة تُعقّد الصورة وتُثريها في آنٍ معًا، وتذكرنا بأن المشهد التعليمي النسائي في السعودية ليس مشهدًا واحدًا بل موزاييك من التجارب المتباينة التي تتشابك فيها الإنجازات والعقبات والآمال والإحباطات.
المستقبل: ما الذي يمكن توقعه؟
يستحق المشهد التعليمي للمرأة في السعودية أن يُقرأ ضمن افق زمني أرحب يتجاوز الحاضر المباشر. ففي ظل رؤية 2030 ومسارات التحديث المتسارعة، ثمة اتجاهات محورية ستُشكّل مستقبل هذا الدور:
أولًا: سيزداد تمثيل المرأة في التخصصات العلمية التقنية والهندسية (STEM)، ولا سيما أن الدولة تضخ استثمارات ضخمة في تعزيز هذه التخصصات وتحفيز المرأة على الالتحاق بها. وسنشهد خلال العقد القادم كفاءات نسائية سعودية في مجالات كالذكاء الاصطناعي والفضاء والتكنولوجيا الحيوية تتصدر الواجهة محليًا وإقليميًا.
ثانيًا: سيتطور نموذج التعليم المختلط تدريجيًا ليشمل سياقات أوسع، في ضوء التحولات الاجتماعية المتواصلة والثقة المتراكمة في التعامل مع هذا النموذج في بيئات عمل وأكاديمية متعددة.
ثالثًا: ستؤدي المرأة دورًا محوريًا في إعادة تشكيل البيئة التعليمية ذاتها، من حيث المناهج والأساليب التربوية وفلسفة التعليم، مستفيدةً من موقعها المزدوج بوصفها متعلمةً ومعلمةً وصانعةً للقرار التربوي.
رابعًا: سيواصل التعليم الإلكتروني دوره في تحرير التعليم من قيود الجغرافيا والاشتراطات الاجتماعية، مانحًا المرأة في المناطق الأقل انفتاحًا فرصًا متساويةً مع قريناتها في المدن الكبرى.
خاتمة: معلمٌ لم يكتمل بعد
دور المرأة في المشهد التعليمي السعودي قصة لم يُكتب فصلها الأخير بعد. إنها قصة تجري فصولها في وقت واحد: في قاعة الدرس حين تشرح معلمة حدود الدوائر لطالباتها في ابتدائية بريف الجوف، وفي مختبر البحث الجيني حين تُعالج دكتورة بحوثها في كاوست، وفي فصل التعليم الإلكتروني حين تتابع ربة بيت في الطائف محاضرة في علم الاقتصاد لتحسين واقعها. إنها قصة تُقرأ في أرقام الالتحاق الجامعي وفي سيرة ذاتية لباحثة نشرت ورقتها الأولى بعد تخطيها الخامسة والأربعين، وفي اسم طالبة ابتدائية كتبت للمرة الأولى ما تريد أن تكون.
إن الاعتراف الأمين بهذا المشهد يقتضي التوقف عند إنجازاته بدهشة حقيقية، والإقرار بتحدياته بصدق متجرد، والإصغاء لأصواته المتعددة بأذن مفتوحة. وهو يقتضي أيضًا الوعي بأن التحولات الاجتماعية الكبرى لا تُقاس بسنوات، بل بأجيال، وأن ما تحقق في أقل من عقدين يمثل قفزةً حضاريةً لا يمكن استيعاب ثقلها الحقيقي إلا حين تضعها في سياقها التاريخي الصحيح.
المرأة السعودية في التعليم ليست ظاهرة عابرة ولا إصلاحًا فوقيًا مفروضًا، بل هي حقيقة اجتماعية راسخة تنمو من الداخل وتتشكل بيد نساء قررن، جيلًا بعد جيل، أن المعرفة حقٌّ لا يُنتظر ومسارٌ لا يُستأذن. وعلى هذا المسار، لن تتوقف الخطى.
اترك تعليقاً